لقطة تظهر مصافحة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس التشاد  إدريس ديبي
لقطة تظهر مصافحة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس التشاد

قبل بضعة أسابيع، ثار جدل في أوساط المثقفين التشاديين من خريجي الجامعات العربية أو "العربفون" بحسب التسمية المتداولة والمشتقة من اللغة الفرنسية بين من يرون أن من حق "العربفون" أن يحظوا بنسبة محددة من التعيينات في المناصب العليا للدولة وبين من يرفضون معاملة العربفون كأقلية ويصرون على ضرورة احترام مؤهلاتهم التعليمية ومساواتهم بأقرانهم من الفرانكفون بحكم أن دستور البلاد يقر العربية لغة أساسية إلى جانب الفرنسية.

ومن خلال متابعتي لما دار من نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، يبدو لي أن الخلاف لا يتعدى كونه خلاف شكلي ظاهره المطالبة بحقوق العربفون في تشاد، ولكن في حقيقته هو اختلاف في المساعي والتصورات التي تهدف من أجل الترويج لتشاد كدولة عربية الهوية كما يتمنى الكثير من العربفون. 

ولأن الصراع بشأن هوية تشاد يدور فقط خلف الكواليس، يحاول فريق من العربفون استغلال مشكلة خريجي الجامعات العربية في الحصول على وظائف حكومية من أجل الترويج لتصورهم بشأن هوية البلاد. 

هناك من العربفون من يؤمنون بأن تشاد عربية الهوية، لكنهم يعارضون استغلال أزمة توظيف العربفون من أجل الترويج لذلك، كما أن هناك من لا يثقون بالناشطين البارزين في مجال المطالبة بتوظيف العربفون ويتهمونهم بالمتاجرة بالقضية من أجل تحقيق مكاسب شخصية.  

أنصار الهوية العربية لتشاد يرون أن اللغة العربية تجسد الهوية التشادية وأنها أكثر من مجرد وسيلة تواصل وينظرون إلى الفرانكفون كخونة و"أذناب" للمستعمر الفرنسي ويتعاملون بتعال وبعنصرية مع لغات القبائل المحلية ومع العاميّة التشادية أيضا التي تجمع مفرداتها بين العربية والفرنسية واللغات المتدوالة محليا.

في المقابل، هناك من يفضل خيار تمسك تشاد بالهوية الأفريقية ويرون في العامية التشادية عامل تميز ووسيلة التواصل المثالية بين أبناء الوطن بمختلف مستوياتهم التعليمية وخلفياتهم الثقافية والعرقية على امتداد تراب الوطن.

وينحاز أنصار هذا التوجه إلى اللسان الفرنسي، لأنه في اعتقادهم يقرب التشاديين من ينابيع العلم والحضارة الغربية ويعارضون محاولات ضم تشاد للمحور العروبي الذي يرونه بمثابة عائق للتقدم والانفتاح ويثقل كاهل تشاد بهموم الواقع العربي المعقد وقضاياه الشائكة.

وهناك فريق ثالث يؤيد "عروبة" تشاد من منطلقات إسلاموية، فتشاد بالنسبة لهم إسلامية المعتقد ويعتمد هؤلاء في تدعيم موقفهم على شعارات الإسلامويين الذين يؤمنون بقداسة اللغة العربية ويسوقون لها في أدبياتهم بأنها لغة القرآن ولغة أهل الجنة ويروجون في معرض معاداتهم للغة الفرنسية بأنها لغة الكفار.

كما تتجلى عبثية هذا النوع من الصراعات بشكل أوضح في أنها تحدث في بلد تتفشى فيه الأمية بشكل مريع حيث لا تتجاوز نسبة المتعلمين فيه الـ 22.3% بحسب مؤسسة تكنولوجيا البيانات الأميركية "knoema"، الأمر الذي يحتم علينا التساؤل عن دوافع حاملي لواء الدفاع عن اللغة العربية وأجندات المنظمات والجمعيات الناشطة في هذا المجال.

وكأن قضية توظيف الدارسين باللغة العربية أكثر أهمية من قضايا الأمية والفساد والفقر والتدهور المريع في كل المجالات ومن حقيقة فشل النظام الحاكم على مدى عقود في توفير أبسط مقومات الحياة للمواطن العادي البسيط الذي لا تعنيه صراعات العربفون والفرانكفون، أو العربفون فيما بينهم لا من بعيد أو من قريب بقدر ما يحرص على الحصول على قوت يومه وضمان مستقبل أفضل لأبنائه.

إن من المؤسف أن يتجاهل المثقفون العربفون معاناة المواطنين البسطاء وهمومهم اليومية ويركزون جهودهم في الخوض في صراعات جانبية وفي التزلف إلى السلطات من أجل تحقيق مكاسب شكلية وفي استجداء حصص من المناصب الحكومية التي طالما حرص النظام على استغلالها من أجل كسب الولاءات وشراء الذمم وتكريس بقائه في السلطة على حساب الوطن والمواطنين.  

وخلاصة القول، إن أزمة توظيف العربفون لم تكن لتحظى بهذا القدر من الجدل لو أن التشاديين متفقون بشأن هوية بلادهم فتعدد اللغات في البلد الواحد عامل إيجابي، وليس العكس، والشواهد على ذلك كثيرة في دول مثل كندا وبلجيكا وسويسرا والجارة الكاميرون. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.