U.S. President Joe Biden holds a bilateral meeting with German Chancellor Angela Merkel (not pictured) in the Oval Office at…
الرئيس بايدن يستقبل العاهل الأردني ورئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض

يستقبل الرئيس بايدن اليوم أول مسؤول عربي يزور واشنطن منذ وصوله إلى البيت الابيض: العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين، في مؤشر على عودة العافية لعلاقة قديمة بين البلدين، كانت قد دخلت في مرحلة فتور واضح خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب.

في الأسابيع الماضية قامت وزارة الدفاع الأميركية بنقل منظومات عسكرية دفاعية من بينها بطاريات صواريخ مضادة للصواريخ من طراز باتريوت وغيرها من السعودية والعراق ونقلت قسما هاما منها لتخزينه في الأردن، في مؤشر إضافي حول ثقة واشنطن باستقرار الأردن.  

ويواجه الأردن تحديات اقتصادية كبيرة، وشكاوى متفاقمة من سوء الإدارة الحكومية والفساد المستشري في الأجهزة الحكومية، لم تخفف من حدتها أزمة سياسية هزت العائلة الهاشمية، وإن تبين مختلف المؤشرات أن الأردن قد نجح  - على الأقل في المستقبل المنظور - في عبور أزمته السياسية الأخيرة دون أي اضطرابات سياسية واجتماعية في اعتراف ضمني من قبل مختلف القوى في المجتمع الأردني بضرورة صيانة استقرار البلاد والكلفة الضخمة لأي اضطرابات او انعدام يقين سياسي، كما هو الحال في العراق وسوريا ولبنان.  

التأييد السريع والعلني الذي عبّر عنه الرئيس بايدن وغيره من المسؤولين البارزين للعاهل الأردني الملك عبدالله في أعقاب الخلاف بينه وأخاه غير الشقيق الأمير حمزة، كان إعلان ثقة واضح بصلابة الدعم الأميركي للأردن وللوضع السياسي القائم فيه.   

وبعد أسبوع واحد، سوف يستقبل الرئيس بايدن زائره العربي الثاني، رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي، على خلفية ازدياد الهجمات الصاروخية وعبر المسيرات التي تشنها ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران ضد مواقع القوات الأميركية في العراق. الحكومة العراقية التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية تهدد استقرار البلاد، تجد نفسها أيضا محاصرة بين الولايات المتحدة وإيران الدولتين المتنازعتين فوق أراضيها والأكثر تأثيرا عليها.  

التحدي الذي يواجهه يوميا المواطن العراقي، وكذلك الأردني هو التحدي المعيشي: الوظائف، معدلات البطالة العالية، التضخم، الخدمات الأساسية، العناية الصحية وتحديدا الوقاية من جائحة كورونا. اقتصاد الأردن، لا بل استقراره السياسي يتوقف إلى حد كبير على استمرار الدعم الأميركي الاقتصادي والعسكري والذي يصل إلى  1.275 مليار دولار في السنة، ما يجعل الولايات المتحدة أهم مصدر مساعدات خارجية للأردن، بعد الانحسار الملحوظ في قيمة المساعدات من دول الخليج العربية خلال العقد الماضي.

وكانت علاقات الأردن بالسعودية بعد استلام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للإدارة اليومية لشؤون السعودية، قد توترت لان العاهل الأردني رفض دعم الحصار الذي فرضته السعودية وحلفائها العرب ضد قطر. انهيار الحصار، وعودة الاتصالات بين السعودية وقطر، أكدت التقويم الأولي للعاهل الاردني، بأن الخلافات الخليجية-الخليجية هي إلى حد كبير تراكمات شخصية وعائلية وقبلية ولا مكان فيها لغير خليجي، يعقبها في معظم الحالات "صلح" مفاجئ يكون في معظم الحالات أيضا مؤقتا.

العلاقات الأردنية-السعودية انتقلت مؤخرا من مرحلة الفتور إلى مرحلة التوتر المكبوت، في أعقاب التحقيق الدقيق والمتميز للمعلق المخضرم دافيد اغناتيوس في صحيفة واشنطن بوست والذي كشف عن تعاون سري بين الأمير السعودي محمد بن سلمان، ورئيس وزراء اسرائيل السابق بنيامين نتانياهو ومسؤولين في إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب في السنوات الماضية للضغط على العاهل الأردني وإضعاف سلطته ودوره في حماية المقدسات الإسلامية في القدس، والتي ساهمت في خلق الشرخ الهاشمي الأخير.  

الدعم السياسي والعسكري الأميركي للحكومة العراقية أساسي لاستمرارها واستقرارها النسبي، خاصة وأنها تعبر في حقل ألغام سياسية بعد أن تحولت ميليشيات الحشد الشعبي في السنوات الأخيرة إلى القوة الأساسية في العراق. وتبين مختلف المؤشرات أن الدولة العراقية بمؤسساتها الضعيفة وفي غياب وحدة وطنية وارادة سياسية مركزية غير قادرة على مواجهة هذه الميليشيات المسلحة أو حتى استيعابها بعض الشي في أي وقت قريب.  

قوات الحشد الشعبي لها راعية مجاورة اسمها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قادرة ومستعدة لاستخدام مختلف الوسائل المتاحة لها لحماية مصالحها ومصالح عملائها داخل العراق، بينما الدولة العراقية لديها أصدقاء في العالم مثل الولايات المتحدة، ولكن الولايات المتحدة، على الرغم من الاتفاقات السياسية  و"الاستراتيجية" الثنائية، لم تعد شريكا استراتيجيا حقيقيا للعراق منذ انسحاب القوات الأميركية من العراق في 2011. عودة القوات الأميركية إلى العراق لمكافحة خطر وطغيان واحتلالات ما سمي "بالدولة الإسلامية" (داعش) كانت ولا تزال عودة مؤقتة لحماية مصالح الولايات المتحدة وحلفائها بقدر ما كانت لحماية المستقبل الهش لجمهورية العراق. زيارة الكاظمي لواشنطن، تأتي على خلفية استمرار الولايات المتحدة في تقليص وجودها العسكري في جنوب آسيا (الانسحاب من أفغانستان) ومن دول الخليج العربية.  

لزيارتي العاهل الأردني ورئيس الوزراء العراقي لواشنطن، بعد آخر لا علاقة له بالدولتين، بل بعلاقة واشنطن بدولتين عربيتين أخريين: السعودية ومصر كانت لهما تاريخيا علاقات متشعبة سياسية واستراتيجية واقتصادية بواشنطن تفوق بأهميتها علاقات عمّان وبغداد بواشنطن.  

يستطيع المراقب السياسي أن يتوقع أو يتخيل زيارة الملك عبدالله ورئيس الوزراء الكاظمي إلى واشنطن، ولكنه لا يستطيع أن يتخيل زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى واشنطن طالما بقي جوزف بايدن في البيت الأبيض، كما من الصعب  - وإن لم يكن من المستحيل – توقع زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أي وقت قريب إلى البيت الأبيض. 

خلال حملته الانتخابية وجه بايدن انتقادات قاسية إلى قادة السعودية ومصر. بايدن تعهد بإرغام السعودية "على دفع ثمن" انتهاكاتها لحقوق الإنسان، كما تعهد بمعاملة السعودية "بمثابة الدولة المنبوذة". بايدن لم يجد أي "قيمة هامة في الحكومة السعودية الحالية". 

موقف بايدن من الرئيس المصري السيسي، كان مماثلا في قسوته، حين تعهد بعدم كتابة "الشيكات الفارغة للدكتاتور المفضل لترامب". استياء بايدن من الحكومتين السعودية والمصرية يعكس الموقف السلبي العام تجاه الرياض والقاهرة الموجود في الأوساط السياسية في واشنطن، وخاصة في الكونغرس. وليس من المبالغة القول إنه لم يعد هناك أصدقاء كثر أو حقيقيين لمصر والسعودية في واشنطن. الحرب المدمرة التي شنتها السعودية وحلفائها ضد اليمن خلقت أسوأ ازمة إنسانية في القرن الحادي والعشرين وأدت إلى بروز ائتلاف ديمقراطي-جمهوري في الكونغرس يدعو لمعاقبة السعودية وتجميد صفقات الأسلحة إليها، وهذا ما فعلته في البداية إدارة بايدن. وهناك غضب واسع في أوساط منظمات حقوق الإنسان وفي أوساط الإعلاميين ضد الانتهاكات السعودية الشنيعة لحقوق الإنسان مثل اعتقال الناشطات السعوديات وتعذيبهن في السجون، وكما يتبين من جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي المروعة في إسطنبول على يد فريق اغتيال سعودي قالت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إنه قام بقتل وتقطيع جثمان خاشقجي بأوامر صادرة عن مكتب ولي العهد محمد بن سلمان. فريق الاغتيال توقف في القاهرة للحصول على المخدرات التي استخدمت للسيطرة على خاشقجي. 

قبل أسابيع أوفد الأمير محمد شقيقه الأصغر الأمير خالد، بصفته نائبا لوزير الدفاع إلى واشنطن في محاولة لاحتواء الضرر الكبير الذي لحق بالعلاقات الثنائية، ولمحاولة تلميع صورة شقيقه وبحث احتمال او إمكانية زيارته لواشنطن. الأمير خالد التقى بعدد كبير من المسؤولين البارزين وناقش معهم مجموعة من القضايا الاقتصادية والسياسية التي لا تستطيع واشنطن تجاهلها، ولكنه وجد أن الباب لا يزال مغلقا بوجه ولي العهد.  

وفي السنوات الماضية برزت أصوات سياسية وأكاديمية تدعو إلى "تطبيع" العلاقات بين واشنطن وكل من الرياض والقاهرة، بمعنى نزع صفة الخصوصية عن هذه العلاقات، بعد أن تحولت الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط في العالم (91 مليون برميل في اليوم) وفي غياب أي طرف خارجي يهدد تدفق النفط عبر مضيق هرمز، كما كان الحال خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، والتي أدت إلى ما سمي آنذاك "مبدأ كارتر" نسبة الرئيس الأسبق جيمي كارتر والقائل بأن الولايات المتحدة تحتفظ بحق استخدام القوى ضد أي طرف خارجي يهدد نفط الخليج. وعلى الرغم من الخلافات بين الرؤساء باراك اوباما، ودونالد ترامب وجوزف بايدن، إلا أنهم يلتقون حول ضرورة تخفيض الوجود العسكري في منطقة الشرق الأوسط بما في ذلك دول الخليج العربية، و"التحول" باتجاه الشرق الأقصى، وتحديدا للتصدي للصين، الدولة الصاعدة هناك اقتصاديا واستراتيجيا. 

وهناك أصوات أكثر وأعلى تدعو إلى التخلص من "خصوصية" العلاقات مع مصر التي فقدت الكثير من نفوذها ومكانتها في العالمين العربي والأفريقي في السنوات الماضية. وهؤلاء يقولون إن الدعم العسكري والاقتصادي الأميركي لمصر، يساهم بشكل غير مباشر بإدامة انتهاكات حقوق الانسان، التي ازدادت قسوة وبطشا بعد انقلاب السيسي، الذي وصفته سارة لي ويتسون مديرة منظمة "الديمقراطية للعالم العربي الآن"، في مقال في مجلة فورين آفيرز  "بأن حكم السيسي، الذي هو ديكتاتورية عسكرية دون الاسم، هو الأكثر قمعا في تاريخ مصر الحديث". وتدعو ويتسون إلى قطع المساعدات العسكرية والاقتصادية عن مصر، والتي كانت تبرر في السابق بأنها ضرورية لاتفاقية السلام مع إسرائيل، ولكن هذه الاتفاقية قوية وضرورة للبلدين، حيث تقدم إسرائيل الدعم العسكري لمصر، بشكل غارات جوية، في حربها ضد الإسلاميين في سيناء. وترى ويتسون أن السيسي إذا اضطر للاختيار بين المساعدات العسكرية الأميركية وصيانة نظامه القمعي، فإنه سيختار التخلي عن المساعدات الأميركية. 

قرع الملك عبدالله، ورئيس الوزراء الكاظمي باب البيت الأبيض ففتح لهما. ولكن هذا الباب سوف يبقى مقفلا، ويجب أن يبقى مقفلا بوجه محمد بن سلمان وعبدالفتاح السيسي لأطول وقت ممكن.    

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.