ديوان موشافي
ديوان موشافي

تمرُّ هذا العام في صمت الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر المغربي أحمد مُوشافي (1940-2011).
هذا واحد من "حلقة الشعراء المفقودين"، الفقدان الذي ينطوي على بوح دامٍ وعلى سرٍّ موجعٍ في آن.
أحمد مُوشافي مبدع لم ينصفه زمنه، ولم يُقرأ كما يفترض، ولم ينقل إلى اللغة العربية، ولم يتمكن الكثيرون من الاطلاع على كتاب حياته الذي حفره بإزميل القهر على صخرة الألم والمعاناة.
 لم يحظ أحمد مُوشافي بتقدير أهله، أو بتكريم مستحق من الوسط الثقافي. وكان يكتب الشعر بحساسية أرثر رامبو وعذوبة شارل بودلير، ينشره في المنابر الفرنكفونية بالمغرب وفرنسا، يلقيه في المنتديات التي يغشاها الفرنسيون، ممن لم يلحقوا بكتائب عساكر الجنرال أندري لويس دوبوا، آخر مقيم عام للحماية الفرنسية في المغرب. 

كان مُوشافي يقرأ أشعاره أيضا على هواة سماع الشعر المغاربة من محبي لغة بول فاليري وسان جوست بيرس. وقد استحق رئاسة جمعية "الصداقات الشعرية والأدبية"، وهي جمعية فرنكفونية كانت تضم شعراء مغاربة وفرنسيين مقيمين.
كثير من المثقفين والمتتبعين للمجال الأدبي والثقافي في المغرب اليوم يكادون لا يعرفون اسمه، أو لم يسمعوا به من قبل. إذ ظل اسم أحمد مُوشافي محصورا بين شوارع "المسرح البلدي" بالدار البيضاء، صرحٌ كان واندثر، حيث فضاءات "لاكوميدي" و"لالوج" و"لابْرَنسْيِيرْ" و"القصر الذهبي" و"لاشوبْ". وجل رواد هذه الأماكن هم من أهل المسرح والموسيقى والثقافة والفنون.

***
في بداية الثمانينيات، ضمن منشورات "Editions Libres" أقدم د.عبد الصمد محيي الدين على نشر الديوان الوحيد لأحمد مُوشافي: Souviens-toi la colère  . ديوان وصل إلى المكتبات مشتعلا بلهيب التمرد ونقمة الغضب الطبقي وكبرياء الثورات المغدورة، تتقدم أوراقه مراثي الشهداء والمناضلين، من المهدي بن بركة وعمر بن جلُّون إلى تشي غيفارا وغيرهم من ثوار الأرض.

لقد حول أحمد مُوشافي المقاهي والبارات التي يتجمع فيها المثقفون إلى سوق عكاظ ومهرجان مرْبدٍ بغدادي. وحين تداهمه غمزات الهزء الشامتة، لم يكن يكف عن الصهيل والعويل، ناثراً رماد الوقت والكائنات، سادراً في النشيد، تاركا خلفه صراخ الأبجدية. 

غالبا ما كان يتواجد في محيط المسرح البلدي، بشارع باريس وشارع بليز باسكال وزنقة بوان كاري. وعندما "تمتد رجلاه" يصل إلى زنقة ليون الإفريقي (الحسن الوزان) حيث مقهى "السّاتْيام" المتكئة على حانة "تور حسان" وفندق "شيراتون" في شارع الجيش الملكي.
كان مُوشافي عبقريا، وعبقريته أودت به إلى ضفاف الجنون، لكنها نأت به عن مشارف المجد. وإن كان نصف مجنون فقد عاش الشعر بأكمله. 
اجتمع حوله بعض "المتحامقين"، وعلى رأسهم المرحوم الساخر محمد البرمكي، موظف بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومصمم الديكور الراحل محمد الختير، والتشكيلي محمد حميدي، والممثل محمد مفتاح... وآخرون ممن كانوا يستمتعون بحشو رأس مُوشافي بأكاذيب غايتها استدعاء الضحك وارتجال التنكيت، سرعان ما يصدقها، فيجلسون ليتفرجوا على رده فعله العنيف حد الجنون، وسموه "شوشو".
كانوا يقولون له إنهم سمعوا مغنيا عالميا سرق قصيدته وغناها من دون أن يستفيد هو من حقوق التأليف، أو أن مخابرات "السي أي إيه" تلاحقه على هجائه للنظام الامبريالي... وما يشبه هذه "القفشات" التي جعلوا منها تسلية للتفكه وتجزية الوقت، على حساب حساسية الرجل وسلامته الصحية الذهنية. وقد تعرف الممثل المصري عبد الله غيث مع مواطنته الفنانة سميحة أيوب على "شوشو" وحضرا بعضاً من تلك "القفشات"، لما زارا الدار البيضاء في سبعينيات القرن الماضي، واحتفى بهما بعض الفنانين المغاربة في شقة صغيرة بمنطقة "مرس السلطان".

من جانبي، كنت "أعطيه الخاطر"، أجالسه في مقهى "لابرنسْيير" أو مقهى "السّاتْيام" لأسايره في أحلام يقظته، أمشي معه في طرقات جنونه وخياله الواسع الذي يسافر به إلى المجرات البعيدة. وكان أحيانا يدرك أنه يسبح في بحار من خيالات عاصفة، لكنه كان يجد سعادته في لُجَّة الأمواج العميقة، فتخرج من فمه قهقهة مميزة، تُعْدي رنّاتها سامعيها. هكذا كان، أينما حل يزرع البسمة الجميلة وينثر الضحكة المُمَوْسَقة.

***
جرَّب أحمد مُوشافي أيضا أن يكتب شعرا بالعربية الفصيحة وبالعامية المصرية، بعد تأثره بأشعار صلاح جاهين وفؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي. 
صديقه الحميم المثقف عبد الصمد محيي الدين، من يمتلك ناصية اللغة والثقافة المزدوجة، هو من حبَّبَ لشوشو لغة الضاد. ولمن كانوا يزعجونه أو يتمادون في الاستخفاف به، كان مُوشافي يرتدي عباءة الحطيئة وقلنسوة ابن الرومي، فيشهر في أوجههم قصائد هجاء لاذعة، ولا يهدأ حتى يوزعها في كل مكان. 

وأحمد مُوشافي توأم الروح لمحمد خير الدين (1941-1995)، الشاعر والروائي الفرنكفوني صاحب "أسطورة أغونْشيشْ"، كلاهما مثيلان في الشعر وفي التمرد والعبث والجنون، وفي ملكة اللغة وعشقها. من استمعوا إلى خير الدين "الطائر الأزرق" وهو يتحدث الأمازيغية، يشهدون له بأمازيغيته الراقية والمختلفة. ومن أسمعه أحمد مُوشافي قصائده المصرية يظنه من أبناء الصعيد المصري. دون أن نتكلم عن فرنسيتهما التي بزَّا بها أهلها.

***
ومثل رامبو، الذي خسر الحياة وربح الشعر، عانى أحمد مُوشافي الفقر والعذاب، لكن الشعر ربحه.
كأنها تعزية متأخرة. لكنها لن تعزي محبيه في غيابه غير نصف تعزية. 
كيف ننسى أن الشعر غواية الغوايات ومتاهة مفخخة.. 
كيف ننسى أن الشعراء منذورون للجنون، منذ قيس بن الملوح والشعراء الهائمين، ومسجلون على لوائح الاغتيال السرية والمعلنة، من الشنفرى وامرؤ القيس وطرفة بن العبد والمتنبي  إلى لوركا ونيرودا وكمال خير بك... إلى نهاية الزمن الهارب وقيامة القصيدة المطلقة، القصيدة المفتوحة على القوافي المرعبة لمذابح القرون، والمنسدلة على إغفاءات الأبدية.

***  
قبل وفاته اختفى أحمد مُوشافي، لم يعد يراه أحد في أماكنه المألوفة. كأنه ذهب لاستراحة المحارب. إلى أن وصل خبر إصابته بمرض قيل له إنه ميؤوس من شفائه، فأغلق على نفسه ينتظر خاتمة الوقت لتسليم الروح. 
ووصل صديقه عبد الصمد محيي الدين المقيم في باريس، شريكه مع محمد خير الدين وحميد الهواضري (نشر له عبد اللطيف اللعبي في مجلة "أنفاس") في مغامرة مجلة Rupture "القطيعة". سأل محيي الدين عن صديقه التاريخي، ليخترق عزلة الشاعر في غرفة بمنزل بسيط في "سْباتَة" (أحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء). 
ويقال إن عائلة أحمد موشافي الميسورة حرمته من الإرث و"تبرعت" عليه بتلك الغرفة المبعثرة.
حاول محيي الدين مواساة مُوشافي وبلسمة بعض جراحاته، مبعدا عنه ولو إلى حين، بعض القلق والاكتئاب. ليلتها وقف مُوشافي وهو يلبس "كندورة" (جلباب) ليرد التحية بأحسن منها، صاح بكامل نزقه الطفولي، ورقص فوق ألغام الوقت وأسلاكه الشائكة، حتى نال حصته الموصوفة من الضحك ومن الجنون.
***

لا زلت أتذكر آخر لقاء لي معه في شارع الشهيد إدريس الحريزي، أردت ممازحته فسألته:
- أين هي قصيدتك الأخيرة يا شوشو؟
نظر إلي كالمرتاب مذعورا، قبل أن يجيب بتمتمة كانت به:
- لقد توقفت عن كتابة الشعر.. أتظنني صانع أحذية أو طرابيش؟ 
ثم أردف، واضعا يده على كتفي:
- هذا ليس قرارا طوعيا لو تدري..
- وهل ستتفرغ لكتابة النثر...؟
ضحك ضحكته المعلومة، وأجاب:
- لا شعر ولا نثر، و"لا سيدي زكْري"... أنا مستغرق الآن في أمرٍ أهم.. لتقل كتابة مغايرة، ولتسمِّها "كتابة الجنون" إذا شئت. 
وقال كمنتصر:
- لأجل ذلك أنا منشغل بتأسيس جمعية للشعراء القتلى. من أغواهم الشعر ثم تخلى عنهم. هل أنت على استعداد للانتساب؟ عليك أولاً أن تموت غرقا في بحر الجنون. موت لا يشبه الموت، الموت قتلا، ليس بيدك أو بيد الآخر. لكن من أين لك هذا يا ولدي...؟ 
أتُجيد فنَّ العَوْم؟
ضحك واسترسل. وضحكت معه، ثم افترقنا. وكان الفراق الأخير.

***
بعد سنوات على هذا اللقاء الضائع، وهو يستعرض الوضع السياسي في إيران، سيقترح صحفي بريطاني متخصص في شؤون الشرق الأوسط، إنشاء "جمعية الشعراء القتلى". كتب روبرت فيسك (1946- 2020) في "الاندبندنت"، لا بد أن تكون في إيران جمعية للشعراء القتلى، الشعراء الذين أعدمهم نظام الملالي في إيران. وكأنه كان يستجيب لمسعى أحمد مُوشافي في كزبلانكا، في الضفة الأخرى من هذه الجزيرة المنغرسة في سرَّة الأرض، والمسورة بالبوم والغربان وبالوحوش الكاسرة. 
   
قبل أشهر عمد شاعر مغربي بارز، هو محمد عنيبة الحمري، إلى إصدار كتاب بعنوان: "إعدام الشعراء: أبحاث تراثية" (دار نشر "خطوط وظلال" الأردنية). كتاب عن شعراء اتهموا بالزندقة والإلحاد والعصيان والعشق، وتم إعدامهم من طرف ذوي السلطان، الخلفاء والأمراء والولاة والقضاة والأسياد، وبطرق مختلفة، كالخنق والقتل والشنق والسجن حتى الممات.

أليس الفقر والجنون واقتراف الشعر في مدن وأقطار الملح تهما كافية لاستصدار حكم بالقتل والشنق؟
 أليس تأبيد الفقر والجنون من الإعدام؟

أحمد مُوشافي قُتل أكثر من مرة، حيّاً وميِّتاً.

 كيف عجزتُ عن إيجاد صورة واضحة لملامح وجهه القمحي الأسمر بنظارته السميكة، لإلحاقها بهذه السطور؟
 كل الصور التي توصلت بها مضببة وغائمة. 
أليست كذلك حالات الجنون؟ ضبابية وغائمة، شبيهة بأجواء نصوصه الموغلة في التمرد والصراخ وفي الرؤية المتوتّرة!

لكن لحظة، علينا أن نتأكد أولاً، هل جنون الشعراء هو ضرب من الجنون فعلا، هل هم مجانين حقا؟
هل كان الشاعر أحمد مُوشافي بهذا القدر أو ذاك مجنونا؟
ما نعرفه حق التأكيد، هو أنه كان بسيطا لطيفا خجولا وفيا نبيلا مرهفا مثقفا مبدعا وإنسانا خدوما وبريئا.
إذا كانت هذه صفات يقاس بها الجنون.. فمرحى! 

***
لما مات أحمد مُوشافي قبل عقد كامل من السنوات، لم يمش في جنازته أحد من أصدقائه. تأخر وصول نعيه شهورا ولم تشر إليه الصحف، فهو لم يعر كتفيه لرايات حزب أو جماعة سياسية، ولا ادعى الالتزام وانتسب لغير الشعر. واختفت نسخ ديوانه اليتيم. لكن ضحكته المجلجلة ما زالت تملأ فضاءات الأماكن التي مرَّ بها ظله والأرصفة التي وطئتها قدماه. 
ومثل المسرحي البريطاني الشهير جون أوزبرون، لمَّا مضى و"التفت وراءه بغضب"، فعل مُوشافي. لكنه قبل أن يسبل جفنيه، اشرأب إلى خاتمته من حافة الأرض وبكى، لما رأى ظله لحْداً أصغر من قامته المديدة وجنازته بلا مشيعين. ولا مجال لترميم شاهد قبرٍ مُنْزوٍ بين الأضرحة.
ومترعا بالحُزْن والغضب، أطلق صرخته الأخيرة، صرخة القاتل والقتيل، الصرخة التي ستظل "تتلعثم في حنجرة العالم". 
نام وفوق صدره وردة حمراء.. 
وعلى رأسه غيمةٌ من فراشات وطيور
 تلهب أسرابُها التائهة
 أقمار المنافي الباردة.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.