A man inspects the damage inside the workshop of Lebanese fashion designer Zuhair Murad on August 19, 2020 in Beirut, near the…
بعد انفجار مرفأ بيروت

استدعي حاكم مصرف لبنان إلى التحقيق من قبل القضاء في فرنسا وفي لبنان.. جرى ذلك بعد مرور نحو عامين على انهيار مالي هائل وصفه خبراء بأنه أكبر انهيار مالي في التاريخ، جرت خلاله انتهاكات للقانون لا جدال حولها، وخسرت العملة اللبنانية حتى الآن أكثر من ٩٠ بالمئة من قيمتها، وها نحن على شفير مجاعة حقيقية، وفي قلب كوارث صحية واجتماعية ومعيشية.

وفي مواجهة كل هذا المشهد، استدعي رجل إلى التحقيق! صحيح أنه متهم، إلا أن احتمال نجاته أكبر من احتمال إدانته. لم تجر محاسبة أحد حتى الآن، وكأن ما جرى كان قضاءً وقدراً!

رياض سلامة أحد أسرار نظام الفساد في لبنان. لم يتمكن أحد حتى الآن من أن يحدد لنا من يحمي رياض سلامة! معظم من تتحدث معهم من السياسيين يلمحون إلى أنهم لا يحبونه، إلا أنهم يرتابون بمن يقترب منه بأي اتهام.

حزب الله غير متمسك برياض سلامة بالعلن، ميشال عون لطالما قال إنه يفضل أن يقيله، سعد الحريري صار خارج منطقة التأثير بمستقبله هو نفسه، فما بالك بالقدرة على حماية الحاكم.

وحده نبيه بري قال ذات يوم إنه، لا يفضل الإطاحة بالحاكم، إلا أن بري لا يكفي لحماية سلامة، ناهيك عن أنه لن يقف بوجه إرادة حزب الله إذا ما رغب الأخير بالإطاحة بسلامة!

حجم الكارثة في لبنان يكفي للإطاحة بكل الطبقة السياسية. القانون اللبناني صار نكتة، ومخالفته صارت القاعدة.

انفجار ٤ آب أسبابه واضحة، والمتسببون به معروفون، تحميهم طوائفهم، ويحميهم النظام، وأقوى من يحميهم هو حزب الله، الذي اعتبر أمينه العام في خطابه الأخير أن استدعاء القضاء لبعضهم هو استدعاء سياسي!

هذا صار واضحاً لكل اللبنانيين، ولكن ما ليس واضحاً حتى الإن هو: من يحمي رياض سلامة! الـ"Capitol control" الذي تمارسه المصارف فيه مخالفة يومية للقانون، والأفظع منه ممارسته على صغار المودعين ومتوسطيهم، في وقت كشفت الصحافة السويسرية أن المصارف اللبنانية حولت خلال فترة حجزها على ودائع زبائنها نحو مليارين ونصف المليار دولار إلى المصارف السويسرية.

هذا الإعلان لم يستدعِ توضيحاً، ولم يغير شيئاً في تراجيديا المودع مع المصرف. لم يشعر الحاكم بأن أحداً يستحق أن يوضح له ما قصة هذه الودائع التي ارتفعت قيمتها فجأة في سويسرا!

مسار الفضيحة المصرفية لم يكن أقل مأساوية من فضيحة انفجار المرفأ، لا بل شكلا مساراً واحداً، أفضت فيه الأولى إلى الثانية.

المتسببون بالإفلاس تسببوا بانفجار المرفأ. النجاة من موبقة السطو على ودائع الناس، مهدت للنجاة من جريمة انفجار ٤ آب. سر وصول باخرة الأمونيوم إلى مرفأ بيروت، يشبه إلى حد كبير سر الحماية الهائلة التي يتمتع بها رياض سلامة.

الطبقة السياسية كلها وراء وصول الباخرة ووراء انفجارها ووراء كارثة ٤ آب. والطبقة السياسية كلها تحمي رياض سلامة، ليس لأنها تحبه، بل لأنه أمن لها دخلاً هائلاً تمثل بجني أعمار أكثر من مليوني مودع لبناني وسوري وعراقي، وهو إذ فعل ذلك، وثق فعلته بحيث جعل أي اقتراب منه سيفضي إلى فضحهم جميعاً.

النظام السوري أقدم بالأمس على مصادرة أملاك سياسيين لبنانيين بحجة تعويض مودعين سوريين في المصارف اللبنانية خسائرهم! لم يقترب النظام في دمشق من أملاك المصارف اللبنانية، ولم ينبس بعبارة تدين رأس النظام المالي اللبناني!

جبران باسيل، خاض في العام ٢٠١٦ حرباً شعواء لتغيير سلامة، وفجأة صمت ولم تعد حاكمية مصرف لبنان جزءاً من طموحاته.

حزب الله يشيع في بيئته أنه غير راغب ببقاء سلامة، إلا أن اللبنانيين يعرفون أن لا أحد يمكنه أن يقف بوجه رغبة الحزب، إذا ما شاء تغيير حاكم المصرف.

رياض سلامة هو النظام، والاقتراب منه هو اقتراب من النظام. تماماً مثل ما هو الاقتراب من سر الباخرة التي وصلت إلى مرفأ بيروت في العام ٢٠١٣ وانفجرت بوجه المدينة في العام ٢٠٢٠، هو اقتراب من النظام أيضاً.

رياض سلامة منطقة تتقاطع فيها مصالح النظامين اللبناني والسوري المالية، والباخرة المحملة بالأمونيوم الغامض أيضاً منطقة تتقاطع فيها المصالح الأمنية للنظامين المجرمين في بيروت وفي دمشق.

القضاء في لبنان أضعف من أن يتعامل مع الجريمتين. قاضٍ نزيه لا يكفي لتولي هذه المهمة. ما يواجه القاضي فادي بيطار اليوم بعد استدعائه جزءاً من أركان النظام للتحقيق معهم في انفجار المرفأ مؤشر واضح على هذا الصعيد.

السياسيون أنفسهم سيجتمعون قريباً لحماية رياض سلامة.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.