يقول ألكسندر بوشكين شاعر روسيا في وصف بلاده "في أيامها القيصرية":
نعم، روسيا هي الشرق الأقرب إلى الغرب
نعم..روسيا هي الغرب الأقرب إلى الشرق
وذلك لغزها الغامض..
غموض ليس فيه أسرار
لو قمت باستبدال كلمة "روسيا"، ووضعت مكانها "عُمان" لوجدت أن شعر بوشكين يتطابق حد التماهي مع السلطنة بكل تاريخها!
وقد كانت السلطنة مثار اهتمام وشغف شخصي عندي، فعمان المفتوحة على العالم بإطلالتها المحيطية الهادئة لكن "بهدوء نسبي"، هي ذاتها عُمان التي تطل على داخل العالم العربي بعين "عالمية" حذرة، ولعل تلك الرؤية هي التي استطاعت أن تنأى بالسلطنة العربية (بكل تراثها العربي القح) عن التيه في أزمات العالم العربي وتعقيداته، كما كان تراثها التعددي الممتد بين جناحيها الآسيوي والأفريقي مصدر خبرتها التراكمية في الترقب والمراقبة والتأني في صناعة القرار السياسي.
عُمان، التي تدخل مفترقاتها التاريخية الخاصة بهدوء وبدون أن تتفاجأ، دخلت مفترقها الأخير بوفاة سلطانها المؤسس لدولتها الحديثة قابوس بن سعيد "رحمه الله"، وقد كان كل ما بعد الوفاة - على ما يبدو- مبرمجا بخطة عمل مدروسة وممنهجة بلا تعقيدات ولا دراما ولا مفاجآت. السلطان الراحل نفسه كان من وضع الخطة في انتقال السلطة، وأكتشف اليوم بمتابعات واتصالات في الأشهر الماضية أن تهيئة السلطنة والسلطان الوريث للعرش كان مبرمجا منذ عام 2013.
--
وعُمان أيضا بتاريخها الحديث، خارجة عن سياق التاريخ العربي الحديث بنسخته الكلاسيكية المتعلقة بالتحرر من الاستعمار وتداعيات هذا التحرر الذي أنتج فيما أنتج أنظمة "تقدمية ثورية" لم تتقدم ولم تثر إلا على شعوبها؛ فعُمان التي كانت تحت الاحتلال البرتغالي تخلصت منه بحرب وطنية شاملة عام 1650، وعاشت استقلالها من كل احتلال أجنبي منذ ذلك الوقت وقد تخلصت من عقدة "المستعمر الغاشم" بل وكانت تبني علاقات دولية رسمية وضمن أصول البروتوكول الدبلوماسي مع أول نشأة الولايات المتحدة الأميركية، بل وكانت من أول من وقع اتفاقية تجارة حرة مع واشنطن عام 1833، وعلى أسس ندية حين كانت الولايات المتحدة تتلمس طريقها في العالم وقد تخلصت من الاستعمار البريطاني.
لكن- وللمفارقة التاريخية أيضا- أيضا ومن من بين كل دول العالم العربي من محيطه إلى خليجه، كانت سلطنة عُمان هي الكيان الوحيد الذي حظي بأن يكون استعماريا بامتدادات إمبراطورية واسعة خارج المحيط الناطق بالعربية.
وقد وصلت حدود عُمان في الدولة البوسعيدية وتحديدا في عهد السيد سعيد بن سلطان (1806-1856 م) إلى السيطرة الاستعمارية الكاملة على شرق أفريقيا غير استعمارها الفعلي لبعض أجزاء من أقصى غرب آسيا في الجغرافيا الفارسية، بل إن الأسطول البحري العماني كان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منافسا قويا للأسطول الإنجليزي وندا للأسطول الفرنسي وتذكر الأوراق التاريخية أن نابليون بونابرت نفسه سعى إلى علاقات دافئة مع الدولة البوسعيدية.
هذا الحضور الطاغي والاستعماري في جغرافيا مريحة حول عُمان، كان بحد ذاته نقمة حين انقسمت السلطة وتدخل الإنجليز كهيئة تحكيم فوقعت عُمان من جديد تحت السيطرة الإنجليزية حتى مجيء السلطان الراحل قابوس بن سعيد لينقلب على كل ما سبق برؤية عصرية لدولة عصرية نراها اليوم تتكئ هادئة في موضعها المريح المطل على العالم بدون إزعاج.
ببساطة، كانت عُمان محظوظة تاريخيا في مرحلة "السباق الاستعماري العالمي" في القرن التاسع عشر بحضور لافت على رأسها لشخصية مهمة لم تأخذ حقها في التاريخ، وهو السيد سعيد بن سلطان، الذي حمل لقب الإمام وهو الوصف السياسي لرأس الدولة، والذي حمل مشروع دولة حقيقي يشبه مشروع صنوه محمد علي الكبير في مصر، بل إن محمد علي الكبير نفسه سعى إلى علاقات ممتازة مع الإمام العماني.
تلك المرحلة التي لا يعرف عنها الكثيرون، كانت مهمة جدا لفهم "العقل السياسي" للدولة العمانية، وهي أحد أهم مفاتيح فهم "الوعي الجمعي" للعمانيين عموما، في رؤيتهم للعالم ولأنفسهم بكل تلك الثقة والهدوء.
--
في عهد السلطان الراحل، سيد الصمت البليغ قابوس بن سعيد، رسخت السلطنة طوال سنوات طويلة فكرة أنها وسيط وليس طرفا، في أي أزمة إقليمية أو دولية؛ ومنذ رفضها مقاطعة مصر بعد كامب ديفيد، مرورا بالحرب العراقية ـ الإيرانية التي مارست فيها مسقط دور الوسيط بامتياز وأثبتت حينها أن الحياد عملة عُمانية لا يمكن صرافتها إلا في سلطنة عُمان.
فدبلوماسية مسقط الهادئة كانت محصلة عمل هادئ ومتراكم عبر عقود وبدون ضجيج، وبهذا ربحت عُمان ميزة الحصانة من النقد ولو نسبيا؛ فإيران مثلا، وبعد زيارة نتانياهو عام 2018، لم تستطع أن تهاجم مسقط على عادتها بالهجوم الإعلامي الصارخ، بل اكتفت ببيان عادي انتقدت فيه الزيارة وصمتت أمام ذاكرة سياسية تتضمن دور عُمان كوسيط بل وفي مرحلة ما، دور عراب المحادثات الأميركية ـ الإيرانية في الملف النووي الإيراني.
ولدى مسقط من حصيلة هذا الدور وحده ما يكفي من الأسرار الدبلوماسية التي تحفظ للسلطنة حق الرد في حال تمادي النقد.
المصالح التي شبكتها عُمان بهدوء أيضا وبدون ضجيج، تحميها من ردود الفعل الغوغائية في الشرق الأوسط، ومن إيران تحديدا؛ ففي أغسطس عام 2013، وفي ذروة الحصار والعقوبات الاقتصادية على إيران، استطاعت مسقط أن توقع مع طهران بروتوكولا لتصدير الغاز عبر أنبوب بحري طوله 200 كيلومتر، وهو ما يدلل على إدراك السلطنة لمصالحها بدون استعراضات أكروباتية في المشهد.
حتى في الأزمة السورية، نكاد ننسى الوساطة الخاطفة لعمان في أكتوبر عام 2015، حين زار دمشق وزير خارجية عمان وعميد دبلوماسيتها يوسف بن علوي في وساطة هادئة لم تلق طريقها للنجاح آنذاك.
واختفت مسقط من المشهد.. كما ظهرت.. بكل هدوء.
يوسف بن علوي نفسه، فاجأ الإسرائيليين أنفسهم في فبراير عام 2018، بزيارة إلى القدس الشرقية ورام الله حيث التقى محمود عباس. تلك الزيارة، التي طوتها الأحداث المتلاحقة، ربما كانت بداية الإطلالة العمانية المحدثة على مشهد النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
فالوزير العماني الذي حمل معه صندوقا من "اللبان العماني" المشهور في زيارته وقد أربك فيه الأمن الإسرائيلي، وأهداه لكنيسة القيامة، دعا العرب إلى زيارة الأراضي الفلسطينية، ومع تلك الدعوة على كل ما فيها، لم تتعرض السلطنة لاتهامات التطبيع، فكل من يمكن أن يلقي حجرا على مسقط، يبدو أن عليه تفتيش خطاياه جيدا، وهي خطايا تعرفها مسقط وتحفظها بهدوئها المعتاد.
--
من هنا، فإن انتقال السلطة من قابوس بن سعيد إلى السلطان الحالي هيثم بن طارق، لم يكن وليد مصادفات ولا حصيلة اصطفافات عائلية مسبقة، بقدر ما كان برنامج حكم طويل المدى مطبوخ على نار عمانية هادئة.
عام 2013، العام الذي قرأت فيه القيادة العمانية بخبرتها الطويلة توقيتا مناسبا لوضع أسس المرحلة القادمة للدولة العمانية وقد استراحت تماما على مسندها الجغرافي المريح والمطل بهدوء على الإقليم والعالم، فقرر السلطان قابوس أن يشكل لجنة عليا على مستوى الدولة بكل أفرادها ومؤسساتها لوضع رؤية شاملة للسلطنة على امتداد عقدين قادمين! فكانت لجنة رؤية (عُمان 2040) والتي كلف بها حصرا وتحديدا ابن عمه السيد هيثم بن طارق آنذاك، والذي كان يشغل منصب وزير الثقافة والتراث، تلك الوزارة التي تقل قيمتها عن باقي الوزارات في غالبية العالم العربي، إلا في عُمان، فهي الوزارة التي تحمل فكرة الوعي الجمعي العُماني بكل تفاصيله.
الملفت في مقررات الرؤية لعمان 2040، أنها وضعت أهدافا لها كخارطة طريق وقد وظفت كل طاقاتها الرسمية والأهلية للوصول إليها، وبعيدا عن الإنشائيات، فالرؤية تتحدث بالنص عن (..تنويع الاقتصاد العماني بعيدا عن عائدات النفط)، وفي موضع آخر تتحدث الرؤية التي وضعها وزير الثقافة رئيس اللجنة والسلطان نفسه فيما بعد عن (.. مواكبة التغيرات الإقليمية والعالمية واستثمار الفرص المتاحة)..بل و( توليد الجديد من الفرص)!
تلك حركة نحو الأمام في عملية خلق المبادرات، وهذا تحول نوعي في السياسة العمانية التي تفضل الهدوء وتلقي الفعل ومعالجته بتروي.
الرؤية طموحة جدا إلى حد مدهش خصوصا في الجوانب الاقتصادية والتنموية، وهي خالية من إنشائيات الأفيون السلطوي العربي القائم على تزوير الوعي الجمعي كله.
فلنقرأ سريعا ومثلا لا حصرا في تلك الرؤية التي أشرف عليها وزير ثقافة عمان، لتدخل موضع التنفيذ في عهده نفسه كسلطان عمان:
الرؤية للسلطنة حتى عام 2040 تهدف إلى أما رفع نسبة الاستثمار الأجنبي من إجمالي الناتج المحلي إلى 10%. فهذا وحده يتطلب زحزحة دبلوماسية ثقيلة ووازنة، وهو ما يتطلب حسب الرؤية نفسها رفع نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 90%.
كما وستعمل الدولة خلال عشرين عاما على زيادة متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 90%.
كل تلك الرؤية بأهدافها وتفاصيلها والتي وضعت موضع التنفيذ عام 2021، أي هذا العام الذي نعيشه الآن، تحتاج خارطة طريق تنفيذية، وهي خارطة لن يعلنها العمانيون الذين لم يعتادوا على عروض الإبهار والصوت والضوء، بقدر ما سنقرأها في الأخبار كتطبيق عملي شديد الثقة.
في آخر الأخبار الواردة، فقد كانت أول زيارة رسمية خارج السلطنة للسلطان "صاحب الرؤية 2040" هيثم بن طارق، إلى المملكة العربية السعودية.
القراءات العربية لتقدير الموقف أخذت الخبر بعيدا في التحليل من منطلق المناكفات الإقليمية وربطها بالأزمات التقليدية. (ربما كان للرياض توظيف في ذلك! لا أستطيع ان أؤكد بقدر ما يمكن أن أتكهن)!
لكن بالنسبة لمسقط التي تدير ظهرها منذ زمن طويل لكل مناكفات وأزمات العالم العربي، فإن الزيارة تأتي في سياق الرؤية العُمانية ذاتها، هي زيارة ضمن خارطة طريق الرؤية، فالسعودية - حسب القراءة العمانية- هي الجار الأكبر والأقرب والأكثر فاعلية، والسعودية أيضا تشترك بوضع رؤية 2030.
رؤية شبيهة بأهدافها للرؤية العمانية، والتقاطعات معها مصلحة عمانية بالدرجة الأولى، ولذا يمكن فهم زيارة السلطان الخاصة والحصرية لمشروع "نيوم" السعودي الإقليمي، وهو العمود الفقري لرؤية السعودية 2030.
--
وختاما،
مما يحكى عن عهد والد السلطان قابوس، بأنه كان لمدينة مسقط القديمة بابا كبيرا، وكان السلطان السابق يغلقه على أهل المدينة في سياق سياسة العزل التي انتهجها.
بعد أن تولى السلطان قابوس الحكم، فتح الأبواب، لا في المدينة وحسب، بل كل الأبواب حتى المشرعة على المحيط الهادئ، لكنه وبحكمة الحذر من الصحراء التي تتاخمه، أبقى على الأبواب ولم يخلعها، ولم يفتحها بالكامل.
ربما من خلف تلك الأبواب التي يفتحها السلطان هيثم بن طارق اليوم وبهدوء، نشهد تجليات التحول العُماني وكذلك الإقليمي في خاصرة المشرق، فالسلطنة أثبتت أنها أكبر من جغرافيا سياحية خلابة وصامتة.. وذلك لغزها الغامض غموضا ليس فيه أسرار.

