لا يوجد كذلك ما يثبت علميا أن الرسول قد قال هذا الحديث
لا يوجد كذلك ما يثبت علميا أن الرسول قد قال هذا الحديث

ثمة إجماع بين الباحثين المسلمين وكذلك الدارسين للإسلام من غير المسلمين بأن كتب الأحاديث المعروفة لدى السنة ولا سيما البخاري ومسلم وغيرها، إنما جمعت ودونت بعد وفاة رسول الإسلام بأكثر من مئتي سنة على أقل تقدير، وينطبق الأمر نفسه على كتب الأحاديث لدى الشيعة مثل الكافي وتهذيب الأحكام والاستبصار وغيرها، التي دونت أيضا في مرحلة أبعد.

طبعا هذه التواريخ لا تشير إلى المخطوطات الأصلية لهذه الكتب، لأنه لا توجد مخطوطات أصلية، ولكنها تشير فحسب إلى الفترة التي عاش فيها من دونوا وصنفوا هذه الكتب. بمعنى آخر فإن التاريخ الدقيق نفسه لهذ الكتب ليس معروفا. وأيضا ليس معروفا ما إذا كانت النسخ الحالية الموجودة لدينا لكتب الأحاديث هي نفسها التي دونت في ذلك العصر، وإنه لم تدخل عليها إضافات أو تعديلات أو حذف طوال السنوات التي تلت ذلك.

وبالتأكيد فإنه لا يوجد كذلك ما يثبت علميا أن الرسول قد قال هذا الحديث أو ذاك بنفس المنطوق وبنفس المعنى، بما في ذلك المتواتر منها.

ولذلك فإن على المسلم أن يقبل هذه الأحاديث كما هي أو يرفضها كلها أو بعضها، لأنه لا سبيل إلى التحقق من صحتها، من أية مصادر أخرى، غير ما جاء في هذه الكتب نفسها.

كثير من المسلمين اليوم يقبلون بهذه الأحاديث ويعتقدون بصحتها، لكن توجد مدارس أخرى ترفض بعضها وتتحفظ على بعضها الآخر، كما أن هناك من يرفض الأحاديث جميعها ويقرر الاعتماد على القرآن وحده، وهذا هو حال جماعة القرآنيين مثلا.

ما يلفت النظر هنا أن بعض هذه الأحاديث توقف عندها الدارسون طويلا، ليس فقط لغرابتها ومنافاتها للمنطق ومصادمتها الواضحة للعلم، لكن لأنها من غير المعقول أن تكون قد صدرت عن رسول بعثه الله.

أعرض هنا بعض هذه الأحاديث، مثل الحديث الذي يقول:
"قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه (ص) لِأَبِي ذَرّ حِين غَرَبَتْ الشَّمْس " أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَب؟ " قُلْت اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم قَالَ (ص) "فَإِنَّهَا تَذْهَب حَتَّى تَسْجُد تَحْت الْعَرْش فَتَسْتَأْذِن فَيُؤْذَن لَهَا وَيُوشِك أَنْ تَسْجُد فَلَا يُقْبَل مِنْهَا وَتَسْتَأْذِن فَلَا يُؤْذَن لَهَا وَيُقَال لَهَا اِرْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت فَتَطْلُع مِنْ مَغْرِبهَا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: "وَالشَّمْس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم ".

ومثل الحديث الذي يقول:
"عن أبي ذَرٍّ، عن رسولِ اللهِ (ص)، قال: "إذا قامَ أحدُكم فصَلَّى فإنَّه يَستُرُه إذا كان بَينَ يَديهِ مِثلُ آخِرَةِ الرَّحلِ، فإذا لم يكُنْ بَينَ يَديهِ مِثلُ آخِرَةِ الرَّحلِ فإنَّه يَقطَعُ صلاتَه: الحمارُ، والمرأةُ، والكلبُ الأسودُ". قلت: ما بالُ الأسودِ من الكلبِ الأصفرِ، من الكلبِ الأحمرِ؟! فقال: سألتُ رسولَ اللهِ كما سألتَني، فقال: "الكلبُ الأسودُ شَيطانٌ".

ومثل الحديث الذي يقول:
"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (ص) قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المَلاَئِكَةِ، جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ".
 
ومثل الحديث الذي يقول:
"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ (ص) قَالَ: فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ وَإِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأرَ إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَت".

وكذلك الحديث الذي يقول:
"ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمامُ قومٍ وهم له كارهون" رواه الترمذي من حديث أبى أمامة وحسنه الألباني.

هناك أحاديث كثيرة من هذا النوع، ولا سيما تلك المتعلقة بتفسير الظواهر الطبيعية أو الحديث عن العبيد والإماء أو تلك التي تتحدث عن الخرافات أو تحض على الجهاد والقتال وما شابه، وهي متوفرة لمن أراد الاطلاع عليها.

بعض الدارسين المسلمين اليوم يقر بأنه لا يمكن الأخذ بهذه الأحاديث أو العمل بها، إما لأنها باتت خارج السياق ولا مجال لتطبيقها أو لأنها تصطدم بصورة واضحة بالعقل والمنطق والحس السليم.

وهذا إقرار يسجل لهؤلاء، لكن المشكلة تبقى أن هذه الأحاديث لا تزال موجودة في الكتب المعتمدة ولا تزال تدرس في المدارس الدينية مثل الأزهر وغيره. ولهذا السبب هناك من يعتبرها حجة وواجبة التطبيق لأنه يتعامل معها على أنها أحاديث صحيحة! وقد رأينا كيف أن داعش قد استندت على مثل هذه الأحاديث وعلى غيرها من الموروث الديني في استعباد الإيزيديين وسبي نسائهم وأطفالهم وإنشاء سوق للرقيق وبيعهم فيه! بل أنها أحيت الجزية وفرضتها على المسيحيين في المناطق التي سيطرت عليها. ولو لم يتم القضاء على دويلة داعش لكان مسلحوها قد توسعوا في هذه الأمور بصورة لا يمكن تخيلها.

والسؤال هو لماذا لا يجري حذف أو جمع هذه الأحاديث ووضعها في كتاب خاص لأغراض البحث والتأريخ فقط وليس الاستخدام العملي. ولا بأس من الإشارة إلى أنها منتهية الصلاحية أو لم تعد صالحة للاستخدام الآدمي.  

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.