ليس صحيحاً أنّ "حزب الله" لا علاقة له بمسار الحكومة "الجهيضة"، بل العكس هو الصحيح، إذ كان يتولّى إدارة خيوط اللعبة، من وراء الكواليس
ليس صحيحاً أنّ "حزب الله" لا علاقة له بمسار الحكومة "الجهيضة"، بل العكس هو الصحيح، إذ كان يتولّى إدارة خيوط اللعبة، من وراء الكواليس

لم يكن ممكناً، في لبنان، تشكيل حكومة تراعي المواصفات الدولية، ليس لأنّ رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري أصبحا "خطين متوازيين لا يلتقيان إلا بإذنه تعالى"، بعدما فرّقهما "المسترئس" جبران باسيل الذي كان قد جمعهما يوماً، فحسب بل، أيضاً، وهذا الأهم، لأنّ تشكيل حكومة بهذه المواصفات، من شأنه أن يعيد مشروع "حزب الله" الهادف إلى ربط لبنان بالجمهورية الإسلامية في إيران، من جهة وفصله عن المجتمعين العربي والدولي، من جهة أخرى، خطوات نوعية إلى الوراء.

وكانت مراكز دراسات وعواصم عدّة ومراجع سياسية وروحية لبنانية، قد لفتت، مراراً وتكراراً، إلى أنّ "حزب الله" يعمل، بلا هوادة، لتغيير صورة لبنان وارتباطاته وتحالفاته، وهو يجد في الانهيار الراهن، فرصة ذهبية لتحقيق ذلك.

وفي هذه الزاوية، لفتنا، في مقالة الأسبوع الماضي وكانت بعنوان "قرار مواجهة هيمنة إيران على لبنان: التفاؤل...الحذر"، إلى أنّ الحيلولة دون تشكيل "حكومة جاذبة" هي من عدّة عمل "حزب الله" الذي سوف ينسف عودة الاهتمام الدولي من بوابة التوافق الأميركي-الفرنسي، وفي ظل اهتمام إسرائيلي غير مسبوق منذ العام 1982، بتطورات الوضع الداخلي اللبناني، واعتباره مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمنها الاستراتيجي.

وليس صحيحاً أنّ "حزب الله" لا علاقة له بمسار الحكومة "الجهيضة"، بل العكس هو الصحيح، إذ كان يتولّى إدارة خيوط اللعبة، من وراء الكواليس، منذ اللحظة الأولى، بحيث دعم، بواسطة حلفائه أو تابعيه، تكليف الحريري، من جهة وتولّى هو دعم عون في التشكيل، من جهة أخرى وكان يحرص، كلّما مال ميزان القوة، لمصلحة طرف على توفير ما يلزم من دعم للطرف الثاني.

وكانت إطالة أمد الأزمة الحكومية، في مصلحة مشروع "حزب الله"، خصوصاً بعدما لمس أنّ الاهتمام العربي والدولي بلبنان، يسجّل تراجعاً هنا وإحباطاً هناك، ولكن هذه الوضعية تغيّرت كلياً، بعد التفاهم الأميركي-الفرنسي الأخير الذي قرّر الحشد للبنان، داخلياً وعربياً ودولياً، في ظل بروز الاهتمام الأسرائيلي بالداخل اللبناني.

وكان من شأن نجاح المساعي الدولية والعربية لتشكيل حكومة بمواصفات جاذبة لخطة إنقاذية، أن يعيد لبنان إلى موقعه الطبيعي، ويعفيه من أن ينتظر ما يمكن أن تجود إيران به يوماً عليه، وهو في أسفل القعر.

وهذا ما دفع الحزب إلى تحديد موعد نهائي لحسم موضوع الحكومة، تشكيلاً أم اعتذاراً عن التشكيل.

ولم يكن مسموحاً، لدى "حزب الله"، تشكيل حكومة، بالمواصفات التي يرغب بها المجتمع الدولي، وهو كان مطمئناً، في هذا السياق، إلى ما سوف يقوم به رئيس الجمهورية ميشال عون، في هذه الحال، لأنّه يعرف هواجسه، فهو يتطلع إلى حكومة تلبّي طموحاته، سواء تمديداً لولايته، أو فرضاً لخليفته، تحت طائلة تعطيل الحكومة إذا تشكلت أو نسفها، من دون أن يربك "حزب الله" الذي لا يريد أن يتولّى، بنفسه، "الأعمال الوسخة"، عملاً بالمثل الإيراني القائل:" اليد الليّنة تقود الفيل بشعرة ".

ويدرك "حزب الله" أنّ طموحات عون الحكومية لن تعد تتقاطع مع تطلعات الحريري بشيء، إذ إنّ الرئيس المكلّف متوجّس من احتمال الفشل، إذا لم يكن قادراً على تشكيل حكومة "جاذبة" فعلاً، و"فعّالة" حقاً، على اعتبار أنّ الحريري، يعود إلى السلطة التي تركها، في ضوء "ثورة ١٧ أكتوبر ٢٠١٩"، ومطلوب منه أن يتبنّى "القرارات الموجعة"، في بلد سهل فيه رمي المسؤولية على رئيس الحكومة، ولو كان غيره، يتحكّم "بالشاردة والواردة".

ولا يعود الحريري، هذه المرة، إلى رئاسة الحكومة، ومعه فترة سماح شعبية وعربية ودولية، بل ينتظره الجميع، منذ اللحظة الأولى "على المفرق"، فهناك من سوف يحاسبه على "تدليعه" حزب الله_ وهو مضطر أن يفعل_ وهناك من سوف يحاسبه على أيّ تباطؤ في اتخاذ القرارات الحاسمة أو على أيّ "صفقة" في التعيينات أو على أيّ تهاون في مزايدة عمومية، أو على أيّ تفهم لقرارات مصرف لبنان.

وقد علّمته تجربة الادّعاء القضائي في ملف انفجار مرفأ بيروت، على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب الكثير، اذ إنّ رئيس الجمهورية الذي يتدخّل "في الشاردة والواردة"، وبعد إقراره بأنّه كان يعرف بخطورة مادة "نيترات الأمونيوم" في العنبر الرقم ١٢، يتم تحييده من الملاحقة، في حين أنّ من يوازيه بالمعرفة، أي دياب، يتم الادّعاء عليه.

وهذا يعني أنّ الدستور يحمي رئيس الجمهورية، مهما فعل، ولكنّه لا يقيس بالمعيار نفسه أفعال رئيس الحكومة، وتالياً، فإنّه لا يمكن تسليم زمام الأمور الحكومية لمن هو مَعفيّ من المسؤولية، أي رئيس الجمهورية، في مقابل الانتقاص من أدوات التحكّم بالقرار، لمن تسهل ملاحقته، أي رئيس الحكومة.

إذن، عندما أعطى الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، في آخر إطلالاته، مهلة "أيّام" لحسم الاتجاه الحكومي، كان يعرف، بالاستناد إلى ما يملك من معطيات ومعلومات وما قام به في السر، أنّ الحكومة التي يتطلع إليها الحراك الدولي المستجد، سوف تذهب مع الريح.

من هنا إلى أين؟

لا يحتاج المراقب إلى ذكاء حاد ومعلومات استثنائية لمعرفة أنّ الكارثة سوف تتعمّق، وأنّ الفقر سوف يتضاعف، وأنّ الفوضى سوف تنتشر، وأنّ الطائفية سوف تكتسح، وأنّ العصابات سوف تتحكّم.

أمّا المجتمع الدولي، فلن يكون أمامه سوى العمل على دعم مؤسسات المجتمع المدني كما المؤسسات العسكرية والأمنية التي تحتاج إلى ما يفوق المائتين مليون دولار سنوياً، لتبقى "واقفة على قدميها"، من هنا كان اللجوء إلى طلب دخول فعّال على الخط للملكة العربية السعودية، في مقابل إنزال عقوبات بالقيادات السياسية التي تسبّبت بسد أفق المسار السياسي.

وإذا كان "حزب الله" يرتّب مع إيران إمكان تزويده بالمشتقات النفطية وبعض الأدوية والمواد الغذائية ليستخدمها، دعائياً، في لحظة يأس لبنانية مقبلة، فإنّ أحداً لا يعرف بعد ماذا يمكن أن ينتهي إليه اهتمام إسرائيل بالوضع الداخلي اللبناني، فالكلام الإسرائيلي السياسي يوحي أنّ تل أبيب لن تسمح لإيران بأن تستفيد من "الفلتان" في لبنان، بل ستواجهه، والدعاية الإسرائيلية العسكرية توحي بأنّها تضع الحرب نصب عينيها.

وفي انتظار ما سوف ينطق به الميدان، فإنّ ما هو أكيد أنّ لبنان، بعد اعتذار الحريري، ستحوط به غيوم سوداء، وسط مخاوف من أن تمطر ناراً وحديداً، على إيقاع سمفونية الأنين المأساوية.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.