لم يقتصر إقحام الدين في شأن بناء سد النهضة على الإسلام
لم يقتصر إقحام الدين في شأن بناء سد النهضة على الإسلام

يُعلمنا درس التاريخ أن الإمبراطوريات والممالك والدول عملت دوما على توظيف واستثمار الدين لتحقيق أهداف سياسية ليس في إطارها الداخلي فحسب، بل أيضا في مجال علاقاتها الخارجية، خصوصا في أوقات الحروب والنزاعات حول السيطرة وبسط النفوذ.

إن استخدام الدين في المجال الخارجي (الصراعات) من أجل تحقيق أهداف سياسية، وطنية أو قومية، تُبرره القدرة الهائلة الكامنة في العقيدة على تحشيد الناس وتوحيد كلمتهم تحت شعارات دينية تلامس المشاعر والعواطف، تلهب الحماس وتؤجج الدوافع لمواجهة العدو، وتقدم المسوِّغ لعدالة القضية.

نشب منذ عام 2011 نزاع بين السودان ومصر وإثيوبيا حول سد النهضة الذي أقامته الأخيرة على مجرى النيل الأزرق، حيث تتخوف مصر من تأثير السد على حصتها السنوية من مياه النيل كما يتخوف السودان من أثر السد على منشآته المائية في النيل الأزرق بينما تؤكد أثيوبيا أن غرضها من بناء السد هو توليد الطاقة.

ويقع سد النهضة الأثيوبي على النيل الأزرق، على بعد حوالي 20 كلم من الحدود السودانية، وتبلغ السعة التخزينية الكلية للسد 74 مليار متر مكعب، وينتظر أن يولد طاقة كهربائية تصل إلى 6000 ميغاواط. 

في إطار توحيد وتعبئة الموقف الوطني والرأي العام للدفاع عن مصلحة أثيوبيا في بناء السد، قال رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، عمر إدريس، إن الإثيوبيين أحق بماء النيل قبل السودانيين والمصريين، وأوضح في تسجيل مصور أن "الإسلام ينص على انتفاع من كان نبع النيل في أرضه أولا بهذا الماء، وإرسال ما زاد إلى جيرانه، وإن لم يزد ينتفع هو بالماء".

وإمعانا منه في بعث الذاكرة الدينية التاريخية من أجل توظيف أحداثها لخدمة غرضه السياسي الآني، قال السيد إدريس إن "إثيوبيا قد حُكمت من النجاشي الملك العادل وأنها لا تظلم"، ولا يخفى على الفطن اللبيب أنه أراد بذلك إرسال رسالة للدولتين المسلمتين، السودان ومصر، أن أثيوبيا قد استضافت أصحاب نبي الإسلام في هجرتهم الأولى بعد أن ضاقت بهم الأرض ولم يجدوا ملاذا آمنا سوى الحبشة، البلد لا يُظلم فيه أحد!

من المؤكد أن التصريح أعلاه لا يمثل رأي الإسلام، بل هو مجرد وجهة نظر سياسية تم إلباسها لبوس الدين من أجل دعم موقف الحكومة الأثيوبية في نزاعها مع السودان ومصر حول بناء السد. من ناحية أخرى، وفي إطار التوازنات الدينية الداخلية، أراد السيد إدريس إرسال رسالة للعديد من الجهات الداخلية فحواها تثبيت موقف السكان المسلمين الذين يمثلون حوالى 30 في المئة من سكان أثيوبيا حول قضية السد.

بالإضافة إلى ذلك فإن المنطق الذي يحكم اقتسام مياه الأنهار وسيطرة الدول على البحار والخلجان والمعابر المائية لا يستند إلى الدين، بل ينبني على نصوص القانون الدولي الذي ترتضيه وتحتكم إليه جميع دول العالم.

يُدرك المتابع للشأن الأثيوبي أن أوضاع السكان المسلمين قد شهدت تحسنا ملموسا في ظل حكومة رئيس الوزراء الحالي، آبي أحمد، الذي منح المجلس الإسلامي في عام 2018 وضعا قانونيا ليصبح مؤسسة دينية معترف بها بعد أن ظلت محرومة من هذه الوضعية لأكثر من ستة عقود.

كذلك فتحت الحكومة الحالية المجال للسكان المسلمين للعمل داخل المؤسسات الحكومية (بيروقراطية الدولة) التي ظلت محتكرة من قبل الأغلبية المسيحية الأرثوذكسية، حيث كان العديد من المسلمين يضطرون لتغيير ديانتهم من أجل الحصول على وظيفة حكومية. كما سعى رئيس الوزراء للتقرب من قادة ورموز المسلمين ومشاركتهم في المناسبات والأعياد الدينية مما خلق تقاربا شديدا بينه وبين مواطني أثيوبيا المسلمين.

وبما أن السرديات الدينية مليئة بالأحداث التي يمكن استدعاءها لخدمة أغراض سياسية لجميع الأطراف فقد التقط القفاز وكيل الأزهر السابق، عباس شومان، مدافعا عن موقف بلده مصر حيال موضوع سد النهضة ومستلهما قصة قرآنية أخرى تقدح في الموقف الأثيوبي.

قال شومان مُذكرا السيد إدريس بأجداده أصحاب الفيل الذين جعل الله كيدهم في تضليل عندما حاولوا العبث بكعبته المشرفة: "نعم كان النجاشي الذي تعيشون على أرضه عادلا، لكن حكومتكم ليست حكومة النجاشي، وهي ليست على سيرته، بل هي على سيرة جدكم أبرهة، الذي حاول هدم الكعبة، فأثبتوا أنكم أبناء النجاشي لا أبرهة، وأعلنوا حق مصر والسودان فعلا لا قولا، وأعلن أنت أنك حفيد النجاشي وأثبت أنك عادل مثله".

لم يقتصر إقحام الدين في شأن بناء سد النهضة على الإسلام، بل تدخلت أيضا الكنيستان المصرية والإثيوبية لنصرة بلديهما من منصة الديانة المسيحية حيث دعا رئيس المجمع المقدس لكنيسة التوحيد الإثيوبية الأرثوذكسية القديس سينودوس الأثيوبيين إلى "مواصلة دعمهم لمشروع السد الذي أوشك على الاكتمال".

من جانبه، قال بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية تواضروس الثاني في إحدى عظاته في مقر الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالقاهرة إن "مصر أعطت للنيل الحياة والعراقة، والكنيسة القبطية ككنيسة وطنية للدولة المصرية تدعم مصر في سعيها لإيجاد حل عادل لصالح المصريين والسودانيين".

لا شك أن التأويل البشري للدين والذي يتبناه رجاله الرسميون يتم استخدامه في التعبئة الداخلية من أجل خلق التماسك ومنح الشرعية السياسية، وقد أظهرت مواقف المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية حيال قضية سد النهضة أنها سعت لتوظيف الدين لخدمة أهداف حكوماتها (دولها) ولم تعبأ بالانقسام الذي قد يقع بين أتباع الدين الواحد نتيجة لتلك المواقف المتباينة مما يؤكد تعالي الغرض السياسي على الرابطة الدينية (أخوة الدين).

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.