متظاهرون ماركسيون في شوارع بيروت (أرشيفية)
متظاهرون ماركسيون في شوارع بيروت (أرشيفية)

تحفل المنصات الافتراضية العربية هذه الأيام، بجدل واسع حول غياب "القطب الثالث" في المجتمعات العربية، وينصرف النقاش تلقائياً إلى قضية تآكل دور اليسار ونفوذه، بعد أن ملأ الأرض والفضاء ذات مرحلة، وباعتباره الجهة المطالبة أكثر من غيرها، بتولي مهمة تكوين هذا "القطب"، والسهر على ضمان استقلاليته سواء عن "الإسلام السياسي" أو "الدولة العميقة" بمختلف تجلياتها وتمظهراتها. 

وتتأسس الحاجة لاستنهاض "قطب ثالث"، والتي تبدو ملحّة بنظر كثيرين، على حاجة أكثر إلحاحاً وتتصل بتجاوز "الاستعصاء الديمقراطي" في العديد من دولنا العربية...بيد أنها تأخذ أشكالاً ومظاهر تختلف باختلاف السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية لهذه البلدان...في دول السلالات والجنرالات، يبدو الاستقطاب واضحاً بين "دولة عميقة" وإسلام سياسي مازال حاضراً بقوة على الرغم مما لحق به من ضربات وهزائم في السنوات السبع الفائتة...أما في دول الأقوام والطوائف والمذاهب، كما هو الحال في لبنان والعراق، فإن الحاجة لهذا القطب تتولد من الحاجة لشق مجرى عابر لهذه الهويات الفرعية وما يترتب عليها من محاصصات قاتلة...وفي الدول التي تتغلب فيها البنى العشائرية والقبلية السابقة للدولة، فإن فكرة القطب الثالث، تبدو تأسيسية لجهة خلق بنية تحتية لدولة مدنية، تقوم على المواطنة المتساوية والفاعلة، تحترم قيم الحرية والديمقراطية ومنظومة حقوق الانسان وتكرس مبدأ سيادة القانون. 

مقابل مفهوم "الدولة العميقة"، يصح الحديث عن "مجتمع عميق" كذلك، وهو مصطلح أخذ يتسلل إلى الأدبيات العربية، وإن على نحو خجول، ويُقصد به المجتمعات التي ترتد إلى مكوناتها الأولية، من عرقية وطائفة ومذهبية وعشائرية، أو تلك التي تتشكل من رحمها، بيئات حاضنة للتخلف والتطرف والغلو، وتقف حجر عثرة في وجه التحديث والتمدين، وتغلق نوافذها في وجه رياح التغيير والدمقرطة، وتنبري للدفاع عن "مصالح متخيّلة" ليست في واقع الحال، سوى منافع لفئة محدودة من زعاماتها المحلية وممثليها المفروضين بقوة العادات وروابط الدم والتسلسل الهرمي المتوارث. 

في جميع هذه البيئات المتفارقة، ينجح القطبان السائدان في مجتمعاتنا: "الدولة العميقة" و"الإسلام السياسي" في التكيف والتماهي، بل ونرى نجاحات هامة يسجلانها في توظيف كيانات ما قبل الحداثة وروابطها، في خدمة أهدافهما وتجديد بقائهما...وحدها القوى الرافعة للواء التحديث والتمدين والانتقال الديمقراطي، تجد نفسها في أضيق الزوايا، تتعرض لموجات متعاقبة من الاستهداف، من دون أن تقوى على شق مجرى عريض، تصب فيه مختلف روافدها وقواها. 

أين اليسار من كل هذا؟ 

أُخذ اليسار العربي على حين غرة، بسقوط الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي...وطوال عشريتين لاحقتين لـ"الانهيار الكبير"، لم تتمكن فصائله من مراجعة أدبياتها وخطابها، ومن أجرى منها بعض المراجعات، خلص بالغالب إلى ما يمكن وصفه بـ"سلفية ماركسية"، فالأخطاء المقترفة لا تتصل بالماركسية بل بالماركسيين، والعودة إلى "صحيح النصوص" في مواجهة "تحريفية" ماوية أو ستالينية، تذكر بعودة السلفيين إلى الأدبيات المؤسسة للإسلام الأول كما يرونه، فيما ينظر إلى "الحقبة اللينينية" في التجربة السوفيتية والثورية العالمية، بذات المنظار الذي يعاين منه "السلفي" مرحلة "صدر الإسلام" والتجربة الراشدة في المدينة المنورة. 

لم نر كثيراً من المراجعات الجادة لمفهومي "الدولة والثورة"، ولا وقفات أمام نمط الإنتاج الاشتراكي و"ديكتاتورية البروليتارية المتحالفة مع جموع الفلاحين"...ظلت الدولة على حالها: أداة لتنظيم سيطرة الطبقة البرجوازية، وليس أداة لاستحداث التوازن في علاقات القوى الاجتماعية، وإعادة ترميم هذا التوازن عند اختلاله...وظلت الديمقراطية والانتخابات، وسيلة البرجوازية الحاكمة لاختيار من سيُخضع الطبقة العاملة لسطوته لأربع أو خمس سنوات قادمة...وظلت "الثورات قاطرات تجر التاريخ"، تنهض على القطع والقطيعة مع الماضي، بما فيه من بنى تحتية وفوقية، فيما صيغ الحزب السياسي ظلت على جمودها "الستاليني" بوصفه "هيئة أركان الطبقة العاملة والحزب الحديدي"، من دون أن تنفتح على رياح التغيير العاصفة. 

في خطابها ومبناها التنظيمي، أخفقت أحزاب اليسار العربي، في استلهام قيم الديمقراطية وتداول السلطة، ويصعب القول أن مصفوفة حقوق الانسان قد تغلغلت في خطابها، سيما حين تصبح في السلطة أو تقترب منها، أو حين تهب رياح التغيير على أنظمة "حليفة" و"صديقة" مصنفة من جانب هذه القوى، بدول مناهضة للإمبريالية، أو بلغة أيامنا "دول مقاومة وممانعة"...هنا تسقط المصفوفة بمختلف مفرداتها، ويصبح النقد لممارسات هذه الأنظمة، أو قل، جرائمها، بمثابة اجتياز للخطوط الحمراء، يستحق من يقدم عليه، مختلف الاتهامات بالتفريط والخيانة والعمالة، وفي أحسن الأحوال: بالليبرالية وثوراتها الملونة المشبوهة. 

كان طبيعياً والحالة كهذه، أن تحل أحزب اليسار في ذيل قائمة الأحزاب الأكثر التزاماً بقواعد الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية، بل وأن تتفوق عليها بفوارق كبيرة، أحزاب الإسلام السياسي على تنوعاتها، فلولا "العناية الإلهية" لما حدث تجديد في هياكل الأحزاب اليسارية القيادة، وثمة أمناء عامون لهذه الأحزاب قضوا عقوداً في مواقعهم، تزيد عن نصف قرن في بعض الأحيان، وثمة إخفاق في اجتذاب الشباب إلى صفوف اليسار، بسبب قيود العضوية وصرامتها والهياكل المتكلسة للبنى الحزبية، وثمة آليات غير ديمقراطية، في تجديد القيادة واختيار مرشحي الحزب لتولي الشأن العام. 

لم يدخل "المجتمع المدني" في صميم البنية الفكرية لليسار العربي، الذي انقسم بدوره إلى مدارس ومذاهب في النظر لهذا اللاعب الجديد على مسرح السياسات العربية المحلية، منه من احتفظ بنظرة شك وريبة واتهام لهذا المجتمع، ومنهم من تعامل معه بزبائنية واضحة، وفريق ثالث، كان أكثر براغماتية: نلتقي مع من يلتقي معنا من مؤسساته، أو بمقدوره توفير خدمات مباشرة أو غير مباشرة لحزبنا أو فصيلنا. 

وساعدت مظاهر الفساد والفرقة واتباع أجندات المانحين وأولوياتهم، التي سادت في كثيرٍ من أوساط المجتمع المدني ومنظماته، على إبقاء فجوة الثقة بين اليسار وهذه المؤسسات، وعطلت فرص التحالف والتعاون في إطار وطني أكثر اتساعاً...هنا المسؤولية لا تقع على كاهل اليسار وحده، مؤسسات المجتمع ومنظماته غير الحكومية، تتحمل بدورها قسطاً وافراً من المسؤولية، ولذلك بحث آخر، لا متسع له الآن. 

   والملاحظ أن الأحزاب اليسارية التي لا تلتزم اليوم "بالمسطرة الماركسية اللينية" بحرفيتها، فعلت ذلك تحت ضغط "الحياة اليومية"، ومن دون تأصيل أو تعميق من طبيعة فكرية ونظرية، تضمن تجذير مواقفها وممارساتها المستجدة، لذلك نراها تتذبذب وفقاً لتغيرات الحال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهي حين تفترق في اطروحاتها عمّا هو قائم ومعمول به في بقايا دول المعسكر الاشتراكي في آسيا وأمريكا اللاتينية، فإنها غالباً، ما تضرب صفحاً عن أخطاء وخطايا حكومات تلك البلدان، ولا تسعى أبداً لمناقشة تجربتها. 

قاد هذا الجمود إلى رسم مآلات صعبة لتيارات اليسار العربي خلال العقود الثلاثة الفائتة...فمنها من رأى في "الإسلام السياسي" الصاعد، حليفاً يمكن توليه زمام القيادة وراياتها، سيما تلك التيارات "المقاومة" منها، مستفيداً من حالة الافتراق بين القوى الإسلامية والغرب عموماً بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي...ومنها من صدمه صعود الإسلام السياسي المتزامن مع غياب الظهير و"الصديق الصدوق" في موسكو، فآثر تحت شعارات محاربة التخلف والتطرف والرجعية، الانضواء تحت رايات "الدولة العميقة"، وأحسب أن تياراً ثالثاً حافظ على "يساريته" وحاول صبغها بألوان ديمقراطية وليبرالية، أو بصبغة ديمقراطية اجتماعية...فيما أغلق تيار رابع الأبواب والنوافذ على نفسه، وظل على اطروحات الستينات والسبعينات من القرن الفائت، كأن خبر سقوط الشيوعية، لم يصل إلى مسامعه إلى يومنا الحاضر. 

ولقد رأينا قادة يساريين كبار، يعرضون خدماتها "المُقدّرة"، وخبراتهم المتوارثة عن سنين طوال في العمل السياسي والفكري، لكلا القطبين المتحكمين بمسار الصراعات السياسية والاجتماعية، أو يتوزعون خلف زعماء الحرب وأمراء الطوائف والأقوام في بلدانهم، وانزوى آخرون على هوامش الخرائط السياسية والحزبية في مجتمعاتهم. 

لقد ضعف اليسار كثيراً، ولم يعد لاعباً رئيساً في معظم، إن لم نقل جميع دولنا ومجتمعاتنا...وفي استعراض أجري في مختتم العشرية الأولى من القرن العشرين لنتائج الانتخابات في العالم العربي، لم تحظ قوى اليسار العربي على أزيد من 4-8 بالمئة من أصوات الناخبين...وفي مختتم العشرية الثانية، عشرية الربيع العربي، سجل اليسار مزيداً من التراجع، وباتت أحزابه تسمى أحزاب "الكسور العشرية"، مع أن الفرصة كانت متاحة أمامه – موضوعياً على الأقل – لإعادة ترميم صورته ودوره وحضوره. 

هل ثمة حاجة موضوعية لليسار؟ 

سؤال يتردد دائماً في سياق البحث عن "قطب ثالث"، ولم يعد نابعاً كما من قبل، من الحاجة لمُخلّص للطبقة العاملة من عذاباتها، أو لانبهار بأنماط الإنتاج الاشتراكية والشيوعية، أو من منطلق "النوستالجيا" لزمن قديم غابر...وفي ظني أن ثمة حاجة موضوعية ليسار عربي جديد، ينكب على بلورة "قطب ثالث" بات وجوده شرطاً ضرورياً لتفكيك عقد الاستعصاء الديمقراطي في العالم العربي...يسار يتخفف من القيد الإيديولوجي الثقيل لـ "تعاليم" ماركس وإنجلز، وبالأخص لينين، متحرر من "الدوغمائية العقائدية"، شديد القناعة بالديمقراطية وحقوق الانسان، مؤمن بالمواطنة العابر للمكونات والطبقات، مؤمن بالدولة ومؤسساتها وسيادة القانون، لا مستعجلاً لإنهاء وظيفة الدولة التاريخية على طريق اضمحلالها...يسار مشبّع بقيم العدالة الاجتماعية، وحساس للتداعيات الاجتماعية لأي مسار اقتصادي إصلاحي، بالذات إن كان  بقيادة المدارس الأكثر توحشاً من الليبرالية المعاصرة...يسار منفتح على الأشكال المرنة من التنظيم، ومندمج بالحراكات الشعبية والشبابية، بدل التعالي عليها...يسار يعرف كيف يبني تحالفاته، بعيداً عن "الطهرانية الثورية"، التي تُخفي وراءها أعمق النزعات الأنانية، يسار يعيد تجديد قواعده النقابية والعمالية والشبابية والطلابية والنسائية بعيداً عن نزعات الاستئثار والهيمنة...يسار يشق طريقه باستقلالية بين قطبي الاستعصاء الديمقراطي: الدولة العميقة والإسلام السياسي...يسار ديمقراطي – اجتماعي في جوهره، يتطلع بوعي وبصيرة، لمؤشرات التنمية والسعادة والسلم الاجتماعي في الدول الرأسمالية، التي أفلتت من براثن الليبرالية المتوحشة ونظريات السوق المتفلتة، و"إجماع واشنطن" و"إجماع واشنطن بلس"...يسار يقطع مع حنين زائف لدولة القطاع العام الريعية – الرعوية، ويسعى جاهداً في المقابل، لخلق منظومات وشبكات أمان اجتماعية وصحية وتعليمية...يسار يشجع القطاع الخاص على الإنتاج والابتكار وتوفير فرص العمل، من دون أن يطلق له العنان في الجشع والاستئثار والاحتكار، ويستخدم برشد، أدوات الدولة المالية والضريبية لإعادة توزيع الدخل والثروة بعدالة بين المواطنين. 

يسار غير مصاب بمتلازمة "المعايير المزدوجة" في النظر لقضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، أياً كانت الحجة أو الذريعة، فمن لا يمتلك حريته في مقاومة الظلم الداخلي والخارجي، لا يمكن له أن ينتصر في معركة الحرية والتحرر، وشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، الذي يناظره هذه الأيام شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة"، أبقانا بلا معركة ولا مقاومة في نهاية المطاف...يسار لا يترك راية "التحرر الوطني"، لقوى الإسلام السياسي، إذ من المؤسف أن تنتهي قضية تصفية الاستعمار ومقاومة الاحتلال ومحاربة العنصرية، إلى أيادي قوى لم تكن يوماً مبادرة لرفع هذه الرايات، وأن يتخلى اليسار عن ريادته التاريخية على هذه المضامير. 

الطريق لاسترجاع دور اليسار واستنهاضه، ما زالت طويلة وشاقة، تماماً مثلما هي الطريق لبلورة "قطب ثالث" في دولنا ومجتمعاتنا العربية، وإلى أن يحدث ذلك، فإن من المرجح أن يتفاقم "الاستعصاء الديمقراطي" في بلداننا، وأن تتناسل حروب الإلغاء والإقصاء، وأن تواجه شعوبنا دورات متكررة من التقدم والتراجع على طريق استرداد حريتها وتحررها. 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.