ديوان موشافي
ديوان موشافي

تمرُّ هذا العام في صمت الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر المغربي أحمد مُوشافي (1940-2011).
هذا واحد من "حلقة الشعراء المفقودين"، الفقدان الذي ينطوي على بوح دامٍ وعلى سرٍّ موجعٍ في آن.
أحمد مُوشافي مبدع لم ينصفه زمنه، ولم يُقرأ كما يفترض، ولم ينقل إلى اللغة العربية، ولم يتمكن الكثيرون من الاطلاع على كتاب حياته الذي حفره بإزميل القهر على صخرة الألم والمعاناة.
 لم يحظ أحمد مُوشافي بتقدير أهله، أو بتكريم مستحق من الوسط الثقافي. وكان يكتب الشعر بحساسية أرثر رامبو وعذوبة شارل بودلير، ينشره في المنابر الفرنكفونية بالمغرب وفرنسا، يلقيه في المنتديات التي يغشاها الفرنسيون، ممن لم يلحقوا بكتائب عساكر الجنرال أندري لويس دوبوا، آخر مقيم عام للحماية الفرنسية في المغرب. 

كان مُوشافي يقرأ أشعاره أيضا على هواة سماع الشعر المغاربة من محبي لغة بول فاليري وسان جوست بيرس. وقد استحق رئاسة جمعية "الصداقات الشعرية والأدبية"، وهي جمعية فرنكفونية كانت تضم شعراء مغاربة وفرنسيين مقيمين.
كثير من المثقفين والمتتبعين للمجال الأدبي والثقافي في المغرب اليوم يكادون لا يعرفون اسمه، أو لم يسمعوا به من قبل. إذ ظل اسم أحمد مُوشافي محصورا بين شوارع "المسرح البلدي" بالدار البيضاء، صرحٌ كان واندثر، حيث فضاءات "لاكوميدي" و"لالوج" و"لابْرَنسْيِيرْ" و"القصر الذهبي" و"لاشوبْ". وجل رواد هذه الأماكن هم من أهل المسرح والموسيقى والثقافة والفنون.

***
في بداية الثمانينيات، ضمن منشورات "Editions Libres" أقدم د.عبد الصمد محيي الدين على نشر الديوان الوحيد لأحمد مُوشافي: Souviens-toi la colère  . ديوان وصل إلى المكتبات مشتعلا بلهيب التمرد ونقمة الغضب الطبقي وكبرياء الثورات المغدورة، تتقدم أوراقه مراثي الشهداء والمناضلين، من المهدي بن بركة وعمر بن جلُّون إلى تشي غيفارا وغيرهم من ثوار الأرض.

لقد حول أحمد مُوشافي المقاهي والبارات التي يتجمع فيها المثقفون إلى سوق عكاظ ومهرجان مرْبدٍ بغدادي. وحين تداهمه غمزات الهزء الشامتة، لم يكن يكف عن الصهيل والعويل، ناثراً رماد الوقت والكائنات، سادراً في النشيد، تاركا خلفه صراخ الأبجدية. 

غالبا ما كان يتواجد في محيط المسرح البلدي، بشارع باريس وشارع بليز باسكال وزنقة بوان كاري. وعندما "تمتد رجلاه" يصل إلى زنقة ليون الإفريقي (الحسن الوزان) حيث مقهى "السّاتْيام" المتكئة على حانة "تور حسان" وفندق "شيراتون" في شارع الجيش الملكي.
كان مُوشافي عبقريا، وعبقريته أودت به إلى ضفاف الجنون، لكنها نأت به عن مشارف المجد. وإن كان نصف مجنون فقد عاش الشعر بأكمله. 
اجتمع حوله بعض "المتحامقين"، وعلى رأسهم المرحوم الساخر محمد البرمكي، موظف بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومصمم الديكور الراحل محمد الختير، والتشكيلي محمد حميدي، والممثل محمد مفتاح... وآخرون ممن كانوا يستمتعون بحشو رأس مُوشافي بأكاذيب غايتها استدعاء الضحك وارتجال التنكيت، سرعان ما يصدقها، فيجلسون ليتفرجوا على رده فعله العنيف حد الجنون، وسموه "شوشو".
كانوا يقولون له إنهم سمعوا مغنيا عالميا سرق قصيدته وغناها من دون أن يستفيد هو من حقوق التأليف، أو أن مخابرات "السي أي إيه" تلاحقه على هجائه للنظام الامبريالي... وما يشبه هذه "القفشات" التي جعلوا منها تسلية للتفكه وتجزية الوقت، على حساب حساسية الرجل وسلامته الصحية الذهنية. وقد تعرف الممثل المصري عبد الله غيث مع مواطنته الفنانة سميحة أيوب على "شوشو" وحضرا بعضاً من تلك "القفشات"، لما زارا الدار البيضاء في سبعينيات القرن الماضي، واحتفى بهما بعض الفنانين المغاربة في شقة صغيرة بمنطقة "مرس السلطان".

من جانبي، كنت "أعطيه الخاطر"، أجالسه في مقهى "لابرنسْيير" أو مقهى "السّاتْيام" لأسايره في أحلام يقظته، أمشي معه في طرقات جنونه وخياله الواسع الذي يسافر به إلى المجرات البعيدة. وكان أحيانا يدرك أنه يسبح في بحار من خيالات عاصفة، لكنه كان يجد سعادته في لُجَّة الأمواج العميقة، فتخرج من فمه قهقهة مميزة، تُعْدي رنّاتها سامعيها. هكذا كان، أينما حل يزرع البسمة الجميلة وينثر الضحكة المُمَوْسَقة.

***
جرَّب أحمد مُوشافي أيضا أن يكتب شعرا بالعربية الفصيحة وبالعامية المصرية، بعد تأثره بأشعار صلاح جاهين وفؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي. 
صديقه الحميم المثقف عبد الصمد محيي الدين، من يمتلك ناصية اللغة والثقافة المزدوجة، هو من حبَّبَ لشوشو لغة الضاد. ولمن كانوا يزعجونه أو يتمادون في الاستخفاف به، كان مُوشافي يرتدي عباءة الحطيئة وقلنسوة ابن الرومي، فيشهر في أوجههم قصائد هجاء لاذعة، ولا يهدأ حتى يوزعها في كل مكان. 

وأحمد مُوشافي توأم الروح لمحمد خير الدين (1941-1995)، الشاعر والروائي الفرنكفوني صاحب "أسطورة أغونْشيشْ"، كلاهما مثيلان في الشعر وفي التمرد والعبث والجنون، وفي ملكة اللغة وعشقها. من استمعوا إلى خير الدين "الطائر الأزرق" وهو يتحدث الأمازيغية، يشهدون له بأمازيغيته الراقية والمختلفة. ومن أسمعه أحمد مُوشافي قصائده المصرية يظنه من أبناء الصعيد المصري. دون أن نتكلم عن فرنسيتهما التي بزَّا بها أهلها.

***
ومثل رامبو، الذي خسر الحياة وربح الشعر، عانى أحمد مُوشافي الفقر والعذاب، لكن الشعر ربحه.
كأنها تعزية متأخرة. لكنها لن تعزي محبيه في غيابه غير نصف تعزية. 
كيف ننسى أن الشعر غواية الغوايات ومتاهة مفخخة.. 
كيف ننسى أن الشعراء منذورون للجنون، منذ قيس بن الملوح والشعراء الهائمين، ومسجلون على لوائح الاغتيال السرية والمعلنة، من الشنفرى وامرؤ القيس وطرفة بن العبد والمتنبي  إلى لوركا ونيرودا وكمال خير بك... إلى نهاية الزمن الهارب وقيامة القصيدة المطلقة، القصيدة المفتوحة على القوافي المرعبة لمذابح القرون، والمنسدلة على إغفاءات الأبدية.

***  
قبل وفاته اختفى أحمد مُوشافي، لم يعد يراه أحد في أماكنه المألوفة. كأنه ذهب لاستراحة المحارب. إلى أن وصل خبر إصابته بمرض قيل له إنه ميؤوس من شفائه، فأغلق على نفسه ينتظر خاتمة الوقت لتسليم الروح. 
ووصل صديقه عبد الصمد محيي الدين المقيم في باريس، شريكه مع محمد خير الدين وحميد الهواضري (نشر له عبد اللطيف اللعبي في مجلة "أنفاس") في مغامرة مجلة Rupture "القطيعة". سأل محيي الدين عن صديقه التاريخي، ليخترق عزلة الشاعر في غرفة بمنزل بسيط في "سْباتَة" (أحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء). 
ويقال إن عائلة أحمد موشافي الميسورة حرمته من الإرث و"تبرعت" عليه بتلك الغرفة المبعثرة.
حاول محيي الدين مواساة مُوشافي وبلسمة بعض جراحاته، مبعدا عنه ولو إلى حين، بعض القلق والاكتئاب. ليلتها وقف مُوشافي وهو يلبس "كندورة" (جلباب) ليرد التحية بأحسن منها، صاح بكامل نزقه الطفولي، ورقص فوق ألغام الوقت وأسلاكه الشائكة، حتى نال حصته الموصوفة من الضحك ومن الجنون.
***

لا زلت أتذكر آخر لقاء لي معه في شارع الشهيد إدريس الحريزي، أردت ممازحته فسألته:
- أين هي قصيدتك الأخيرة يا شوشو؟
نظر إلي كالمرتاب مذعورا، قبل أن يجيب بتمتمة كانت به:
- لقد توقفت عن كتابة الشعر.. أتظنني صانع أحذية أو طرابيش؟ 
ثم أردف، واضعا يده على كتفي:
- هذا ليس قرارا طوعيا لو تدري..
- وهل ستتفرغ لكتابة النثر...؟
ضحك ضحكته المعلومة، وأجاب:
- لا شعر ولا نثر، و"لا سيدي زكْري"... أنا مستغرق الآن في أمرٍ أهم.. لتقل كتابة مغايرة، ولتسمِّها "كتابة الجنون" إذا شئت. 
وقال كمنتصر:
- لأجل ذلك أنا منشغل بتأسيس جمعية للشعراء القتلى. من أغواهم الشعر ثم تخلى عنهم. هل أنت على استعداد للانتساب؟ عليك أولاً أن تموت غرقا في بحر الجنون. موت لا يشبه الموت، الموت قتلا، ليس بيدك أو بيد الآخر. لكن من أين لك هذا يا ولدي...؟ 
أتُجيد فنَّ العَوْم؟
ضحك واسترسل. وضحكت معه، ثم افترقنا. وكان الفراق الأخير.

***
بعد سنوات على هذا اللقاء الضائع، وهو يستعرض الوضع السياسي في إيران، سيقترح صحفي بريطاني متخصص في شؤون الشرق الأوسط، إنشاء "جمعية الشعراء القتلى". كتب روبرت فيسك (1946- 2020) في "الاندبندنت"، لا بد أن تكون في إيران جمعية للشعراء القتلى، الشعراء الذين أعدمهم نظام الملالي في إيران. وكأنه كان يستجيب لمسعى أحمد مُوشافي في كزبلانكا، في الضفة الأخرى من هذه الجزيرة المنغرسة في سرَّة الأرض، والمسورة بالبوم والغربان وبالوحوش الكاسرة. 
   
قبل أشهر عمد شاعر مغربي بارز، هو محمد عنيبة الحمري، إلى إصدار كتاب بعنوان: "إعدام الشعراء: أبحاث تراثية" (دار نشر "خطوط وظلال" الأردنية). كتاب عن شعراء اتهموا بالزندقة والإلحاد والعصيان والعشق، وتم إعدامهم من طرف ذوي السلطان، الخلفاء والأمراء والولاة والقضاة والأسياد، وبطرق مختلفة، كالخنق والقتل والشنق والسجن حتى الممات.

أليس الفقر والجنون واقتراف الشعر في مدن وأقطار الملح تهما كافية لاستصدار حكم بالقتل والشنق؟
 أليس تأبيد الفقر والجنون من الإعدام؟

أحمد مُوشافي قُتل أكثر من مرة، حيّاً وميِّتاً.

 كيف عجزتُ عن إيجاد صورة واضحة لملامح وجهه القمحي الأسمر بنظارته السميكة، لإلحاقها بهذه السطور؟
 كل الصور التي توصلت بها مضببة وغائمة. 
أليست كذلك حالات الجنون؟ ضبابية وغائمة، شبيهة بأجواء نصوصه الموغلة في التمرد والصراخ وفي الرؤية المتوتّرة!

لكن لحظة، علينا أن نتأكد أولاً، هل جنون الشعراء هو ضرب من الجنون فعلا، هل هم مجانين حقا؟
هل كان الشاعر أحمد مُوشافي بهذا القدر أو ذاك مجنونا؟
ما نعرفه حق التأكيد، هو أنه كان بسيطا لطيفا خجولا وفيا نبيلا مرهفا مثقفا مبدعا وإنسانا خدوما وبريئا.
إذا كانت هذه صفات يقاس بها الجنون.. فمرحى! 

***
لما مات أحمد مُوشافي قبل عقد كامل من السنوات، لم يمش في جنازته أحد من أصدقائه. تأخر وصول نعيه شهورا ولم تشر إليه الصحف، فهو لم يعر كتفيه لرايات حزب أو جماعة سياسية، ولا ادعى الالتزام وانتسب لغير الشعر. واختفت نسخ ديوانه اليتيم. لكن ضحكته المجلجلة ما زالت تملأ فضاءات الأماكن التي مرَّ بها ظله والأرصفة التي وطئتها قدماه. 
ومثل المسرحي البريطاني الشهير جون أوزبرون، لمَّا مضى و"التفت وراءه بغضب"، فعل مُوشافي. لكنه قبل أن يسبل جفنيه، اشرأب إلى خاتمته من حافة الأرض وبكى، لما رأى ظله لحْداً أصغر من قامته المديدة وجنازته بلا مشيعين. ولا مجال لترميم شاهد قبرٍ مُنْزوٍ بين الأضرحة.
ومترعا بالحُزْن والغضب، أطلق صرخته الأخيرة، صرخة القاتل والقتيل، الصرخة التي ستظل "تتلعثم في حنجرة العالم". 
نام وفوق صدره وردة حمراء.. 
وعلى رأسه غيمةٌ من فراشات وطيور
 تلهب أسرابُها التائهة
 أقمار المنافي الباردة.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.