قبل بضعة أسابيع، ثار جدل في أوساط المثقفين التشاديين من خريجي الجامعات العربية أو "العربفون" بحسب التسمية المتداولة والمشتقة من اللغة الفرنسية بين من يرون أن من حق "العربفون" أن يحظوا بنسبة محددة من التعيينات في المناصب العليا للدولة وبين من يرفضون معاملة العربفون كأقلية ويصرون على ضرورة احترام مؤهلاتهم التعليمية ومساواتهم بأقرانهم من الفرانكفون بحكم أن دستور البلاد يقر العربية لغة أساسية إلى جانب الفرنسية.
ومن خلال متابعتي لما دار من نقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، يبدو لي أن الخلاف لا يتعدى كونه خلاف شكلي ظاهره المطالبة بحقوق العربفون في تشاد، ولكن في حقيقته هو اختلاف في المساعي والتصورات التي تهدف من أجل الترويج لتشاد كدولة عربية الهوية كما يتمنى الكثير من العربفون.
ولأن الصراع بشأن هوية تشاد يدور فقط خلف الكواليس، يحاول فريق من العربفون استغلال مشكلة خريجي الجامعات العربية في الحصول على وظائف حكومية من أجل الترويج لتصورهم بشأن هوية البلاد.
هناك من العربفون من يؤمنون بأن تشاد عربية الهوية، لكنهم يعارضون استغلال أزمة توظيف العربفون من أجل الترويج لذلك، كما أن هناك من لا يثقون بالناشطين البارزين في مجال المطالبة بتوظيف العربفون ويتهمونهم بالمتاجرة بالقضية من أجل تحقيق مكاسب شخصية.
أنصار الهوية العربية لتشاد يرون أن اللغة العربية تجسد الهوية التشادية وأنها أكثر من مجرد وسيلة تواصل وينظرون إلى الفرانكفون كخونة و"أذناب" للمستعمر الفرنسي ويتعاملون بتعال وبعنصرية مع لغات القبائل المحلية ومع العاميّة التشادية أيضا التي تجمع مفرداتها بين العربية والفرنسية واللغات المتدوالة محليا.
في المقابل، هناك من يفضل خيار تمسك تشاد بالهوية الأفريقية ويرون في العامية التشادية عامل تميز ووسيلة التواصل المثالية بين أبناء الوطن بمختلف مستوياتهم التعليمية وخلفياتهم الثقافية والعرقية على امتداد تراب الوطن.
وينحاز أنصار هذا التوجه إلى اللسان الفرنسي، لأنه في اعتقادهم يقرب التشاديين من ينابيع العلم والحضارة الغربية ويعارضون محاولات ضم تشاد للمحور العروبي الذي يرونه بمثابة عائق للتقدم والانفتاح ويثقل كاهل تشاد بهموم الواقع العربي المعقد وقضاياه الشائكة.
وهناك فريق ثالث يؤيد "عروبة" تشاد من منطلقات إسلاموية، فتشاد بالنسبة لهم إسلامية المعتقد ويعتمد هؤلاء في تدعيم موقفهم على شعارات الإسلامويين الذين يؤمنون بقداسة اللغة العربية ويسوقون لها في أدبياتهم بأنها لغة القرآن ولغة أهل الجنة ويروجون في معرض معاداتهم للغة الفرنسية بأنها لغة الكفار.
كما تتجلى عبثية هذا النوع من الصراعات بشكل أوضح في أنها تحدث في بلد تتفشى فيه الأمية بشكل مريع حيث لا تتجاوز نسبة المتعلمين فيه الـ 22.3% بحسب مؤسسة تكنولوجيا البيانات الأميركية "knoema"، الأمر الذي يحتم علينا التساؤل عن دوافع حاملي لواء الدفاع عن اللغة العربية وأجندات المنظمات والجمعيات الناشطة في هذا المجال.
وكأن قضية توظيف الدارسين باللغة العربية أكثر أهمية من قضايا الأمية والفساد والفقر والتدهور المريع في كل المجالات ومن حقيقة فشل النظام الحاكم على مدى عقود في توفير أبسط مقومات الحياة للمواطن العادي البسيط الذي لا تعنيه صراعات العربفون والفرانكفون، أو العربفون فيما بينهم لا من بعيد أو من قريب بقدر ما يحرص على الحصول على قوت يومه وضمان مستقبل أفضل لأبنائه.
إن من المؤسف أن يتجاهل المثقفون العربفون معاناة المواطنين البسطاء وهمومهم اليومية ويركزون جهودهم في الخوض في صراعات جانبية وفي التزلف إلى السلطات من أجل تحقيق مكاسب شكلية وفي استجداء حصص من المناصب الحكومية التي طالما حرص النظام على استغلالها من أجل كسب الولاءات وشراء الذمم وتكريس بقائه في السلطة على حساب الوطن والمواطنين.
وخلاصة القول، إن أزمة توظيف العربفون لم تكن لتحظى بهذا القدر من الجدل لو أن التشاديين متفقون بشأن هوية بلادهم فتعدد اللغات في البلد الواحد عامل إيجابي، وليس العكس، والشواهد على ذلك كثيرة في دول مثل كندا وبلجيكا وسويسرا والجارة الكاميرون.

