صورة جوية تظهر قصر العلم في العاصمة مسقط.
صورة جوية تظهر قصر العلم في العاصمة العمانية مسقط.

يقول ألكسندر بوشكين شاعر روسيا في وصف بلاده "في أيامها القيصرية":
نعم، روسيا هي الشرق الأقرب إلى الغرب
نعم..روسيا هي الغرب الأقرب إلى الشرق
وذلك لغزها الغامض..
غموض ليس فيه أسرار

لو قمت باستبدال كلمة "روسيا"، ووضعت مكانها "عُمان" لوجدت أن شعر بوشكين يتطابق حد التماهي مع السلطنة بكل تاريخها!

وقد كانت السلطنة مثار اهتمام وشغف شخصي عندي، فعمان المفتوحة على العالم بإطلالتها المحيطية الهادئة لكن "بهدوء نسبي"، هي ذاتها عُمان التي تطل على داخل العالم العربي بعين "عالمية" حذرة، ولعل تلك الرؤية هي التي استطاعت أن تنأى بالسلطنة العربية (بكل تراثها العربي القح) عن التيه في أزمات العالم العربي وتعقيداته، كما كان تراثها التعددي الممتد بين جناحيها الآسيوي والأفريقي مصدر خبرتها التراكمية في الترقب والمراقبة والتأني في صناعة القرار السياسي.

عُمان، التي تدخل مفترقاتها التاريخية الخاصة بهدوء وبدون أن تتفاجأ، دخلت مفترقها الأخير بوفاة سلطانها المؤسس لدولتها الحديثة قابوس بن سعيد "رحمه الله"، وقد كان كل ما بعد الوفاة - على ما يبدو- مبرمجا بخطة عمل مدروسة وممنهجة بلا تعقيدات ولا دراما ولا مفاجآت. السلطان الراحل نفسه كان من وضع الخطة في انتقال السلطة، وأكتشف اليوم بمتابعات واتصالات في الأشهر الماضية أن تهيئة السلطنة والسلطان الوريث للعرش كان مبرمجا منذ عام 2013.

--

وعُمان أيضا بتاريخها الحديث، خارجة عن سياق التاريخ العربي الحديث بنسخته الكلاسيكية المتعلقة بالتحرر من الاستعمار وتداعيات هذا التحرر الذي أنتج فيما أنتج أنظمة "تقدمية ثورية" لم تتقدم ولم تثر إلا على شعوبها؛ فعُمان التي كانت تحت الاحتلال البرتغالي تخلصت منه بحرب وطنية شاملة عام 1650، وعاشت استقلالها من كل احتلال أجنبي منذ ذلك الوقت وقد تخلصت من عقدة "المستعمر الغاشم" بل وكانت تبني علاقات دولية رسمية وضمن أصول البروتوكول الدبلوماسي مع أول نشأة الولايات المتحدة الأميركية، بل وكانت من أول من وقع اتفاقية تجارة حرة مع واشنطن عام 1833، وعلى أسس ندية حين كانت الولايات المتحدة تتلمس طريقها في العالم وقد تخلصت من الاستعمار البريطاني.

لكن- وللمفارقة التاريخية أيضا-  أيضا ومن من بين كل دول العالم العربي من محيطه إلى خليجه، كانت سلطنة عُمان هي الكيان الوحيد الذي حظي بأن يكون استعماريا بامتدادات إمبراطورية واسعة خارج المحيط الناطق بالعربية.

وقد وصلت حدود عُمان في الدولة البوسعيدية وتحديدا في عهد السيد سعيد بن سلطان (1806-1856 م) إلى السيطرة الاستعمارية الكاملة على شرق أفريقيا غير استعمارها الفعلي لبعض أجزاء من أقصى غرب آسيا في الجغرافيا الفارسية، بل إن الأسطول البحري العماني كان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منافسا قويا للأسطول الإنجليزي وندا للأسطول الفرنسي وتذكر الأوراق التاريخية أن نابليون بونابرت نفسه سعى إلى علاقات دافئة مع الدولة البوسعيدية.

هذا الحضور الطاغي والاستعماري في جغرافيا مريحة حول عُمان، كان بحد ذاته نقمة حين انقسمت السلطة وتدخل الإنجليز كهيئة تحكيم فوقعت عُمان من جديد تحت السيطرة الإنجليزية حتى مجيء السلطان الراحل قابوس بن سعيد لينقلب على كل ما سبق برؤية عصرية لدولة عصرية نراها اليوم تتكئ هادئة في موضعها المريح المطل على العالم بدون إزعاج.

ببساطة، كانت عُمان محظوظة تاريخيا في مرحلة "السباق الاستعماري العالمي" في القرن التاسع عشر بحضور لافت على رأسها لشخصية مهمة لم تأخذ حقها في التاريخ، وهو السيد سعيد بن سلطان، الذي حمل لقب الإمام وهو الوصف السياسي لرأس الدولة، والذي حمل مشروع دولة حقيقي يشبه مشروع صنوه محمد علي الكبير في مصر، بل إن محمد علي الكبير نفسه سعى إلى علاقات ممتازة مع الإمام العماني.

تلك المرحلة التي لا يعرف عنها الكثيرون، كانت مهمة جدا لفهم "العقل السياسي" للدولة العمانية، وهي أحد أهم مفاتيح فهم "الوعي الجمعي" للعمانيين عموما، في رؤيتهم للعالم ولأنفسهم بكل تلك الثقة والهدوء.

--

في عهد السلطان الراحل، سيد الصمت البليغ قابوس بن سعيد، رسخت السلطنة طوال سنوات طويلة فكرة أنها وسيط وليس طرفا، في أي أزمة إقليمية أو دولية؛ ومنذ رفضها مقاطعة مصر بعد كامب ديفيد، مرورا بالحرب العراقية ـ الإيرانية التي مارست فيها مسقط دور الوسيط بامتياز وأثبتت حينها أن الحياد عملة عُمانية لا يمكن صرافتها إلا في سلطنة عُمان. 

فدبلوماسية مسقط الهادئة كانت محصلة عمل هادئ ومتراكم عبر عقود وبدون ضجيج، وبهذا ربحت عُمان ميزة الحصانة من النقد ولو نسبيا؛ فإيران مثلا، وبعد زيارة نتانياهو عام 2018، لم تستطع أن تهاجم مسقط على عادتها بالهجوم الإعلامي الصارخ، بل اكتفت ببيان عادي انتقدت فيه الزيارة وصمتت أمام ذاكرة سياسية تتضمن دور عُمان كوسيط بل وفي مرحلة ما، دور عراب المحادثات الأميركية ـ الإيرانية في الملف النووي الإيراني. 
ولدى مسقط من حصيلة هذا الدور وحده ما يكفي من الأسرار الدبلوماسية التي تحفظ للسلطنة حق الرد في حال تمادي النقد.

المصالح التي شبكتها عُمان بهدوء أيضا وبدون ضجيج، تحميها من ردود الفعل الغوغائية في الشرق الأوسط، ومن إيران تحديدا؛ ففي أغسطس عام 2013، وفي ذروة الحصار والعقوبات الاقتصادية على إيران، استطاعت مسقط أن توقع مع طهران بروتوكولا لتصدير الغاز عبر أنبوب بحري طوله 200 كيلومتر، وهو ما يدلل على إدراك السلطنة لمصالحها بدون استعراضات أكروباتية في المشهد.

حتى في الأزمة السورية، نكاد ننسى الوساطة الخاطفة لعمان في أكتوبر عام 2015، حين زار دمشق وزير خارجية عمان وعميد دبلوماسيتها يوسف بن علوي في وساطة هادئة لم تلق طريقها للنجاح آنذاك.

واختفت مسقط من المشهد.. كما ظهرت.. بكل هدوء.

يوسف بن علوي نفسه، فاجأ الإسرائيليين أنفسهم في فبراير عام 2018، بزيارة إلى القدس الشرقية ورام الله حيث التقى محمود عباس. تلك الزيارة، التي طوتها الأحداث المتلاحقة، ربما كانت بداية الإطلالة العمانية المحدثة على مشهد النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. 

فالوزير العماني الذي حمل معه صندوقا من "اللبان العماني" المشهور في زيارته وقد أربك فيه الأمن الإسرائيلي، وأهداه لكنيسة القيامة، دعا العرب إلى زيارة الأراضي الفلسطينية، ومع تلك الدعوة على كل ما فيها، لم تتعرض السلطنة لاتهامات التطبيع، فكل من يمكن أن يلقي حجرا على مسقط، يبدو أن عليه تفتيش خطاياه جيدا، وهي خطايا تعرفها مسقط وتحفظها بهدوئها المعتاد.

--

من هنا، فإن انتقال السلطة من قابوس بن سعيد إلى السلطان الحالي هيثم بن طارق، لم يكن وليد مصادفات ولا حصيلة اصطفافات عائلية مسبقة، بقدر ما كان برنامج حكم طويل المدى مطبوخ على نار عمانية هادئة.

عام 2013، العام الذي قرأت فيه القيادة العمانية بخبرتها الطويلة توقيتا مناسبا لوضع أسس المرحلة القادمة للدولة العمانية وقد استراحت تماما على مسندها الجغرافي المريح والمطل بهدوء على الإقليم والعالم، فقرر السلطان قابوس أن يشكل لجنة عليا على مستوى الدولة بكل أفرادها ومؤسساتها لوضع رؤية شاملة للسلطنة على امتداد عقدين قادمين! فكانت لجنة رؤية (عُمان 2040) والتي كلف بها حصرا وتحديدا ابن عمه السيد هيثم بن طارق آنذاك، والذي كان يشغل منصب وزير الثقافة والتراث، تلك الوزارة التي تقل قيمتها عن باقي الوزارات في غالبية العالم العربي، إلا في عُمان، فهي الوزارة التي تحمل فكرة الوعي الجمعي العُماني بكل تفاصيله.

الملفت في مقررات الرؤية لعمان 2040، أنها وضعت أهدافا لها كخارطة طريق وقد وظفت كل طاقاتها الرسمية والأهلية للوصول إليها، وبعيدا عن الإنشائيات، فالرؤية تتحدث بالنص عن (..تنويع الاقتصاد العماني بعيدا عن عائدات النفط)، وفي موضع آخر تتحدث الرؤية التي وضعها وزير الثقافة رئيس اللجنة والسلطان نفسه فيما بعد عن (.. مواكبة التغيرات الإقليمية والعالمية واستثمار الفرص المتاحة)..بل و( توليد الجديد من الفرص)!

تلك حركة نحو الأمام في عملية خلق المبادرات، وهذا تحول نوعي في السياسة العمانية التي تفضل الهدوء وتلقي الفعل ومعالجته بتروي.

الرؤية طموحة جدا إلى حد مدهش خصوصا في الجوانب الاقتصادية والتنموية، وهي خالية من إنشائيات الأفيون السلطوي العربي القائم على تزوير الوعي الجمعي كله.

فلنقرأ سريعا ومثلا لا حصرا في تلك الرؤية التي أشرف عليها وزير ثقافة عمان، لتدخل موضع التنفيذ في عهده نفسه كسلطان عمان:

الرؤية للسلطنة حتى عام 2040 تهدف إلى أما رفع نسبة الاستثمار الأجنبي من إجمالي الناتج المحلي إلى 10%. فهذا وحده يتطلب زحزحة دبلوماسية ثقيلة ووازنة، وهو ما يتطلب حسب الرؤية نفسها رفع نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 90%.

كما وستعمل الدولة خلال عشرين عاما على زيادة متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 90%.

كل تلك الرؤية بأهدافها وتفاصيلها والتي وضعت موضع التنفيذ عام 2021، أي هذا العام الذي نعيشه الآن، تحتاج خارطة طريق تنفيذية، وهي خارطة لن يعلنها العمانيون الذين لم يعتادوا على عروض الإبهار والصوت والضوء، بقدر ما سنقرأها في الأخبار كتطبيق عملي شديد الثقة.

في آخر الأخبار الواردة، فقد كانت أول زيارة رسمية خارج السلطنة للسلطان "صاحب الرؤية 2040" هيثم بن طارق، إلى المملكة العربية السعودية.

القراءات العربية لتقدير الموقف أخذت الخبر بعيدا في التحليل من منطلق المناكفات الإقليمية وربطها بالأزمات التقليدية. (ربما كان للرياض توظيف في ذلك! لا أستطيع ان أؤكد بقدر ما يمكن أن أتكهن)!

لكن بالنسبة لمسقط التي تدير ظهرها منذ زمن طويل لكل مناكفات وأزمات العالم العربي، فإن الزيارة تأتي في سياق الرؤية العُمانية ذاتها، هي زيارة ضمن خارطة طريق الرؤية، فالسعودية - حسب القراءة العمانية- هي الجار الأكبر والأقرب والأكثر فاعلية، والسعودية أيضا تشترك بوضع رؤية 2030. 

رؤية شبيهة بأهدافها للرؤية العمانية، والتقاطعات معها مصلحة عمانية بالدرجة الأولى، ولذا يمكن فهم زيارة السلطان الخاصة والحصرية لمشروع "نيوم" السعودي الإقليمي، وهو العمود الفقري لرؤية السعودية 2030.

--

وختاما،

مما يحكى عن عهد والد السلطان قابوس، بأنه كان لمدينة مسقط القديمة بابا كبيرا، وكان السلطان السابق يغلقه على أهل المدينة في سياق سياسة العزل التي انتهجها.

بعد أن تولى السلطان قابوس الحكم، فتح الأبواب، لا في المدينة وحسب، بل كل الأبواب حتى المشرعة على المحيط الهادئ، لكنه وبحكمة الحذر من الصحراء التي تتاخمه، أبقى على الأبواب ولم يخلعها، ولم يفتحها بالكامل.

ربما من خلف تلك الأبواب التي يفتحها السلطان هيثم بن طارق اليوم وبهدوء، نشهد تجليات التحول العُماني وكذلك الإقليمي في خاصرة المشرق، فالسلطنة أثبتت أنها أكبر من جغرافيا سياحية خلابة وصامتة.. وذلك لغزها الغامض غموضا ليس فيه أسرار.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.