رموز لديانات حول العالم - عمل فني - إدواردو كوبرا
"يخطئ من يجمع بين الظاهرتين، "الإبراهيمية" الدينية و "الإبراهيمية" السياسية"

لا هذه ولا تلك، طبعاً. دون أن تنتفي تماماً الأوجه التي تحتمل الشبهة فتثير الريبة في الأوساط الحساسة. "الإبراهيمية" في الشرق الأوسط ليست ظاهرة واحدة، بل ثلاث ظواهر متقاطعة متداخلة، لا يمكن فصلها عن بعضها البعض بالكامل، ولكن من العبث والتفريط افتراض وحدة حال بينها.

الظاهرة الأولى، وهي صريحة وشواهدها بارزة في المتداول العام، هي دعوة فكرية اجتماعية دينية صادقة إلى إبراز أوجه التلاقي بين الأديان التي تعتبر ذاتياًً أن أصلها يعود إلى شخصية "النبي إبراهيم". ورغم أن هذه الأديان، من حيث وضوح الزعم، هي عند الصف الأول اليهودية والإسلام، فإن ريادة الدعوة "الإبراهيمية" هي لكبرى المؤسسات المسيحية، الڤاتيكان، وذلك مع وجود التجاذبات الداخلية العديدة بهذا الشأن ضمن المسيحية.

"الإبراهيمية"، في أصولها الغربية، هي دعوة منسجمة مع القناعات الدينية السائدة. بل هي، كاثوليكياً، استكمال لمسار توسيع دائرة المشمولين بالرحمة الإلهية، والذي شكلّ المجمع الڤاتيكاني الثاني في ستينيات القرن الماضي نقطة التحول فيه. إذ بدّلت الكنيسة الكاثوليكية من موقفها التاريخي المسقِط لليهود، والقائل إن الدين اليهودي قد نسخ، وإن العهد الجديد حلّ محلّ العهد القديم، وإن الكنيسة هي إسرائيل الجديدة، وإن بقاء اليهود هو شاهد وحسب على النقمة الإلهية لمعصيتهم ولقتلهم الرب المسيح.

موقف الكنيسة السابق كان كذلك طاعناً بالمسلمين على أنهم أتباع بدعة ومغرّرون من الشرير. مع المراجعات التي تحققت في هذا المجمع، اعتمدت الكنيسة الكاثوليكية موقف أن استمرار وجود اليهود هو دليل على أن العهد بين الرب وبني إسرائيل باقٍ كعهد خاص، فيما العهد الجديد عام لمن يستجيب له، وأن انتشار الإسلام، ومعه عبادة إله الآباء الأوائل، هو نعمة إلهية لتوسيع "العائلة الإبراهيمية".

يهودياً كذلك، ينسجم مفهوم "الإبراهيمية" مع التطور الذي شهدته القراءات العَقَدية في القرنين الماضيين حول موقع اليهود بين الأمم، والانتقال من حالة عداء مع الأغيار كانت متوافقة مع أحوال الاضطهاد والإذلال والتي عاشتها المجتمعات اليهودية فيما سبق، إلى إعادة تصور لمكانة اليهود في العالم، ليُناط بهم دور "كهنة" الإنسانية المولجين بهدايتها إلى الإله الحق.

وهذا التحول أعاد تأهيل المسيحية والإسلام ضمن الفكر اليهودي المتدين المعاصر لتصبح كل من الديانتين وجهاً من أوجه الإشعاع اليهودي، انطلاقاً من المبدأ الذي قرّر لليهود مكانتهم المستجدة على أنهم "نور للعالمين". ويلاحظ أن خصوصية الدور اليهودي هي قناعة تلازم معظم الفكر اليهودي المعاصر، حتى عند خروجه من التأطير الديني، ليصبح هدف هذا الدور المساهمة بتحقيق الخير للإنسانية من موقع طليعي.

ثمة اعتراض، في أوساط مسيحية عديدة، وإلى درجة أقل في أوساط يهودية متزمتة، على هذه التوجهات والتطورات. وإن كان الاعتراض إلى أمس قريبٍ محدوداً، فإن زعزعة القناعة بوحدة المرجعية المعنوية العالمية، والتي كانت مستقرّة حتى في خضمّ الحرب الباردة، قد جعل من هذا الاعتراض مادة يزداد طلبها لدى التيارات الانعزالية والقومية في مختلف المجتمعات الغربية، دون أن يبلغ حدّ الندية مع الصيغة الانفتاحية.

ما يقابل هذه الصيغة الانفتاحية في السياق الديني الإسلامي خجول جداً، وفوقي في إجماله، لا يتجاوز المبادرات الرسمية (من الأردن ومصر والسعودية والإمارات) والتي ينخرط فيها علماء المؤسسات الدينية بحكم موقعهم، فيقتصرون على العموميات دون إمكانية تأصيل عقدي أو فقهي لما يقتضيه تثبيت الدين وأصوله من تغييب للمراجعات المؤسسة لهذا التأصيل. ليست هذه مسألة عرضية قابلة للتجاوز بقرار من قيادة سياسية ترى الحاجة إليه. بل هي واقع عميق في البنية الفكرية الإسلامية المعاصرة.

أحد أهم أسباب سوء التفاهم بين المحيطين الفكريين الإسلامي والغربي هو الاختلاف بينهما في مفهوم الدين ومكانته. الدين، كما تريده المؤسسات العلمائية الإسلامية، ثابت يستسقى من النص، وللنص بالتالي قدسية حاسمة، هو المرجعية وهو المعيار غير القابل للتبديل.

واقع الحال أن التبدّل كان صفة دائمة للإسلام النظري وللإسلام المُعاش على حد سواء، كما هو الجاري لغيره من الأديان، وفق اعتبارات الزمان والمكان والسياق. غير أن زعم الثبات كان دوماً جزءاً من طرح الإسلام بصيغته الفصيحة، أي تلك المعتمدة لدى السلطان والفقيه، وهو ما حافظت عليه التوجهات الإسلامية المعاصرة، بل هو ما تزمّتت فيه السلفية الحداثية، وجاهرت على أساسه بخصومتها إزاء الصوفية، لتُجمل في صفة "صوفي" كل أداء أو ظاهرة لا تنسجم مع زعم الثبات، وصولاً إلى تعزيز الوعي المقرّ بعدم جواز التبدّل حتى في العديد من الأوساط التي تعيش التبدّل حقيقةً.

ليس هذا حال الدين في الغرب عامة، باستثناء بعض الأوساط الهامشية الإنجيلية التي تتماهى مع التوجهات الإسلامية في تقديس النص إلى حد الإطلاق.

فسواء جاء الطرح من منطلق إيماني، يعتمد على أن بقاء الروح القدس مع مجموع المؤمنين، أي الكنيسة، هو دليل على إلهام إلهي وتوجيه مستمر لمسار المجتمع المؤمن، أو من منطلق أخلاقي يعتبر القيم الفطرية وصية على الدين، وبالتالي قادرة ومؤهلة أن تدفع إلى تبديله، وليس الاكتفاء بتبدله الذاتي وحسب، فإن التجربة الدينية المسيحية الغربية لا تتوقف عند النص المقدّس، بل هي كذلك مبنية على الحضور الإلهي في السلوك الإنساني.

إصرار المجادلين المسلمين على إسقاط الصيغة الفصيحة من دينهم، والتي تُقصر المرجعية الدينية على النص، على المسيحية، في تجاهل للبنية الروحية المعتمدة مسيحياً، يمنحهم، لذاتهم، الانتصار تلو الانتصار كلما تمكنوا من الإشارة إلى اختلاف في نصوص خصومهم. ولكنها انتصارات وفق قواعد لا تلتزمها المسيحية المعاصرة ابتداءً.

الإشكالية التي تعيشها الدعوة "الإبراهيمية" الصادقة المعاصرة تعاني من حالة انفصام فكري مشابهة، ولكن بالاتجاه المعاكس. أي أنه في هذه الحالة، ثمة غياب لدى الجانب الغربي، والمحلي القليل المتماهي معه وإن إلى حدود الشكل ليس إلا، لإدراك الاختلاف في طبيعة تهيؤ المرجعية الدينية بين الغرب، حيث الدين بممارسته، إيمانياً وأخلاقياً، قابل للتطويع على أساس القيم الفطرية، وبين ما التقت عليه التوجهات الإسلامية المعاصرة والمؤسسات الدينية المسلمة من ترفيع الدين عن أي تبديل.

لا ينفي ذلك أنه قد تكون ثمة مساحة ضمن القراءات الإسلامية المعاصرة لاستيعاب الدعوات التطويرية. بل أن الحديث عن إصلاح الخطاب ومراجعة النصوص الفرعية وتحديث الأحكام وما أشبه يتكرر إلى حد الإشباع والإنهاك في الأوساط الفكرية العربية وغيرها، ولكن دون أن تنتج عنه الطروحات البديلة المقنعة.

جلّ ما حقّقته هذه التخمة في النوايا هو المزيد من التمكين للاتجاهات القطعية التي تعلن الرغبة بمواجهتها، وذلك من خلال تعميق الزعم، والذي يلتقي عنده الخصمان في نهاية المطاف، بأن الإطار الفكري الاجتماعي لا بد من أن يكون دينياً. رغم أن ذلك، وإن توافق مع أقوال السلاطين والفقهاء على مدى معظم الفضاء والتاريخ الإسلاميين، فإنه لم يكن الحقيقة الحصرية.

خطيئة "الإبراهيمية" الدينية المعنوية هي أنها تأتي كتجربة مسقطة على غالب الواقع المسلم من خارج سياق هذه المواجهة المفتقدة. أي أنها ليست جزءاً من حوار داخلي حول الإصلاح، لغياب هذا الحوار بالمعنى الجوهري، واقتصار خواطر الحوار والإصلاح على العرضيات. بل تكاد "الإبراهيمية" أن تكون مساهمة غربية في تمني أن يكون هذا الحوار قائماً، وأن يكون الفريق الإصلاحي المتماهي مع الانفتاحيين الغربيين هو الغالب فيه.

المحاور الغربي، من بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى العلماني الأميركي ذي الخلفية اليهودية، صادق في مسعى الانفتاح على المسلم ومخلص في تصوّره للفكرة "الإبراهيمية" على أنها وسيلة التقاء وتفاهم وتسامح. غير أن التباعد بين توقعات الانفتاح الغربي وواقع السواد الأعظم من الفكر العربي يجعل من هذا الطرح في أحسن الأحوال نشازاً غريباً، وفي محاولات التفسير الأقل تسامحاً، تطفلاً فوقياً ومسعى لتهديم بنيان الدين.

لا استغراب، انطلاقاً من كل هذا أن تأتي ردود الفعل في الأوساط المتدينة سلبية بما يقارب الإجماع إزاء "بيت العائلة الإبراهيمية" والذي أعلن عنه في أبو ظبي، وأن يقتصر التوصيف الإيجابي على قلة من علماء الدين التابعين للمؤسسات الرسمية. 

ويضاعف من هذا التقييم السلبي لطرح "الإبراهيمية" عربياً أن الكلمة تأخذ معنى مختلفاً، ضمن الظاهرة الثانية لها، والتي لا بد من تمييزها عن الطرح الهادف إلى التآخي الروحي. هي هنا مسعى سياسي فكري يهدف إلى إيجاد السبيل إلى ترسيخ حضور إسرائيل في جوارها على أساس المشترك التاريخي الديني المفترض.

وهذا المسعى ضمني في معظمه، وإن تضافرت أدلته دون تصريح علني قاطع ولكن بما يكفي لرسم معالمه. أما خروجه إلى العلن فكان في تسمية معاهدات السلام بين إسرائيل والإمارات وغيرها باتفاقات "إبراهيم"، وذلك على خلفية تعود لأكثر من عقدين من الزمن ترى في "الإرث الإبراهيمي" وسيلة لتحقيق قبول وتقارب لتبديد العداء العربي الإسرائيلي.

يخطئ من يجمع بين الظاهرتين، "الإبراهيمية" الدينية و"الإبراهيمية" السياسية، فالأولى تعود إلى تطورات فكرية معنوية على مدى قرنين تتفاعل مع "العائلة الإبراهيمية" على أنها انتماء أخلاقي إيماني، فيما الثانية حديثة العهد وتذهب نحو افتراض تاريخية وقائعية لشخص النبي إبراهيم وذريته، لتصبح "الإبراهيمية" صلحاً بين ذريته من إسحاق وذريته من إسماعيل.

وإذا كانت "الإبراهيمية" الدينية تسعى إلى تقرير التكافؤ بين جميع أديان "العائلة الإبراهيمية" وتوسيع دائرة التعارف والتسامح، فإن المنحى التأريخي القسري للطرح "الإبراهيمي" السياسي يذهب باتجاه إقرار "حقوق" وراثية، من وحي أسفار التوراة، للشعوب المذكورة فيه، ولا سيما منها حق إسرائيل بأرض الميعاد. (ليس واضحاً ما إذا كان على "العرب" كافة الاندحار إلى البادية، غير أن حصة "الفلسطينيين" من أحفاد جالوت قد تتراجع إلى قطاع غزة).

قد لا يدرك الدافعون بهذا الاتجاه مدى الشطح والتجاوز، والوقاحة، في طرحهم. ولكنه طرح متهافت.

من حيث المبدأ، لا تسليم البتة، من وجهة نظر تاريخية وقائعية، بمجريات السردية الدينية حول نبي وذبيح، كائناً من كان، ابن الحرّة أو ابن الجارية، وحول وعد إلهي بهبة أبدية لبلاد الآخرين لبعض الذرية دون غيرها، لا لليهود ولا للمسلمين. كل هذه قناعات دينية، دامت لأصحابها، وليست حقائق تاريخية يبنى عليها، إذا كان الشرط التوافق على الأسس.

للمؤمنين من مختلف الأديان التمسك بقَصصهم الديني واستشفاف العبر والقيم منها (على رعونة المادة وتكلف الاستعبار في هذه الحالة). غير أنه لا يمكن أن يقوم حق اليهودي الإسرائيلي بالبقاء والأمن، ولا حق الفلسطيني بالعودة والعزة، على هذه النصوص، بل لا يمكن تطويع هذه النصوص مهما تذاكت الاجتهادات لضمان عدم تضاربها.

"الإبراهيمية" السياسية هذه تبدو من حيث الأفكار والمرتكزات وليدة مرحلة سابقة للتطورات الفكرية التي شهدتها المسيحية واليهودية في القرنين الماضيين. فبدلاً من الاعتبار المؤدي إلى الاحترام المتبادل، هي تقوم فعلياً على تقرير رواية سفر التكوين تحديداً، حول النبي إبراهيم والوعود الإلهية التي نالها، ومن بعده إسحاق الذبيح ويعقوب إسرائيل، على أنها المنطلق التاريخي الذي يفترض أن يرضى به الجميع.

حتمية القبول بالأسفار العبرية مبنية على هذه الأسفار هي للتوّ "المشترك" بين اليهودية والمسيحية، وهي بالتالي الأساس الذي لا بد من تأييده إسلامياً.

وربما أن حماس بعض علماء الدين المسلمين في إظهار ولائهم لأولي الأمر الموقعين على معاهدات السلام قد دفع بهم بالفعل إلى استخراج نصوص قرآنية وغيرها منسجمة مع وعود سفر التكوين، ليمسي وجود إسرائيل أمراً إلهياً، وليصبح حق اليهود بأرض الميعاد، فلسطين التاريخية، ثابتاً مقرّراً ينقض ما دونه.

لا تحتمل الآيات المبتورة أبداً ما ينسبه إليها هؤلاء، ولكن فعلهم هذا يعزز من مبدأ التعويل على النص الديني لتخريج الحقوق، بما يفتح المجال أمام القراءات الناقضة والأكثر سهولة للاستنباط. 

على أساس القرائن المتداولة، يتوجب الإقرار بأن "الإبراهيمية" السياسية ظاهرة حقيقية، ولكن ليس ما يبرر أبداً افتراض أنها تتعدى أن تكون بنات أفكار بعض السياسيين المتحذلقين وبعض العقائديين من ذوي قدرات الفعل محدودة. أن يكون رئيس سابق، مشهود له عدم اطلاعه على دقائق الأمور أو حتى مجملاتها، ومشهود له كذلك مسايرته للبعض نكاية بالبعض الآخر، قد ناصر بعض ظواهرها، لا يمكن أن يربط بمسعى من جامعة أو جامعتين، استقر في بعض برامجها عقائديون مسيّسون، للشروع ببرنامج قاصر ضئيل يهدف إلى «إحياء التاريخ» الموهوم، وجمع كل هذه الأطراف المتباعدة لحياكة  "مؤامرة".

و"المؤامرة" هي تحديداً التجلي الثالث للظاهرة "الإبراهيمية"، في المحيطين العربي والإسلامي، وأيضاً في بعض الأوساط المسيحية الغربية. هي الفوران في الاعتراض على الظاهرتين السابقتين، مع دمجهما وتضخيم وطأة كل منهما، والبناء دون أساس يحتمله للقول أنه ثمة مسعى للقضاء على المفهوم الراسخ للدين (الإسلامي أو المسيحي، وحتى اليهودي) واستبداله بمفهوم تمييعي عند أدنى حد، إن لم يكن استئصالياً، وصولاً للتحضير لحالة روحية شعائرية جامعة على مستوى الكرة الأرضية كلها، ظاهرها الخير فيما غايتها القضاء على الدين القائم.

بل من الاعتراض، ضمن الأوساط الكاثوليكية المعارضة، ما يعتبر بأن ثمة يد شيطانية قد امتدت إلى الڤاتيكان، فاستولت عليه وحرّفت العقيدة القويمة، ونصّبت أحد أتباعه في موقع الباباوية.

في السياق العربي والإسلامي، لا يخلو الأمر ضمن التحليلات المسهبة، والقائمة على القليل من المعطيات والكثير من الفرضيات، من إقحام مصطلحات "دين العلمانية" والماسونية والصهيونية العالمية وغيرها باعتبارها جميعاً جزءاً من الملحمة المرتقبة، في هذه القراءة التي تريد أن تكون توحيدية في حين أنها هي، لا خصومها، التي تستعيد ثنوية الخير والشر في قراءتها للعالم والغيب.

علة "الإبراهيمية" كدعوة أخلاقية إيمانية أنها تأتي من خارج السياق الفكري الإسلامي، فتنتج ما يتعارض مع مقصدها. وعلّة "الإبراهيمية" كمسعى سياسي مفترض هي أنها في خلاصتها تسعى لفرز عقاري على أساس يزعم التاريخية فيما هو استفزازي ومهين وعرضة للاستبدال ببديل له ينقضه عند تبدل موازين القوى.

أما علّة "الإبراهيمية" كمؤامرة تتكالب عبرها قوى الشر لأذية الإسلام فهي أنها، كسائر تجليات المؤامرة، تبدّد الطاقة الذهنية وتحرم المجتمعات المعنية من إمكانية التفاعل المنتج مع "الإبراهيمية" بظاهرتيها الدينية والسياسية.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.