مظاهرات لأنصار جماعة الإخوان المسلمين في السودان (أرشيفية)
مظاهرات لأنصار جماعة الإخوان المسلمين في السودان (أرشيفية)

تدَّعي جماعة الإخوان المسلمين أن دعوتها للوصول للحكم تنبني في الأساس على القيم الأخلاقية التي يدعو لها الدين الإسلامي, وقد دأبت الجماعة على الترويج لنموذج الحكم الذي تنشده من منصة ربط قيم السماء بالأرض وبناء الفردوس الدنيوي بسواعد الأطهار من أصحاب الوجوه النورانية والأيادي المتوضئة . 

قد أتيحت الفرصة للجماعة لحكم السودان لمدة 30 عاما وهى الفترة التي لم يحظ بها أية نظام حكم وطني منذ أن نال البلد استقلاله من المستعمر البريطاني في عام 1956 ومع ذلك فقد قدمت الجماعة أسوأ تجربة استبدادية في الحكم كانت أبرز عناوينها هى الحروب الأهلية والفساد والعزلة الدولية حتى خرج عليها الشعب وأسقطها في ثورة ديسمبر 2018 . 

وبما أن الدين كان هو الأداة التي استخدمتها الجماعة لخدمة مصالحها السياسية في السلطة فقد إستمر استدعاءه لتبرير الممارسات القبيحة لنظام الحكم وفي مقدمتها الفساد المالي والإداري والاخلاقي, ومن أمثلة ذلك الاستدعاء التصريح الذي أدلى به أحد قيادات ذلك النظام حول الفساد الذي استشرى في جسد الدولة حينها. 

أعد الأستاذ صالح عمار تقريراً عن قضايا الفساد التي أحدثت جدلاً واسعاً في أوساط الرأي العام أبان حكم جماعة الأخوان, وقام باستطلاع رأي القيادي الإخواني ربيع عبد العاطي حول الموضوع, فقال الأخير : ( المجتمع الإسلامي لا يخلو من السرقة ولو لم تكن هناك سرقات وجرائم لما نزلت الحدود وبينها حد السرقة ).  

وعندما استدرك الأستاذ صالح بالسؤال : ولكن من يسرق الآن هم الحكام الذين يدعون الطهارة والإمامة وليس المجتمع وانني لم أسمع أن مواطنا سطا علي بنك أو وزارة واختلس مليارات الجنيهات ؟ 

جاء رد عبدالعاطي كالتالي : ( إن هناك نماذج كثيرة للسرقات والفساد في المجتمع وإن الحكام خارجون من هذا المجتمع الذي يمارس السرقة وهم من الشعب وأبنائه وكما تكونوا يولى عليكم ), وأضاف ( يولى عليكم من يشبهكم وهو من المجتمع وجاء منكم ).  

الإجابة أعلاه تحتاج للتفنيد من أجل إثبات خطلها والتحايل الذي تتضمنه فمن الناحية الدينية فإن حديث " كما تكونوا يولى عليكم" لم يصح ولم يثبت صدوره عن الرسول, وهو كذلك غير صحيح من الناحية العقلية و من ناحية التجربة التاريخية لأن هناك شعوبا تعاقب عليها حكام فاسدون وآخرون غير فاسدين بينما ظلَّت هى كما هى ولم تتغير. 

قد شهد التاريخ الإسلامي نماذج متصلة من جور الحكام وتسلطهم وفسادهم في ظل حكم إمبراطورية "بني أميَّة" فهل هذا يعني أن المجتمع الإسلامي كان جائرا و مستبدا وفاسدا ؟ وعندما تسلم الخليفة عمر بن عبد العزيز السلطة لفترة وجيزة لم تتعد العامين ساد فيهما العدل في أوساط الناس ومع الحاكم فهل هذا يعني أن الأمة تغيرت في سنتين فقط لتنجب هذا الخليفة العادل ؟ 

ومن الناحية العقلية فإن الفساد يسري من الحاكم إلى المحكوم, لأن الأول يملك قوة القرار, و تلعب الفئة الحاكمة دورا حاسما في إصلاح أو إفساد أي مجتمع لأن الناس بطبعهم يقلدون الحاكم, ومن هنا جاءت المقولة (الناس على دين ملكوهم), والقرآن نفسه يُعلمنا أن فساد الأمم يأتي من أعلاها الي أسفلها وليس العكس : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا). 

إن حديث عبد العاطي يتم توظيفه في إطار نوع من الخطاب الديني يهدف لتكريس و إستمرار فساد السلطة وإلقاء اللوم على الضحية, وهو في هذه الحالة الشعب, فالغرض منه أن يُثبِّت في نفوس الناس وعقولهم أن أحوال الحكم لن تنصلح أبدا لأن العيب ليس في الحكام وإنما فيهم هم, فهؤلاء الحكام ليسوا سوى أداة لتنفيذ العقاب الإلهي على الشعب وليس هناك من سبيل سوى القبول و التسليم بها لأنها تعكس إرادة السماء. 

كذلك يهدف هذا الخطاب لإيصال رسالة للناس تقول : لا فائدة من محاربة الفساد, عليكم أن تقتنعوا بالموجود وتستسلموا له لأنه لو ذهب هؤلاء الفاسدون فسيحل محلهم مفسدون آخرون لأن العلة الأساسية موجودة في المجتمع وليست فيهم هم. 

خطل هذا الخطاب يتبدى جليا عندما ننظر في حقائق الواقع التي تقول أن الشعب (المجتمع) السوداني المتهم من قبل القيادي الإخواني بالتسبب في الفساد قد تعاقبت على حكمه العديد من الأنظمة الوطنية, ومع ذلك لم يبلغ مستوى الفساد الدرجة التي وصل إليها ابان حكم الإخوان. 

ومن ناحية أخرى , فإن الجماعة عندما استولت على السلطة عبر الانقلاب العسكري بذلت الوعود و الأماني العذبة للشعب بنقله من مجتمع البشر الأشرار لدولة الملائكة الأخيار أصحاب الوجوه النورانية و الأيادي المتوضئة, فما الذي حدث ؟ 

العلة الأساسية تكمن في طبيعة النظام الاستبدادي وليس المجتمع كما يدعي القيادي الإخواني, ذلك لأن السلطة في أصلها مفسدة, والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة, وقد تعلمت الإنسانية في مسيرتها الطويلة أنه لا بد من تقييد هذه السلطة وممارسة الرقابة المستمرة عليها والسماح بتداولها بطريقة سلمية, وقد ثبت أن النظام الديمقراطي هو أكثر أنظمة الحكم فاعلية في القيام بهذه المهام. 

وعلى مستوى الأفراد الحاكمين أثبتت التجربة الإنسانية أن الإعتماد على الكوابح الداخلية مثل الإيمان و التقوى و الضمير وغيرها لا يكفي وحده لحماية هؤلاء الأفراد من فساد السلطة, وبالتالي تم إخضاعهم لقيود خارجية متمثلة في اللوائح و النظم و القوانين, فماذا فعل نظام حكم الأخوان في هذا المجال ؟ 

لقد تعامل مع خلاصة التجارب الإنسانية باستخفاف كبير وعنجهية شديدة إذ قام بتحطيم القوانين, وأحكم سيطرته على السلطة بالكامل, وأزاح جميع الكوابح الخارجية, ليكتشف بعد فوات الأوان أن أتباعه بشر وليسوا ملائكة ! 

إن خير من عبَّر عن هذه المفارقة هو القيادي الآخر في جماعة الأخوان عبد الله حسن أحمد , عندما سئل عن الفساد وسط منسوبي جماعة الأخوان المسلمين في السودان, فقال : 

(عندما كنا في الماضي معارضين, كنا متجردين ولم نقترب من الفساد, وكنا بعيدين عن المال العام, ولكن عندما اقتربنا من المال العام بدأ يدخل علينا, ونقول هذا مال عام, وهذه طبيعة البشر يمكن أن يأكلوا المال العام ويأكلوا الواطة "الأرض في العامية السودانية" ).  

إن عبارة "وهذه طبيعة البشر" التي وردت في الإجابة أعلاه هى العبارة المفتاحية التي تفسر كل شىء, ذلك أن طبيعة البشر لا يمكن صدها أمام إغراءات السلطة إلا عبر الكوابح الخارجية التي تحدثنا عنها, ولن يكفي في ذلك زبيبة الصلاة مهما كبر حجمها, أو اللحية مهما بلغ طولها, أو الإكثار من رفع الإصبع السبابة مصحوباً بالتكبير ! 

عندما حكم البريطانيون السودان تميّز حكمهم بالنزاهة والانضباط والشفافية والمساءلة والمحاسبة لأنهم إستوعبوا فكرة الكوابح الخارجية وأصبحت هى الوسيلة المقدسة لديهم لتأمين دولاب الحكم وبيروقراطية الدولة, وقد فشل الأخوان واستشرى الفساد في جسد دولتهم رغم شعاراتهم الدينية البراقة ! 

إن جوهر الحكم السليم و أساس التعاقد بين الحاكم والمحكوم ينبغي أن يقوم على الاختيار الحر, ودون ذلك فإن أهداف السلطة ستتحدد وفقا لتقدير مصالح الأطراف المحتكرة و النافذة في الحكم والمستفيدة منه وبما يضمن استمراره , هذا الاحتكار للسلطة يخلق البيئة المواتية للفساد والإفساد و لا سبيل للفكاك منه سوى كسره وفتح الباب أمام الإختيار الطوعي. 

ختاماً, ندعو أصحاب الخطاب الديني الذي  يعزي أسباب الفساد للمجتمع بدلا عن الحكام لتأمل كلمات قاهر الاستبداد، عبد الرحمن الكواكبي، التالية :  

(حرص التموُّل "كسب المال" القبيح يشتد في رؤوس الناس في عهد الحكومات المستبدة, حيث يسهل فيها تحصيل الثروة بالسرقة من بيت المال, و بالتعدي على الحقوق العامة, و بغصب ما في أيدي الضعفاء، و رأس مال ذلك هو أن يترك الانسان الدين و الوجدان و الحياء جانباً و ينحط في أخلاقه إلى ملائمة المستبد الأعظم، أو أحد أعوانه و عماله, و يكفيه وسيلة أن يتصل بباب أحدهم و يتقرب من أعتابه, و يظهر له أنه في الأخلاق من أمثاله وعلى شاكلته, و يبرهن له ذلك بأشياء من التملق و شهادة الزور، و خدمة الشهوات، و التجسس و الدلالة على السلب ونحو ذلك). 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.