سامانثا باور أحدث مسؤولة أميركية رفيعة تنضم إلى مفاوضات كوب 28
سامانثا باور أحدث مسؤولة أميركية رفيعة تنضم إلى مفاوضات كوب 28

تعد الولايات المتحدة أهم وأكبر سوق للكتب في العالم فهي الناشر والمستهلك الأكبر لها. لذا ليس من المستغرب أن يسارع المثقفون وخصوصا صناع القرار منهم لنشر كتبهم في هذه السوق المربحة. وتعد السير الذاتية تحديدا لأفراد النخبة من أكثر الكتب تداولا لدرجة انها أصبحت الطريقة المتوقعة لكسب المال بعد اعتزال المناصب الحكومية ذات الرواتب المتواضعة، فاحترام حقوق النشر يعني حفظ أرباح الكُتاب وقدرتهم على كسب رزقهم من الكتابة. وكذلك تتسابق دور النشر لتوقيع عقود مع الكتاب الذين تتوقع نجاحهم مما يخلق منافسة على المشاهير. فمثلا، حصل الرئيس السابق باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما على خمس وستين مليون دولار مقابل كتابهما (وسوف يتناول مقال مقبل مذكرات الرئيس أوباما). ولا يحصل كل الكتاب على هكذا ايرادات لكن مما لا شك فيه أن الكتاب الأكثر مبيعا يحصدون الملايين. يتناول هذا المقال أحد هذه الكتب وهو عبارة عن سيرة ذاتية لسامانثا بارو، سفيرة الولايات المتحدة للأمم المتحدة سابقا والتي تشغل حاليا منصب رئيسة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

تنحدر سامانثا باور من خط طويل من المهاجرين الذين قدموا لأميركا طمعا في حياة أفضل وصعدوا سلم النجاح حتى وصلوا للعمل في البيت الأبيض ليمثلوا الولايات المتحدة على المسارح الدولية. في الواقع، كما تذكر باور نفسها في كتابها الذي صدر مؤخرا "تعليم شخص يؤمن بالمثالية"، التعددية في المناصب الحكومية في الولايات المتحدة لا مثيل له في أي مكان آخر في العالم. ومن أبرز من شغل هذه المناصب على المستوى الوزاري هنري كسنجر مهاجر من ألمانيا ومادلين أولبريت المهاجرة من التشكوسلوفاكيا وكلاهما شغل منصب وزير الخارجية. أما على مستوى السفراء فلائحة المهاجرين تطول وتطول.

أما عن السفيرة باور، فقد هاجرت مع والدتها وأخيها من إيرلندا. وتذكر باور في مذكراتها أن والدتها أرادت أن تدرس الطب وعندما قدمت طلبا للمحكمة في إيرلاندا للقدوم للولايات المتحدة لممارسة الطب مع طفليها لم يستطع القاضي الذي أعطاها وصاية على أطفالها أن يفهم سبب رغبتها لتحقيق هذا المستوى العالي من النجاح العلمي. لم يخطر بذهن العائلة حينها أن بارو ستصبح الوجه الممثل للولايات المتحدة يوما ما. تكتب باور في مذكراتها أن رحلتها مع السياسة بدأت أثناء تواجدها على مقاعد الدراسة في جامعة هارفرد حيث طورت اهتمامها بالصراع البوسني ما ألهمها للسفر إلى منطقة النزاع كصحفية لتغطي الأحداث وتحفز الولايات المتحدة من خلال كتاباتها للتدخل لإنقاذ المدنيين. بالرغم من جهدها وجهود زملائها الحثيثة، جاء التدخل الأميركي متأخرا لكنه جاء على أي حال وكان له دور حاسم في إنهاء النزاع ووضع حد لجرائم الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش.

ولشدة اهتمام باور بالنزاع قررت أن تكتب كتابا عنه لتخبر العالم عن الإبادة الجماعية للمدنيين في البوسنة. حاز كتاب باور "المشكلة من جهنم: أميركا وعصر الإبادة الجماعية" على جائزة بولتزر وهي أسمى جائزة للكتابة يحصل عليها أي كاتب. هذا الكتاب كان أيضا سببا في التقائها بالرئيس أوباما حينما كان سيناتور في ولاية إيلينوي. توطدت علاقة باور بأوباما بعد أن قرأ كتابها فالتقيا لمناقشة الكتاب. مثالية كليهما أدت لتوطيد أواصر الصداقة بينهما. كانت باور أحد المؤمنين بأوباما في المراحل الأولى وشجعته على الترشيح لمنصب الرئيس، وكما يقولون، انتخابات أصبحت تاريخا. فقد فاز أوباما بولايتين وتم تعيين باور أولا في البيت الأبيض في مجلس الامن القومي وبعدها سفيرة للأمم المتحدة ممثلة للولايات الأميركية.

لكن، يُؤخذ على باور أنها تصرفت كالشخصيات التي كانت قد انتقدتها في كتابها عن الإبادة الجماعية لعدم تدخلهم لإنقاذ حياة المدنيين أثناء حروب الربيع العربي. فعندما قام الرئيس السوري بالهجوم على المدنيين بالغازات السامة مسببا موت المئات من المدنيين ومنهم الأطفال، كانت باور، ومن سخرية القدر، من أهم المسؤولين في الإدارة الأميركية على المسرح الدولي. تكتب باور في كتابها أنها أدركت، كما أدرك العالم، أنه في أي نظام ديموقراطي، لا يملك أي شخص قوة كاملة كما هي الحال في الأنظمة الدكتاتورية. فالمسؤولية والسلطة في الأنظمة الديموقراطية موزعة بين السلطات المختلفة ومنها السلطة التمثيلية المعوزة لأعضاء الكونغرس الذين كان معظمهم حينها من الجمهوريين المعارضين لأوباما ومشاريعه.

لكن رغم ذلك تحدثت باور بإسهاب عن اللاجئين السوريين وساهمت في حماية حقوقهم. يشعر القارئ بتعاطفها مع المدنيين وتأثير أحداث مقتل الطفل إيلان الكردي (مثلا) عليها كونها أما لطفلين. وتظهر واضحة رغبتها بتحريك السياسة الخارجية لعمل شيء ما ولو الترحيب بعدد أكبر من المهاجرين في أميركا. ولكن لا تلبث تعاود الغرق في الإحباط والغضب من عدم قدرتها على تحريك السياسة مقارنة بقدرة الجمهوريين الذين استخدموا الحوادث الإرهابية للمتطرفين المسلمين لنشر الرعب بين الأميركيين. فالجمهوريون التابعون لترامب بالتحديد استخدموا هذه الهجمات كفزاعة لتخويف الأميركيين من السماح للمهاجرين من القدوم خوفا من تسلل الإرهابيين بينهم.

فمثلا سكان ولاية اركنسا لا يهمهم ما يحصل في سوريا التي على الأغلب يصعب على معظم سكان الولاية إيجادها على الخارطة. وهكذا هي حالة معظم الولايات الأميركية. بالإضافة الى ذلك، كان هناك من يهمس أن الكونغرس سيفصل الرئيس أوباما إذا أمر باستخدام القوة العسكرية بدون اذن الكونغرس لإنقاذ المدنيين السوريين. الرئيس أوباما، كأول رئيس من أصول إفريقية، وبرغم منصبه كرئيس أقوى دولة بالعالم، لم يستطع أن يفعل شيئا بعد أن صوت أغلبية أعضاء الكونغرس حينها ضد التدخل عسكري. في نهاية المطاف يبقى العامل الأول المحرك للسياسة الأميركية هي العوامل الداخلية وليس الخارجية، إلا في ما ندر.

تحدثت سامانثا باور أيضا عن تجربتها كامرأة على المسرح الدولي. تواجه النساء بشكل عام حول العالم أنواع مختلفة من التمييز، فعندما حصلت باور على وظيفتها في البيت الأبيض في مجلس الأمن القومي لاحظت أن مرتبها أقل بخمسة الاف دولار عن زميلها في منصب مماثل. عندما سألت باور عن سبب الفرق في الراتب، اعتذر المسؤولون عن "الخطأ" وتم تصحيحية. في الأمم المتحدة، شعرت باور بالتمييز الذي عانت منه زميلاتها بشكل أكثر حدة، ففي حين أن جنسية باور الأميركية حمتها من تمييز أكبر إلا انها تعاطفت مع زميلاتها اللاتي لم يتمتعن بهكذا حماية فعانين من تهميش كبير. التمييز ضد المرأة في الأمم المتحدة تفضحه حقيقة أن الولايات المتحدة هي الوحيدة من بين جميع الدول الأعضاء الدائمة العضوية التي عينت امرأة كسفيرة منذ بدأت الأمم المتحدة في منتصف القرن الماضي.

في النهاية يشعر القارئ بصدق نواياها المثالية والتزامها بهذه المثالية التي بررتها ببراعة. فبالنسبة لها أي جهد قد يؤدي إلى احتمالية تحسين أوضاع ولو أفراد قلائل فإنه يستحق العمل. وتذكر باور قارئيها أن التاريخ أثبت مرارا وتكرارا أن "جهود بضعة أفراد بإمكانها أن تغير مسار مجتمعات ودول، بل وبسرعة فائقة". وعليه فإن الأفراد عليهم واجب جلب التغيير الذي يطمحون في إنجازه. وخصوصا أن الرؤساء ليسوا الوحيدين القادرين على التغيير. في الوقع، وبالرغم من مناصبهم، لا يستطيع الرؤساء في العالم الديموقراطي القيام بالتغيير بدون دعم من الآخرين.

في ختام كتابها تطرقت باور إلى المهمة الأهم والأصعب للولايات المتحدة ألا وهي تثبيت أسس الديموقراطية في الداخل والخارج. فأمام حملات الجمهوريين لعرقلة التصويت، الفساد المالي وتدخل الأموال في السياسة، الإقصاء الاجتماعي والفجوة الهائلة في مستوى المعيشة، تواجه الديمقراطية معضلة حقيقية. ولكن، من وجهة نظر باور، لا يجب على الولايات المتحدة أن تتنظر تحقق كل هذا لمساعدة العالم، بل عليها استخدام الدبلوماسية لمساعدة الآخرين دون استخدام القوة العسكرية والتي نددت بها. بالنسبة لها فالأدوات الأكثر إنسانية وفعالية تعتمد على نشر المثل العليا وأدوات مثل التنمية البشرية، الاستثمار والمساعدات الاقتصادية والمفاوضات الدبلوماسية، والتي يحتوي كتابها على أمثلة ناجحة عديدة منها. يبدو أن الحظ حليف دائما لباور فقد تم تعيينها كرئيسة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية والتي يوعز اليها إنفاق مليارات الدولارات على مشاريع تنموية.

ويا ترى، ماذا لو كان هناك حرية رأي وتعبير في العالم العربي. عما كان سيفصح المسؤولون في مذكراتهم؟

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.