كتلة سائرون التابعة للتيار الصدري فازت بالانتخابات البرلمانية عام 2018
كتلة سائرون التابعة للتيار الصدري فازت بالانتخابات البرلمانية عام 2018

بينما كان زعيم التيار الصدري العراقي السيد مُقتدى الصدر يُلقي خطابه الأخير، مُعلناً انسحابه مع تياره السياسي من الحكومة والانتخابات البرلمانية المُقبلة، كان الطيف الأوسع من المراقبين للشأن العراقية متأكدين من تراجعه عن قراره عما قريب، بالضبط كما فعل في مرات ومناسبات سياسية لا تُحصى، حتى أن سيرة السياسي للصدر وتياره تكاد أن تكون مُجرد حلقات مُتطابقة من ذلك: قرارات وتوجهات مُتخذة فجأة لأسباب شعبوية، يُصدرها رأس التيار الصدري، ما يلبث أن يتنازل عنها بأدوات مُغلّفة، وباستخدام خطابية وتبريرات أكثر شعبوية. 
 
المراقبون نفسهم، كانوا متأكدين أيضاً أن القاعدة الاجتماعية للتيار الصدري ستُطابق وتُعلن موائمتها لزعيمها في موقفه الجديد، وستعود لموافقته والسير خلفه فيما لو تراجع عنه في المستقبل المنظور، بالضبط كما تفعل منذ ثمانية عشر عاماً وحتى الآن، تسير بهناء وانسجامٍ خلف زعيمها السياسي، الذي لا تتوقف التواءاته. فالسؤال هنا لا يتعلق بالقرارات السائلة الدائمة التي يُصدرها الصدر بشكل دائم ويتراجع عنها، فهذا سلوك سياسي يتخذه الزعماء المحليون في النماذج السياسية التي تميل للمحاصصة السياسية، بل السؤال الأكثر أهمية يتعلق بالالتزام التام التي تُبدها الكُتلة الاجتماعية الصدرية تجاه زعيمها، طوال أطوارهم وتبدلاته المتتالية تلك. 
 
يشبه هذا الالتزام الصارم وتلك العلاقة التداخلية، بين القواعد الاجتماعية للتيار الصدري وزعيمهم، تلك الأنماط التي تُنتج في أوساط الأقليات الطائفية والقومية في البلدان القائمة على محاصصة سياسية قومية ودينية وطائفية، حينما تتحول الزعامات داخل تلك الجماعات إلى مُجرد بُنى صماء من البلوكات السياسية/الهوياتية/الزعاماتية الصلبة، التي تتحرك وكأنها كتلة بيولوجية واحدة منكمشة على نفسها، خاشية على نفسها دواماً من خطر الانحلال أو الهيمنة عليها من جماعات الأغلبية السكانية النظيرة و"الشريكة" في نفس البلد. 
 
لكن التيار الصدري هو تنظيم سياسي زعاماتي ضمن الطائفة والقومية التي تشكل أغلبية السكان في العراق، وفوق أغلبيتها فإنها الطائفة والقومية المتغلبة سياسياً ورمزياً وعسكرياً على باقي التكوينات. وإلى جانب ذلك، فإن التيار الصدري تشكيل سياسي عضوي في سُدة حُكم البلاد ومؤسساته وثرواته، يملك جيشاً خاصاً وسطوة مُهيمنة على الحياة العامة. لأجل ذلك، فأن غياب الشرط الأقلوي عن العلاقة التداخلية الصلبة بين الكتلة الجماهيرية والشعبية الصدرية وزعامة مُقتدى الصدر، أنما يدل على وجود صموغ أخرى بين الطرفين، أكثر حدة وجاذبية وفاعلية، تخلق هذه الوشائج الصلبة بين الطرفين. 
 
التيار الصدري أولاً، بزعامته وقواعده، هو أحد قطبي المزاحمة والصراع الداخلي التاريخي ضمن الطائفة الشيعية، بين كتلة المراجع والشخصيات الدينية الشيعية المنحدرة من إيران ومناطق آسيا العميقة، وبين نظرائهم المحليين/العرب، المتأتين من عائلات دينية سُلالية، تشكل المناطق المُحيطة بالمراقد المُقدسة وسط العراق أماكنهم التاريخية، وعائلة الصدر واحدة من أشهر تلك العائلات. 
 
بعد العام 2003 تكثفت تلك المماحكة، والتي افتتحها الصدر نفسه، بعد الجدل الذي أعقب اغتيال الشخصية الشيعية عبد المجيد الخوئي في اليوم الأول لتحرير/احتلال العراق، وما تلاه من مواجهات مع أتباع وأنصار المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، وطبعاً في المماحكات السياسية والمواجهات العسكرية بين الصدر وأنصاره والمؤسسات الشرعية والأمنية والتي أسستها وسيطرت عليها باقي التيارات الشيعية، بالذات حزبي الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، التابع لآل الحكيم. 

لذا، فإن القواعد الاجتماعية الشعبية الصدرية مُتخمة بشعور الأقلية القومية العربية المحلية ضمن طيف الجماعة الشيعية الكُبرى، بالذات اتجاه النُخب الدينية التي تعتبرها خارجية التكوين والولاء. الذين يعتبرونهم الصدريين أناس متأتين من خارج المركز المقدس، مكاناً وعرقاً وهوية، ومع ذلك يزاحمون أبناء التيار وزعماته في الحصول على سُدة السُلطات السياسية والرمزية والاقتصادية والدينية التي يمتلكها الشيعة، بالذات في الأماكن التاريخية المُقدسة. 
 
لأجل ذلك بالضبط، فإن التيار الصدري كان ملجئ طبيعياً لملايين البعثيين العراقيين الشيعة، الذين ما وجدوا شيئاً مثل التيار لأن يهرعوا إليه بعد العام 2003، لحماية أنفسهم من حملات الاجتثاث والمحق. بالذات في وقت كانت باقي التنظيمات السياسية الشيعية مٌغلقة تنظيمياً وذات تراتبيات مضبوطة، فإن التيار الصدري كان مُجرد شعار ولافتة عُليا، قابل وقادر على استيعاب الكتلة الضخمة من هؤلاء البعثيين الذين لم يبقَ لهم من أحد بعد سقوط حزبهم وقائدهم. وارتباط هؤلاء بالتيار الصدري هو نوع من الدفاع والحفاظ الدؤوب على الذات، من المحق الذي قد يلحقهم من التيارات الشيعي الأخرى، التي ما استنكفت عنهم إلا لأنهم محميون بالفضاء الصدري.  
 
هؤلاء البعثيون كانوا أداة التيار الصدري الأكثر حيوية في خلق الانضباط التنظيمي، فقد أسسوا المئات من المؤسسات والمراكز والجمعيات الحيوية والفعالة، الناشطة في مساندة الخلايا الاجتماعية الأصغر والأكثر هشاشة من موالي التيار. ونفس التكوين البعثي كان ذو دور فعال لتشكيل "الذراع العسكري" للتيار، الذي سُمي في المحصلة بـ"جيش المهدي"، والذي ما قبل التيار وزعيمه أن يتخلى عنه أبداً، بالرغم من انتقاداته الدائمة للميليشيات ودعواته لحلها. 
 
لكن التيار يتخذ من ذراعه العسكري أداة للحفاظ على نفسه، وأولاً الحفاظ على قواعده الاجتماعية، التي مثل غيرها من القواعد الاجتماعية العراقية، أنما تميل للانتماء إلى التشكيلات السياسية ذوات التنظيمات العسكرية، كي تستقوي بها في مواجهة غيرها من الطبقات السياسية ذات التنظيمات المسلحة، وتالياً تحمي مصالحها العمومية، بالذات في بلد شديد التركيب والعنف والاستقطاب مثل العراق. 
 
فوق الأمرين، فإن القواعد الاجتماعية الصدرية متكونة بالأساس من شعب من الفقراء والمهمشين، المتأتين من الطبقات الاجتماعية الأقل تعليماً وفاعلية ومساهمة في الإنتاج الاجتماعي والمادي، إلى جانب ضيق الهامش المديني في تكوينها وخياراتها الحياتية. هؤلاء الذين يكونون عادة بحاجة متدفقة إلى أبوة سياسية عُليا، يُفضل أن تكون ذات نزعة خطابية شعبوية، تملأ في ذواتهم ذلك الفراغ المتكون من أشكال الهامشية التي يحيونها.  
 
كانت العائلة الصدرية تقدم تلك الأبوة تقليدياً، خصوصاً والد مُقتدى الصدر، السيد محمد صادق الصدر، الذي كان من خلال وجوده الشعبي بين الأطياف المجتمعية الأكثر بساطة، يزرع تلك الروح بتبني مظلوميتهم التي كانت مضاعفة في زمن حُكم حزب البعث. وحيث أدى اغتياله المُريع على يد النظام السابق إلى تضخم المكانة المُقدسة التي له في ذواتهم. 
 
استمرت تلك الحاجة التي لدى قواعد التيار الصدري في المرحلة التي تلت العام 2003، وكانت الطبيعة الخطابية التي للسيد مُقتدى الصدر مُلاقاة سريعة لذلك، من حيث جمعه أثناء خطاباته للبساطة والمباشرة مع الشعبوية واللغة الجماهيرية، وطبعاً لقربه الوجداني من تلك القواعد التي تعتبره أباً أعلى، وحيث أن الأب العادي في مجتمعاتناً تقريباً يُستحال أن يُخطأ أو أن يُتخلى عنه، فكيف بالأب الأعلى!. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.