جرافة تزيل بعض أنقاض انفجار المرفأ
جرافة تزيل بعض أنقاض انفجار المرفأ

مشهد سوريالي غير مسبوق في أي دولة في العالم، حتى الأكثر إجراماً وإسفافاً. أهالي ضحايا أكبر تفجير غير نووي على وجه الكرة، تواجههم قوى أمنية بهراوات غليظة أمام منزل وزير الداخلية، الذي تراجع عن رفع الحصانة عن وكيل الجمهورية ومنفذ مهامها الشائكة، اللواء عباس ابراهيم، للمثول أمام القضاء. فممِّ يخاف المستدعى  إذا كان بريئاً؟ ولماذا تُصرف مئات آلاف الدولارات لمنصات دعائية كما لسلع استهلاكية على غرار نيدو أو مجوهرات زغيب؟؟ 

قَبِل الوزير فهمي برفع الحصانة ثم تراجع. فمن أجبره على التراجع؟ وكيف سيكون المسؤول مسؤولاً إذا وُضع فوق القانون؟ من سيحاسبه على أخطائه الممكنة؟ 

لا يطالب أهالي الضحايا بأكثر من تحقيق قضائي جدي مع المسؤولين لتأخذ العدالة مجرها. فيماطلون برفع الحصانات، في وقت تتناقل فيه وسائط الاعلام فيديو يعترف فيه النائب غازي زعيتر، المطلوب للتحقيق: ان الجميع يعلم، هو ومن كان قبله ومن جاء بعده جميعهم يعلمون، دخلت الباخرة في شهر 11. مستنتجاً :" ليس الموضوع موضوع بتعرف او ما بتعرف".  

طبعاً ليس "أخذ العلم" هو الموضوع في بلد محتل، فالسلطة في مكان آخر. هنا يصح تعليق أحدهم:" انتم لستم عملاء فقط، انتم أعداء الوطن".  

سلطة مجرمة، بدل أن تعتذر من اللبنانيين وتكرم الضحايا وتقيم لهم نصباً وتعالج المتضررين وتعوضهم؛ تواجه الأهل وتخنقهم، بقنابل الغاز المسيل للدموع والعنف. 

عندما تقف بين الأهالي تغمرك مشاعر تعجز عن تسميتها او حصرها وتعجز عن حبس دموعك، فتضغط على صدرك وحنجرتك كي لا تنفجر. تتمعن في صور شابات وشبان كقلب النهار. يشدك شعر غايا الذي يحضن وجهها كتاج، كانت احتفلت بعيدها ال 28 قبل الانفجار بأسبوعين. ويعتصر قلبك على جسيكا بيزجيان ابنة 22 ربيعاً وأصغر ممرضة قتلت منذ الحرب العالمية الثانية. روان ذات العشرين ربيعاً، الموديل الفاتنة، التي أرادت زيادة دخلها فعملت في مقهى في جوار المرفأ. ومحمد دمج المهندس الشاب العاطل عن العمل، كلفته الـ 800 ألف ليرة شهرياً حياته. يا للرخص.  

وغيرهم 211 ضحية، عدى الجرحى. لكل منهم حكاية لحياته التي انتزعت منه. تكاد السلطة تؤنب الضحايا لتواجدهم في جوار المرفأ لحظة الجريمة.  

يقف محمد دقدوقي صامتاً متكئاً على عصاه. فقد ساقه وعينه وتعطلت ذراعه ويده اليمنى بكاملها ولا تزل تحتاج الى علاج. يشير الى ساقه المبتورة التي استبدلتها ساقاً صناعية تحتاج الآن الى تغيير سيليكون. يجب ان يدفع 150 دولاراً (فريش). يسأل من أين ؟  

الشابان محمد دقدوقي وإبراهيم الزين يعملان في شركة BCTC، المسؤولة عن تفريغ البضائع في البور والمهددة بالتوقف لعدم قدرتها على تحصيل أموالها من المصرف المركزي لشراء قطع غيار. تكفلت هذه الشركة بعلاجهما، وليس الدولة. ابراهيم اصيب في جميع انحاء جسمه وتعطلت ذراعه بكاملها ولا يزال يحتاج العلاج الفيزيائي. قذفه الانفجار من العنبر رقم 12 الى العنبر رقم 15 ونجا بسبب اطفاء ماء البحر للحريق. عولج هذان الشابان على نفقة الضمان الاجتماعي، وكان عليهما دفع حصتهما من العلاج، فتكفلت الشركة بذلك!! 

إن ما يحصل مع أهالي ضحايا انفجار المرفأ ومع الجرحى والمصابين الذين لا يزالون يعانون حتى الآن أمر لا يصدقه عقل. لم تتكفل الدولة لا بتعويض ولا علاج ولا متابعة. وتستكمل إجرامها الآن بمواجهة من يطالب بالتحقيق ورفع الحصانات. 

 حولوا الحصانة إلى جريمة اضافية في سجلهم الحافل.  

وقفت ندى عواد خالة جو بو صعب المتطوع في الدفاع المدني ورالف ملاحي شهيد فوج إطفاء بيروت، تعبر بلسان الأهالي الغاضبين ولسان كل لبناني شريف عن استمرار تحركهم:" كل يوم هيك، لاحقين ولادكم ونسوانكم وولاد ولادكم.." من رئيس البلاد إلى زعيم حزب الله لرئيس البرلمان "لكل واحد بدون استثناء؛ مش اذا هو له يد، كمان اذا بيعرف بالموضوع وكان ساكت، بدك تنطال وآخرها نحنا ناطرين القاضي بيطار شو بدو يعمل. بس برجع بوعدكم انا وعد شرف آخر شي بسلاحنا نازلين ما عنا شي نخسره ولادنا ما في حدا منهم هون مصرياتنا سرقتوهم وبلدنا دمرتوا وصرنا تحت الاحتلال الايراني. مش خسرانين شي بسلاحنا نازلين ليكم..". 

إن ما يجب التأكيد عليه هنا، أن تفجير مرفأ العاصمة بيروت الذي هدم أكثر من ثلثها، وما نتج عنه من قتلى وجرحى ومشردين، ليس قضية أو شأناً خاصاً يتعلق بالمصابين والمتضررين فقط. القضية ليست قضية الأهالي وحدهم. انها قضية لبنان ككل، وقضية كل مواطن\ة وكل ثائر\ة. انها قضية مصير الوطن والمواطنين.  

في العام 2004 راجعت كتاب الياباني نوتوهارا "العرب بعيون يابانية" الذي تحول الى ايقونة. اكثر ما هزّني استغرابه لعدم اكتراث الناس الذين يفقدون الشعور بالمسؤولية تجاه السجناء السياسيين، الافراد الشجعان الذين ضحوا من اجل الشعب. ويتصرفون  مع قضية السجين السياسي على انها قضية فردية، على أسرة السجين وحدها ان تواجه اعباءها. وهذا اخطر مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية. فلقد زار خمس مرات تدمر (سوريا) دون ان يعرف ان فيها سجنا مشهورا. وكان لا يزال في العام 2003 تاريخ صدور كتابه لا يعرف موقع هذا السجن بسبب الخوف الذي يحيط به. فعند السؤال عن أي سجن، يخاف الشخص ويهرب. كأن الامر يتعلق بسؤال عن ممنوع او محرم. الخوف يمنع المواطن العادي من كشف حقائق حياته الملموسة. وهكذا تضيع الحقيقة وتذهب الى المقابر مع اصحابها. وتصل سوريا الى ما وصلت اليه. 

لذا قضية أهالي ضحايا المرفأ ليست قضية خاصة بهم. كما أن كل من اغتيل، لمحاولته أن يكشف ملابسات إدخال مواد القتل، كمنير عساف والعقيد ابو رجيلي وجو بجاني ولقمان سليم، هو قضيتنا الشخصية. أيضاً سجناء الرأي والناشطين والصحافيين وغيرهم ممن تضيق السلطة بكلمات الحق التي ينطقون بها، جميعهم قضيتنا. 

إن من واجب الثوار الذين لا يزالون يتحركون على الارض ومن واجب كل لبناني سبق له وشارك بثورة 17 اكتوبر وكل لبناني متضرر من الوضع الذي نحن فيه، ان يشارك في دعم أهالي الضحايا، كل يوم وكل ساعة كي يرفعوا الحصانات ويأخذ التحقيق مجراه وكي نطالب بأقصى حماية للقاضي بيطار وبتوسيع التحقيق بإشراف دولي في حال ظلت عرقلة عمله او التأثير عليه مستمرة. 

الوصول الى الحقيقة في انفجار المرفأ هو المدخل لاستعادة سيادة لبنان وحريته. لاستعادة دولته من الاحتلال الذي وفّر على العدو حاجته لتدمير لبنان. فوكلاء الاحتلال أقسى وأشرس وأحقد من العدو بتدميرنا وإذلالنا وافقارنا وتهجيرنا وسرقة أموالنا. 

وبعد كل ذلك يتحفنا دولة رئيس الحكومة بتعزية الكاظمي بعد حريق مستشفى الحسين، مازحاً لا شك:" نضع إمكاناتنا بتصرفكم في اي مساعدة...!!!   

ويرسل قوى الأمن كي تقف بوجه الأهالي بدل ان تقف بوجه التهريب على الحدود. 

وها قد بدأت الفوضى المعممة بعد اعتذار الحريري. فلجهنم رئيس الجمهورية طبقات إضافية على ما يبدو. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.