حنين حسام ما زالت محتجزة بتهم التحريض على الفسق والإتجار بالبشر
الحكم قضى بحبس حنين حسام 10 سنوات.

نقلت قبل ثلاثة أسابيع وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المصرية جلسة النطق بالحكم على فتاه التيك توك حنين حسام وفيها ألقى القاضي كلمة ليشرح حيثيات حكمه، قال فيها:"بسم الله الرحمن الرحيم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون، إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، أخلاقنا جزء من قيمنا وهي مستهدفة من أعدائنا كي لا تنهض هذه الأمة، وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين أغلبنا يلج إليها من جانبها السلبي الهادم للقيم والأخلاق، السعي الحثيث الأعمى للربح للشركات القائمة عليها يحكمها على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة فكانت الرذيلة والفاحشة دأبها لتحقيق المعدلات القصوى لمتابعيها وهدم قيمنا غايتها، غابت عنا المسؤولية والرقابة على أبنائنا حتى أصبحوا هم أحد أدوات الإتجار بالبشر"، ثم أصدر حكمه على حنين حسام بالسجن المشدد عشر سنوات. 

كان الانفعال باديا على القاضي خلال إلقاء هذه الكلمة، وضرب المكتب أمامه عدة مرات ضربات خفيفة عند المقاطع التي يراها مهمّة، بحيث لا يبدو محايدا رغم أن مبدأ حياد القاضي أمر جوهري في إحقاق العدالة وضمانة لعدم تحول القاضي إلى حكم وخصم في نفس الوقت، أما من ناحية محتوى كلمة القاضي فقد ابتدأها بآية قرآنية شدّد خلالها على كلمات بعينها مثل عذاب أليم في "الدنيا" وعلى "والله يعلم وأنتم لا تعلمون"، وأراد أن يقول من خلال ذلك أن الله أعطى تفويضا شرعيا لإنزال عقوبات أليمة تبدو مشددة عند "الذين لا يعلمون"، وهذا يعيد طرح التساؤل حول ما هي مرجعية القضاء المصري هل هي القوانين المدنية الوضعيّة مثل بقية دول العالم أم الشريعة الإسلامية. 

كما أن كلمته تدل على اعتماده المفهوم الشائع في مجتمعات الشرق تحديدا بأن الأخلاق والشرف تتركّز بشكل رئيسي في جسد المرأة، فإذا لم تتم المحافظة على هذا الجسد فسد المجتمع وشاعت الفاحشة، مع أن الدول التي يرى الإسلاميون أن الفاحشة شائعة فيها هي دول العالم المتطورة والمزدهرة والسعيدة، كما أكد خلالها على قناعته بوجود مؤامرة يستهدف فيها أعداء مجهولون عبر وسائل التواصل الاجتماعي قيم هذا الأمة دون أن يوضح إن كان يقصد الأمة المصرية أم الإسلامية، كما أنه أقحم في نهاية كلمته بشكل مصطنع عبارة الإتجار بالبشر ليستند عليها في حكمه. 

ومن المفارقات أن هذه الكلمة بحذافيرها يمكن أن يلقيها الرجال التسعة الذين قتلوا قريبتهم في الحسكة السورية قبل أيام بذريعة "الشرف" دون أن يضطروا لإجراء أي تعديل عليها، فهي تعبّر تماما عما يفكر به كل من يقدم على ارتكاب أمثال هذه الجرائم، كما أن الحكم الذي أصدره القاضي لا يختلف كثيرا من ناحية النتيجة عما قام به هؤلاء القتلة، لأن وضع فتاة صغيرة وطالبة جامعية في السجن المشدد عشر سنوات يقضي تماما على مستقبلها. 

بل إن ما قاله القاضي المصري يماثل ما يقوله القضاة الشرعيون في المنظمات الإرهابية وهم يصدرون أحكام الرجم بحق النساء، لأنهم يرون أن هدف العقوبة هو الانتقام وجعل الفتاة "المخطئة" عبرة لمن يعتبر، ولابد من التذكير بأن كل ما فعلته حنين حسام هو تسجيلها مقاطع كوميدية وراقصة على مواقع التواصل بثياب محتشمة مع وشاح على رأسها، ومع ذلك فقد قضت عشرة أشهر من عام 2020 في السجن. 

وعلى ما يبدو أن هذه النظرة المتزمتة نحو المرأة لا تقتصر على القاضي، فقد رحب أغلب الإعلاميين المصريين بهذا الحكم باستثناء عدد بسيط رأى أن العقوبة مشددة مع اقتناعهم بأن الفتاة مذنبة وتستحق العقاب، وحاول بعضهم إيجاد مبررات له: إن المتعاطفين مع حنين لا يعرفون أسباب هذا الحكم وهو أن بعض المواقع تتيح للبعض كسب دولارات بمجرد إشراك أعضاء آخرين، "وهذه الناحية هي التي حوّلها القاضي إلى إتجار بالبشر"، كما ترك الإعلام المصري انطباعا بأن غرف الدردشة الخاصة عبر الإنترنت تعتبر بمثابة "خلوة غير شرعية" وكأن هناك تواصل جسدي بين المشتركين فيها، رغم أن حنين في تسجيلها الذي يدعو فتيات للاشتراك في تطبيق "لايكي" الذي يعتبر أساس الدعوى ضدها قد أكدت على أن الفتاة يجب أن تكون فوق الثامنة عشرة وأن تكون ملابسها محتشمة وأن تلتزم في حديثها وتصرفاتها بالقواعد الأخلاقية. 

وذهب بعض الإعلاميين إلى أن المجتمع المصري أمام قضية لا يصح معها التعاطف أو تشبيه المتهمات بالفنانات والراقصات اللاتي يمارسن عملهن دون اعتراض من الدولة أو المجتمع لأنه في هذا سوف تفتح الأبواب للدعارة الإلكترونية، أما في مواقع التواصل الاجتماعي فقد أيدت نسبة كبيرة من المصريين حكم القاضي وهاجمت المتهمة بطريقة مباشرة وفجّة وأحيانا بألفاظ سوقية لتكشف عن درجة التزمّت والغضب المنتشرة عند شرائح واسعة من المجتمع المصري. 

وهذا يطرح التساؤل الرئيسي: هل موقف هذا القاضي أو المحامين الذين يقومون بدور حرّاس الفضيلة ويلاحقون ملابس وتصرفات النساء يعبّر عن موقف السلطة المصرية، أم يعبّر عن موقف الأزهر والتيار السلفي الذي سيطر خلال العقود الأخيرة على المجتمع المصري؟، هناك أسباب كثيرة تدعو للاعتقاد بأن للسلطة السياسية في مصر توجهات أخرى مختلفة تماما عن مرافعة القاضي عبّرت عنها بشكل واضح في موكب المومياوات الملكية قبل بضعة أشهر مع ما رافقه من وجود كبير للمرأة المصرية بثيابها الزاهية المنفتحة وجمالها الذي لا تخشى من إظهاره، وعزفها على الآلات الموسيقية وغنائها وحبها للحياة كما كانت طوال تاريخها، وربما كان أحد أكثر الجوانب أهمية في هذا الموكب التأكيد على الحضارة المصرية العريقة التي تعود لآلاف السنين قبل الإسلام، ولذلك ليس من المستغرب أن لا يكون الأزهر والسلفيين راضين عن ما تضمنته وأشارت إليه هذه المواكب. 

وضمن هذا التصور يبدو موقف رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري طارق رضوان مستغربا، فقد رفض بشكل قاطع الأصوات المنتقدة للحكم باسم حقوق الإنسان واعتبره "تسييسا" للقضية، وتدخّلا صارخا في شؤون القضاء المصري يتطلّب المساءلة القانونية ضد مرتكبيه، وهو نفس ما قاله محمود العسال رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي أكد "رفضه استنكار بعض المنظمات الحقوقية والأصوات الشاذة الحكم بحق المدعوّة حنين حسام"، فإذا كان هؤلاء يعتبرون أن واجبهم هو الدفاع عن قرارات الحكومة المصرية فإن تبنّي كل أحكام القضاء المصري لا يخدم الدور المناط بهم فمن الأفضل لهم ولمصداقيتهم أن يظهروا شيئا من التمايز عن المواقف الرسمية. 

كما أن هناك ناحية بحاجة للدراسة وهي لماذا يسير المصريون لوحدهم نحو التشدد والتزمت خاصة في قضايا المرأة، فالمجتمعات الخليجية تسير بثبات نحو الانفتاح وطي صفحة "الصحوة الإسلامية"، ومجتمعات المغرب العربي بعيدة عن موجة التزمت هذه، أما مجتمعات إيران وتركيا فتشهد ميلا واضحا نحو الانفتاح كتعبير عن رفضها لحكم الإسلام السياسي السنّي والشيعي، ولا توجد حالة التزمّت المجتمعي حاليا سوى في المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات في اليمن والعراق وسوريا، ربما مع استثناء وحيد هو باكستان التي تنتشر فيها الأفكار المتشددة التي عبر عنها رئيس وزرائها عمران خان عندما عجزت حكومته عن مواجهة انتشار جرائم التحرش والاغتصاب بالقول أن ابتذال ملابس النساء هو السبب، وقدّم بذلك أعذارا للمعتدين ووضع اللوم على النساء المعتدى عليهن تماما كما يحدث في مصر الآن.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.