التيار الصدري الآن في مرحلة اختبار حقيقي أمام جمهوره بصورة خاصة وكلّ من يبحث عن أفق لحل أزمة النظام السياسي في العراق بصورة عامة
التيار الصدري الآن في مرحلة اختبار حقيقي أمام جمهوره بصورة خاصة وكلّ من يبحث عن أفق لحل أزمة النظام السياسي في العراق بصورة عامة

لطالما كان التيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر أحد أهم الظواهر السياسية التي تكشفت في العراق بعد إسقاط النظام في 2003، وكان ولا يزال يُعبّر عن ملامح لتناقضات العمل السياسي في العراق.

فهو تيار سياسي يستمدّ رمزيته من عنوان ديني، ولا ينطبق عليه وصف الحزب السياسي، ولكنّه مشارك بقوّة في العمل السياسي وفاعل ومؤثر في تطورات الأحداث السياسية، ويقدّم نفسه كمعارض لمنظومة الحكم، وهو من أهم أقطاب المنظومة السياسية التي تحسم الجدل بشأن تشكيل الحكومات.

ويتفرّد التيار الصدري بخاصية قد تختلف عن نماذج الإسلام السياسي الفاعلة والمؤثّرة في المنطقة التي تكون غالباً فاعلة اجتماعياً لكنّها غير مؤثّرة في القرار السياسي، فهو تيّار جماهيري ذو امتداد أفقي في مجتمع المناطق الشيعية، وفي الوقت ذاته يتغلغل عمودياً في جميع مؤسسات الدولة.

ولذلك يسعى دائماً للبقاء ضمن دائرتَي السلطة والنفوذ الاجتماعي، ولا يريد أن يضحي بإحداهما؛ وقد تكون هذه أهم النقاط التي حافظت على بقائه قوياً في الوسط الاجتماعي والسياسي وفي بلد تحكمه المعادلة القائلة: النفوذ الاجتماعي لا يتم إلا من خلال بوابة النفوذ والقوة في السياسة.

ولذلك لم يكن خطاب زعيم التيار الصدري الأخير الذي أعلن فيه الانسحاب من المشاركة في الانتخابات المقرر أجراؤها في أكتوبر القادم، موقفاً جديداً في مواقف هذا التيّار التي غالباً ما كانت للإعلان عن الانسحاب من الحكومات أو مقاطعة جلسات مجلس النواب أو إعلان السيّد مقتدى الصدر اعتزال العمل السياسي.

ولكنَّ الموقف هذه المرّة هو الانسحاب من انتخابات مبكرة كان السيد مقتدى أول من طالَب بها، وكان يستعد لها ويلوّح بحصوله على رئاسة الوزراء في دورتها القادمة، لذلك يعد موقفاً بحاجة إلى التمعن فيه على مستوى التوقيت ومبادرة يجب قراءة دوافعها ونتائجها وآثارها المستقبلية. 

السؤال الأهم: هل يعد انسحاب التيار الصدري من الانتخابات مشكلة أم حلا لمأزق النظام السياسي؟ ولا يمكن التكهن بالخطوات العمليّة التي يمكن أن تترتب على انسحاب التيار الصدري، إلا بعد حسم قضيتَين أساسيتَين، الأولى أن يكون هذا القرار حاسماً وقطعياً لا رجعة عنه. والثانية أن لا يكون قرار الانسحاب مقتصراً على سحب دعم السيد مقتدى الصدر من القيادات والشخصيات التي تنتمي للتيار في حال بقاء مشاركتهم بالانتخابات. 

على مستوى العملية الانتخابية، في حال استمرار مقاطعة الصدريين، ستكون شرعية الانتخابات في مأزق حقيقي. إذ ستكون نسبة المشاركة في أدنى مستوياتها. وعلى الرغم من عدم وجود نص قانوني يحدد نسبةَ مشاركةٍ يُستند إليها في اعتبار الانتخابات متّصفة بالمشروعية القانونية، إلا أنها من حيث الواقع السياسي سيكون من السهل الطعن بتمثيلها للمجتمع السياسي الذي بدأ يتذمّر من الانتخابات كونها لا تغيّر من واقع التوافقات والصفقات السياسية. 

أمّا من زاوية العملية السياسية، فإن الانسحاب يمكن أن يساهم في إعادة تحديد ملامح منظومة العمل السياسي. إذ كانت القوى السياسية طوال الفترة الماضية، ومن ضمنها التيار الصدري، تعمل بازدواجية المشاركة بالحكومة والادعاء بمعارضتها. أمّا عدم المشاركة بالانتخابات فإنه يعني حسم القرار مسبقاً بالذهاب نحو المعارضة فعليّاً، ومن ثمَّ سنكون أمام نوع جديد من المعارضة التي سيكون ميدانها الشارع بعد أن عجز البرلمان عن إنتاج معارضة حقيقة وفاعلة في الإطار المؤسساتي.

وأيضاً سيعود الصدريون إلى ميدان الاحتجاجات بعد تعارض الرؤى والمصالح في احتجاجات تشرين 2019. 

ومن جانب آخر، في الوقت الذي يكون عدم مشاركة الصدريين بالانتخابات موقفاً يخل بالإجماع السياسي الشيعي في المشاركة في السلطة، فإنه يساهم في إحراج الفرقاء السياسيين من القوى السياسية الشيعية، إذ سيكونون أمام تحدي الجمهور الذي يطالب الكثير من الاستحقاقات على المستوى الخدمي والاقتصادي، وأمام تحدي قوّة سياسية لديها جمهور واسع ومنظَّم وقادر على عودة الاعتبار إلى فاعلية الاحتجاجات في حال قرر النزول إلى الشارع في تظاهرات ترفع شعارات تتناغم مع مطالب الكثير من الطبقات الاجتماعية المحرومة والناقمة على تراكمات الفساد والفشل. 

ثبات السيد مقتدى الصدر وتياره على عدم المشاركة في الانتخابات سيقلب الموازين السياسية، إذ سنكون نحو توجّه جديد في العمل السياسي، يحرج خصوم ومنافسي التيار السياسيين، ويجعلهم مسؤولين عن الحكومة القادمة التي ستعمل في ظروف صعبة جداً، وسوف تعمل في ظروف سياسية معقّدة تخيّم عليها تراكمات الأخطاء وأجواء عدم الثقة بين الجمهور والحكومات. وقد يكون هذا الموقف هو بداية تصحيح مسارات العملية السياسية في المستقبل المنظور. 

وقد تكون المراهنة على تعديل المسار السياسي باستمرار قرار انسحاب التيار الصدري، رهاناً خاسراً بسبب الفوضى التي خلّفتها المنظومة السياسية والتي ثبتت أركان نظام تقاسم السلطة على أساس المغانم وتوزيع موارد الدولة بين الاقطاعيات السياسية التي تتشارك في إدارة النظام السياسي. لكنّها ربما تكون بادرة الأمل الأخيرة في الخلاص من الثنائيات المتعارضة التي تجمع بين المشاركة في الحكومة والحديث بمنطق المعارضة لها.

وربما يكون التيار الصدري هو القادر على إحداث الانقلاب على هذه المعادلة في حال الإصرار على عدم المشاركة في الانتخابات القادمة، لأنه يملك مقومات الفاعلية السياسية التي تستند إلى قوة جماهيرية يحسب لها الخصوم السياسيون حسابات تختلف عن الجماهير غير المنظمة.

وقد يكون هذا الموقف خسارة للمكاسب السياسية التي حصل عليها الصدريون على المدى القريب في ضوء توسّع نفوذهم وهيمنتهم على مؤسسات الدولة بعد انتخابات 2018، بيد أنّه سيحقق الكثير من المكاسب في المستقبل المنظور، لأنَّ الابتعاد عن منظومة التحاصص السلطوي يعيد ثقة المواطن بالصدريين بأنَّهم جديّون في تحقيق الإصلاح الذي يرفعونه شعاراً. 

وأخيراً، التيار الصدري الآن في مرحلة اختبار حقيقي أمام جمهوره بصورة خاصة، وكلّ من يبحث عن أفق لحل أزمة النظام السياسي في العراق بصورة عامة.

ففي حال الثبات على مقاطعة الانتخابات، سيكون مطالَباً بتحديد خطواته القادمة في العمل السياسي. وفي حال التراجع، تحت أي ذريعة كانت، سيفقد الكثير من مصداقيته في معارضة الفساد والفشل الذي تراكم بسبب الأخطاء السياسية التي كان التيار جزءاً من المنظومة التي أفرزتها.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.