الثورة السورية - دير الزور
"من تحصيل الحاصل القول إن الثورة السورية قد انتهت، بمعنى أنها لم تسقط النظام، ولن تسقطه"

في الذكرى العاشرة لاغتيال المنشد السوري، إبراهيم القاشوش، والذي اقتلع زبانية النظام حنجرته تغليظاً بالعقاب لمن تحدّى الطاغية بصوته، تبقى الحاجة مستمرة لمراجعة أسباب فشل الثورة.

المسؤوليات عديدة، على مستوى سوريا، والمنطقة، والعالم. السوريون الذين انتفضوا، وجميعهم نشأ تحت قمع نظام قاتل لا اعتبار لديه لحقوقهم إلا بقدر خدمتها لأغراضه، لم يكونوا مستعدين موضوعياً لمواجهة آلة الطغيان المتحكمة بهم وببلادهم. ولكنهم فعلوا بناءً على وعد ظنّ جيل العولمة منهم أنه قد حصل عليه، وهو أن العالم سوف ينصر أصحاب الحق، ليتبين أن الظنّ كان وهماً. 

النظام ومن سانده قالوا إنها مؤامرة كونية. ليتها كانت. ليت من قاتلهم خَدَمة النظام والمنتصرون له بأمر الولي الفقيه، ومن بعدهم الروس، كانوا على تنسيق وانسجام وتوافق مع إسرائيل والولايات المتحدة وغيرها. لربما، لو أن العالم، بما فيه إسرائيل هذه والولايات المتحدة تلك، قد مدّوا اليد لأصحاب القضية المحقّة في سوريا، لكان مئات الألوف لا يزالوان اليوم بين أحبائهم، ولكانت سوريا قد انتصرت على مسلسل الموت، لتتبوأ المكانة الرفيعة التي تستحقها في المنطقة والعالم.

ولكن العالم خذل أحرار سوريا وأهملهم. بل الأسوأ أن من أراد أن يتدخل فعل ذلك من باب المزاحمة والنكاية والمزايدة حيناً، كما كان حال بعض دول الخليج وتركيا، ومن باب رفع العتب وزعم الفضل أحياناً، كما فعل باراك أوباما الرئيس الأميركي الأسبق. فكانت حصيلة التدخلات المتضاربة فساداً وإفساداً وقتلاً واقتتالاً، استفاد منها محور "المقاومة"، إيران ومن والاها، دون أن يتمكن من الغلبة، إلى أن جاءت روسيا، فانتصرت في سوريا، وانتصرت من سوريا.

من تحصيل الحاصل القول إن الثورة السورية قد انتهت، بمعنى أنها لم تسقط النظام، ولن تسقطه. من سوف يسقطه ليس هذه الثورة، وليس في الغد المنظور. النظام لم ينتصر، ولكنه تمكن من النجاة. في عرفه وتقييمه، هذا هو الانتصار. أن يدمّر البلد، لا بأس، شرط أن يبقى رأس النظام في موقعه يتمنطق بما لا يفقه. أن يقتل مئات الآلاف ويرحل نصف أهل البلد، فليكن. على أن يصطّف من بقي حياً يهتف ويصفّق للابن كما هتف وصفّق للأب، في استذلال جلي، مؤسف إن كان إكراهاً، وملوّع إن كان طوعاً.

الولايات المتحدة أخطأت بحقّ سوريا، تركاً ثم فعلاً،  وبقي اهتمامها بالشأن السوري عَرَضياً على الدوام، سطحياً في العديد من الأحيان، استدراكياً استلحاقياً ارتجالياً بطبيعته، ولم يرتقِ يوماً إلى مستوى الرؤية المتكاملة التي تتيح رسم سياسة ثابتة واضحة فاعلة، خلافاً لمزاعم من يتمسك باستشفاف بصمات للولايات المتحدة ومخطط لها ومؤامرة ترعاها في كل حدث.

الخطأ ابتدأ مع استسهال الرئيس الأسبق أوباما سقوط النظام، وإسراعه، من باب اللحاق بالركب دون فعل ودون مساهمة، بمطالبة رأس النظام بالرحيل. لم يكن باراك أوباما مختلفاً عن خلفه دونالد ترامب في عدم التعويل على رأي الخبراء في الملفات الحساسة، فهذا وذاك، وكلاهما وصل إلى الرئاسة مفتقداً للتجربة السياسية التنفيذية، كان على قناعة بقدرته على اجتراح المواقف القيادية من بنات أفكاره عند الضرورة. وهذا وذاك لم يرَ في سوريا أولوية.

توصيف أوباما للحالة السورية كان أنها تتطلب استثماراً كبيراً وليس من شأنها أن تأتي إلا بعائدات صغيرة، أي أنها لا تستحق الاندفاع بشأنها. وعلى ذمة الناقل، يُروى أن أوباما كثيراً ما كان ينشغل بهاتفه الجوّال خلال اجتماعات البيت الأبيض ساعة يصل الموضوع إلى الشأن السوري. 

على أي حال، فإن أوباما رضي بتخصيص أرصدة لمساهمة للولايات المتحدة، إنسانية وتأهيلية لا قتالية ابتداءً، بما هو أقل بكثير من تقييم الخبراء للحاجة، انطلاقاً من قراراه بأنه، لمواجهة الدعم الإيراني والروسي للنظام، فلتأتِ المساهمة من الحلفاء والشركاء، وليتوقف التعويل على الولايات المتحدة كالمصدر الأوحد.

وفي المراجعات الدورية التالية، تشكّلت لازمة كرّرها الرجل باطمئنان "بالفعل، لربما كان من الأجدى في المرحلة الماضية أن تكون المخصصات أكبر والانخراط أوضح، إلا أن الأوان قد فات الآن. نوافق على بعض الرفع للدعم، بما في ذلك بعض التدريب للمقاتلين، إنما بأقدار أقل بكثير من التي يقترحها الخبراء"، فكانت المشاركة الأميركية في "دعم" الثورة السورية منقوصة، عقيمة، عاجزة عن أن تأتي بالنتائج.

على أن خطيئة أوباما، والتي كشفت للصف الداعم للنظام وللعالم أجمع أنه لا اعتبار لكلامه، فقد كانت أداءه المعيب بعد ارتكاب النظام لجريمة استعمال السلاح الكيماوي بحق المواطنين السوريين. يذكر هنا أن أوباما، ومن باب التنصل من مسؤولية التدخل بعد ارتفاع وتيرة القمع والقتل من جانب النظام بحق المتظاهرين والمدنيين، بما في ذلك المذابح الترويعية، كان قد رسم خطاً أحمر، وربما هو على اطمئنان بأن النظام لن يقطعه، إذ لن يحتاج إلى قطعه، وهو تحذيره من أن استعمال سلاح التدمير الشامل، الكيماوي تحديداً، هو ما سوف يدفع الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري.

ولكن النظام، والعاجز يومئذٍ رغم تكثيفه القتل والتعذيب والتنكيل، عن استعادة هيبته وسلطته، فعلها. وأمام مشهد جثث الأطفال المصطفة بالعشرات، أتحف باراك أوباما العالم بخطبة رنانة حول "الاستثنائية الأميركية" والتي تستوجب الرد على هذا التجاوز الفاضح لحقوق الإنسان، قبل أن يعلن الانتصار، الكاذب المنافق الفارغ، ساعة توسطت روسيا لإقناع النظام بالتخلي عن مخزونه من السلاح الكيماوي، بما تنتفي معه الحاجة إلى الرد.

رضي القاتل بتسليم أداة القتل، فتحققت العدالة. لا عقاب، ولا عواقب، بل تقدير من ذاك الحائز على جائزة نوبل للسلام، للفعل الراشد للنظام القاتل.

أما "الشركاء والحلفاء" فقد نشطوا بالفعل في دعم الثورة، ليس دون رؤية موحّدة وحسب، بل وفق رؤى قاصرة متضاربة منشغلة بالخصومات المتبادلة، وإن أدّى الأمر إلى تحبيذ الطروحات الجهادية وتعميق تطفلها على الثورة، وصولاً إلى أن تنقلها إلى مكان آخر، تقطع فيه الأيادي وتضرب الأعناق ويرمى الناس من الشواهق.

 الصف العالمي المؤيد للثورة كان واسعاً شاسعاً ذا إمكانيات فائقة. موارد الجهات الداعمة للنظام، روسيا وإيران تحديداً، كانت أقل بكثير. على أن التنسيق واتضاح الرؤية لدى هذه أتاح لها التعويض عن انعدام التكافؤ في الطاقات، ودفعها باتجاه الإنجاز.

يشهد لنظام دمشق أن له ماضٍ عريق بممارسة أصناف القمع والأذى بما فيها بتوظيف الخصوم لأغراضه. لا حاجة لافتراض تواطئه مع تنظيم القاعدة، والذي اعتمد سوريا معبراً إلى العراق لإرباك الغزو الأميركي بعيد سقوط بغداد عام ٢٠٠٣، أو إلى تنسيق مباشر له مع "فتح الإسلام"، والتي أطلق سراح قائدها بعد أعوام ليلتحق بجماعته في مخيم نهر البارد في الشمال اللبناني ويهدد الاستقرار والأمن في مواقع وجد نظام دمشق نفسه مرغماً على الخروج منها قبلها بعامين. في الحالتين، والكثير غيرهما، تمرّس النظام بفن إتاحة المجال لجهات تضمر له كل الشرّ لتحقق أهدافاً لها منسجمة مع ما يريده.

بل أن خطة النظام لمواجهة الثورة، وليس عرض الخطة هنا من باب الاستقراء وحسب بل جاء الإفصاح عنها على لسان أحد أهم المنظّرين له، كانت بأولوية استهداف المعارضة المدنية السلمية الناشطة بالمظاهرات والعمل الاجتماعي السياسي، من التنسيقيات والشخصيات المستقلة ذات التوجهات المنفتحة، اختراقها، تشتيتها، التنكيل بها، قتلها، وصولاً إلى انتفاء دورها، ثم العمل على هزيمة القوى المسلحة ذات التوجه الوطني الصريح، من المنشقين عن الجيش والملتحقين بهم، ومن بعدهم التركيز على المجموعات ذات الصبغة الإسلامية غير المتشددة. أما الجماعات الجهادية ذات الرؤية العالمية، وصولاً إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" برغباته الإبادية، فمصلحة النظام كانت تقتضي ترك مواجهتها للدول الخارجية التي تخشاها.

وبالفعل، إزاء تمدد "الدولة الإسلامية" ميدانياً، ما جعل منها "خلافة" تحضّر للملاحم ولفتح "رومية"، وتخيير الكفار كافة بين الإسلام والجزية والسيف، وانتقالها من منهج الفتوحات إلى منهج الغزوات في بلاد الكفر، ذبحاً ودهساً وشناعة، اضطر باراك أوباما إلى الخروج من تلكئه، والدخول الجزئي في المعترك السوري، وإن بارتجال شراكات مع الطرف القادر محلياً على أن يقوم مقام الجنود الأميركيين، فيقيهم وقوع الضحايا في صفوفهم، مجدداً دون اعتبار للنتائج العرضية المتعلقة بالسلم الأهلي والاجتماعي.

غياب الرؤية لحل في سوريا لدى أوباما تلتها غياب رؤية لدى دونالد ترامب. ارتجالات أوباما وهفواته واستعراضاته تلتها ارتجالات وهفوات واستعراضات لترامب. التفريط بعواقب الحرب في سوريا من جانب أوباما استمر أيضاً من ترامب.

قيام "الدولة الإسلامية" كان بفعل عوامل عدة، بما فيها أولويات المواجهة الميدانية التي اعتمدها النظام، وبما فيها إهمال الولايات المتحدة. أي أن الولايات المتحدة كانت قادرة على إخماد هذه النار عند شراراتها الأولى، وفي الولايات المتحدة من نبّه وحذّر، دون جدوى. فالاعتبارات الآنية هي الحاسمة.

الكارثة الإنسانية التي ألمّت بالمواطنين السوريين لم تبلغ الوعي الاجتماعي في الولايات المتحدة. ولكن نزوح السوريين بلغ أوروبا وساهم في صعود اليمين، بأصداء بلغت الولايات المتحدة ولا تزال تتفاقم.

كان في التحدي الغنائي الذي صدح به إبراهيم القاشوش في مواجهة نظام الطغيان فعل تحرر من الخوف، من التبجيل الكاذب، من الاستذلال. طافت سوريا بأكملها بأغنيات إبراهيم، والتي استعارت ألحان الغناء الشعبي، وطاف معها العالم العربي من كويته إلى مغربه.

بعد أسابيع قليلة من اغتيال القاشوش، جلس رأس النظام لمقابلة صحفية أريد لها تلميع صورته المتردية. سألته الصحافية عن القاشوش. أجاب، كاذباً، بأنه لا يعلم من هو، وليس على اطلاع على قضيته، بل ربما أن موته قد يكون عائداً إلى اقتتال داخلي في صفوف المعارضين.

بعد أعوام من البراميل المتفجرة، المنخفضة الكلفة بما يستدعي التهنئة لهذا الإنجاز الفني، والتي استهدفت المراكز الطبية والأسواق التجارية المكتظة وكل مرافق الحياة العادية لإقناع سكان المناطق خارج سيطرة النظام بحتمية العودة إلى قبضته، وبعد فصول متكررة من الهجمات الكيماوية، لتذكير القاصي والداني بأن النظام يفعل ما يشاء ولا يخشى أحد، والأهم، بعد تدخل ميداني واسع النطاق لروسيا، جنت منه روسيا العودة إلى موقع التأثير العالمي الكبير، انتهت فعلياً المواجهة الداخلية التي ابتدأت ثورة حق لتمسي حرباً عالمية.

للولايات المتحدة اليوم رئيس مختلف، قد أقرّ للتوّ بفشل بلاده وهزيمتها في أفغانستان، بعد عشرين عاماً من محاولة إقامة نظام موالٍ للغرب منسجم مع قيمه. ربما أن في انسحاب جو بايدن من أفغانستان قدراً من الواقعية، وقدراً من المجازفة المطلوبة من موقع القيادة والتي يقتضيها الإبهام في المعطيات.

الإقرار الآخر المطلوب من بايدن قد يكون بأن الولايات المتحدة لم تولِ الشأن السوري ما يستحقه، ونتائج هذا الإهمال كانت كارثية لسوريا والعالم. إصرار إدارة بايدن على قانون قيصر، أضعف الإيمان في معاقبة النظام، وتحذيرها الدول من مغبة التطبيع مع النظام القاتل خطوات تنبئ ببعض الخير. عسى أن تؤسس لرؤية. طابت ذكرى إبراهيم القاشوش.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.