ماكرون زار لبنان مرتين وحصل على تعهدات بتشكيل الحكومة في 15 سبتمبر
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء تفقده لآثار الدمار التي خلفها انفجار بيروت

تسعة أشهر احتاجتها باريس لتقتنع بفشل مبادرة رئيسها، وبأننا لسنا في زمن المعجزات حتى تستطيع إحياء العظام وهي رميم، تسعة أشهر احتاجت باريس، أو إحتاج الإليزيه ليفهم أن إكرام الميت دفنه. وبأن انفجار المرفأ الذي حولنا إلى حطام، هدم أيضا ما تبقى من جدران البيوتات السياسية والحزبية اللبنانية، وأصبحت آيلة إلى السقوط بعدما رفع جزءا من الشعب عنها شرعيته، و بعد أن اقتنع بعض الخارج بضرورة سحب الغطاء عنها.

ليست باريس وحدها من أهدر وقت اللبنانيين، فقد ساهمت عواصم غربية بإضاعة وقت ثمين وهي منشغلة بسمعة أوروبا التي انكسرت مبادرتها على صخور المنظومة الحاكمة، وكذلك عواصم عربية ساهمت في تدوير الزوايا تحت ذريعة الاستقرار، لكن المشروع الفرنسي الذي احتشد الغرب خلفه وصل إلى نقطة النهاية، فالتأليف تبخر، أما الاستقرار فإنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، وإمكانية التفاهم على حكومة خارج المحاصصة غير ممكنة مع هذه الطبقة السياسية، فإن مجهولا بات معلوما يسمونه الفوضى يطرق أبواب الجميع.

يوم الخميس الفائت عثر رئيس الوزراء المكلف على ضالته، قدم اعتذاره ومضى، كانت كلمة واحدة تكفي ليقولها لترحل معه التسوية الرئاسية وتنتهي المساومة، اعتذاره فتح شهية نزيل بعبدا على الانتصارات، فجنرال الأعراس بعد تقاعده يحتاج إلى  وسام جديد ليعلقه على صدر عهده، ليؤكد لاتباعه أنه لم يزل قادرا على تحقيق الانتصارات، لكن نشوة الانتصار لم تعطل انشغالاته بمتابعة نشاطه الإنساني في أكاديميته للتلاقي والحوار التي ستدرس انجازاته. 

بين هذا وذاك، كان الحزب الحاكم الذي إمتهن صنع المعجزات عاجزا عن لملمة شظايا زواج فرضه بالإكراه بين قاصر وكهل، فقد بدت المنظومة الحاكمة في لحظة فك ارتباط داخلي وانقطاع خارجي، ترمي بثقله عليه، وحولته اي الحزب الحاكم إلى هرم مقلوب يقف على رأسه ويحمل أثقال القاعدة التي تصدعت وأصبح  زواياها وقطعها الثقيلة آيلة للسقوط عند أول  اهتزاز أو ضربة تتعرض لها إما من أهل ضحايا المرفأ أو من الشارع أو بفعل خارجي. 

من الواضح أن أركان السلطة غير مستعدين إلى التراجع خطوة إلى الوراء، وهم يتهيؤون لهجوم مضاد سيربط ما بين الاعتذار وضغوط خارجية استجاب لها الرئيس المكلف، ولن يترددوا بطرح أسماء تكلف تشكيل الحكومة مستنسخة من حكومة حسان دياب، لتكون ورقة جاهزة للمقايضة لحظة الانهيار الكامل، وإذا فشلت فإن  صاحب القرار سيرمي ورقته السحرية ويعلن استعداده قبول الاسم الذي يتواقف عليه الخارج لكن دون تغيير في المعادلة الداخلية. 

رغم الفاجعة والانهيار الكامل لقيمة العملة، والجوع الذي يهدد أغلب اللبنانيين إلا أن حسابات المنظومة لم تزل محصورة في إنقاذ نفسها واستعادة موقعها، حتى لو أضطر صاحب قرار الحرب والسلم إلى القيام بمغامرة حدوديه، تمنحه الفرصة لتحييد نفسه عن أزمات المنظومة، ويبرئ ساحته من ارتكاباتها، وهذا ما بدى في تصريح أحد أركانه الذي قال" لنا الفخر أن يقال عنا أننا عارضنا سياسة هؤلاء منذ أن بدأوا تلك السياسات، لأن هذه السياسات انتهت إلى انهيار الدولة الآن وهذا وسام يعلق على صدورنا إن كان هناك من يفهم وأن يعتبر".

يريد الحزب الحاكم أن يفهم اللبنانيين أنه ليس مسؤولا عن الانهيار، وبأنه عارض سياسة "هؤلا" ولكنه نسي أو تناسى أنه المسؤول المباشر عن بقائهم إلى الآن في مناصبهم، وهو نفسه يعترف لبعض من هؤلاء بفضلهم وبشراكتهم في مشروعه، وللبعض الآخر بالوفاء، ولكن على ما يبدو بعد شح انتصاراته في الآونة الأخيرة بات هو أيضا يبحث عن وسام جديد يعلقه على صدره.

ولكن ما لا تريد أن تعترف به هذه المنظومة مجتمعة أن من يستحق الوسام هم من خرجوا في 17 تشرين إلى الساحات وأطلقوا صافرة النهاية.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.