خلال زيارة سلطان عمان الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية
خلال زيارة سلطان عمان الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية

في الشرق، "أعني مشرقنا المنحوس ما غيره"، ذلك الذي حمل اسم الأوسط لفترة طويلة خلال عقود مضت، واليوم هو ذات الجغرافيا التي تقع شرق المتوسط، لا نقرأ التاريخ، بل ننتقيه انتقاء وبأجزاء تتناسب ورؤية "القيادات السياسية" الحكيمة، التي تفترض بقرار رسمي أنه ومن عندها - على تنوعها وخصوماتها وتناقضها- يبدأ التاريخ غالبا.

قراءة التاريخ - لا كتتابع اعتباطي للأحداث- ليست ترفا أكاديميا ولا استعراضا ثقافيا، بل ضرورة حيوية للشعوب كي تتمكن من فهم ذاتها وواقعها فهما جيدا واضحا يفسر كل الالتباسات.

في مقالي السابق عن سلطنة عُمان، لا أخفي حجم المتعة الشخصية التي تملكتني وأنا أخوض في قراءات هائلة، بل واستحضرت قراءات قديمة فكانت الإضاءات تتناثر أمام عتمة جهلي، وهو جهل بكثير الكثير.

كانت قراءة "عُمان" مصحوبة بفضول محاولات الفهم لتلك السلطنة القديمة، والبلاد الأكثر قدما في التاريخ، وكل تلك التحولات في كل تفاصيلها في المجتمع والدين والمعتقد والاقتصاد والعلاقات الداخلية والخارجية ونخب السلطة التي تعاقبت، والعلاقة مع الجيران.

قراءة عُمان، تطلبت قراءة شبه الجزيرة العربية بالمجمل، تلك العلاقات القبلية والمحكومة بعلاقات جذب وشد مع الإنكليز والفرس وشرق أفريقيا والبرتغاليين، وقبائل تسود وتحكم في مناطقها، منها ما اندثرت سيطرتها، ومنها ما توسع وصار دولة.

لكن، الأهم كان عندي قراءة تلك العلاقة بين عُمان، السلطنة التي لم تتزمت بالدين فكانت إمامتها إباضية بلا تشدد، والسعودية بدولتها الأولى والثانية والثالثة التي تحالفت سلطتها القبلية التي يقودها ابن سعود مع شيخ التزمت المتصلب محمد عبدالوهاب.

تلك العلاقة العدائية إلى حد الشراسة "بالضرورة" كانت دوما هي التي تحكم العلاقات بين البلدين بكل مراحل الدولة فيهما، وهما فعليا الأعرق بالوجود في شبه الجزيرة.

في الدولة السعودية الأولى، التي بدأت عام ١٧٤٤، وانتهت بسقوط عاصمتها الدرعية عام ١٨١٨ بيد إبراهيم ابن محمد علي باشا، نلاحظ أنها قامت بدعم إنجليزي في سياق تنافس "استعماري" محموم مع الند الفرنسي، كانت فرنسا "النابليونية" تدعم كل قبائل شرق المتوسط ضد الوهابية التي يدعمها الإنجليز.

المفارقة أن الدولة السعودية الأولى انتهت بعد 3 أعوام من نهاية بونابرت نفسه في واترلو على يد الجيش الإنكليزي.

كانت العلاقة مع "عُمان" إنجليزية أيضا، لكن بشكل مختلف، فقد كان العمانيون ومن خلال أسطولهم، ندا بحريا للإنكليز وامبراطوريتهم المعتدة بتفوقها البحري، بل إن العمانيين كانوا أيضا إلى حد ما دولة استعمارية امتد نفوذها إلى شرق أفريقيا وأطراف في أقصى آسيا وما بينهما ذلك الطريق البحري الذي يشرف على طرق الملاحة إلى درر مستعمرات التاج البريطاني.

تلك العلاقة الحدودية التي كانت دوما بين مد وجزر من المعارك والقتال بهدف السيطرة ونشر "الدعوة" من قبل الدولة السعودية الأولى بعقيدتها الوهابية المتشددة، مقابل دفاع عماني شديد البأس للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مجال حيوي جغرافي واسع خارج حدود عمان الطبيعية كحماية ذاتية، تلك العلاقة هي التي يمكن أن تقرأ منها وفيها أبجديات الفهم العماني في التعامل مع محيطها "الخليجي" والعربي، القائم على الاقتراب بحذر، وتوظيف السياسة بحدودها الممكنة فقط في خدمة الاقتصاد والتنمية.

بالنسبة للسعودية، في دولتها الثالثة الحالية، وبصيغتها الجديدة والمستحدثة التي تحاول فيها أن تتخلص من أساس شرعيتها السياسية - الدينية المتمثل بالتحالف التاريخي مع الحركة السلفية الوهابية، فإن العلاقة مع عمان تقع في باب إدارة الأزمات لا في باب العلاقات الاستراتيجية.

ربما قد ولى زمن "نشر الدعوة والعودة بالدين إلى السلف الصالح" وبقوة السيف كما كان المتشدد عبدالوهاب ينادي في دعوته المحمولة سياسيا وعسكريا عبر دولة وجيش ابن سعود، إلا إن العقل السياسي السعودي لا يزال يحمل تلك الثارات التاريخية والطموحات التي ترى الدولة السعودية في نفسها الحق بأن تكون القائد المهيمن، لا على المنظومة الإقليمية الخليجية وحسب، بل في شرق المتوسط كله.

--

زيارة السلطان هيثم بن طارق الأخيرة إلى المملكة السعودية التي احتفل بها الإعلام السعودي أكثر بكثير من احتفال الإعلام العماني "الهادئ بطبعه" كانت قراءاتها الحقيقية في برنامج الزيارة نفسه، الذي عنونه السلطان هيثم بزيارة مشروع نيوم الاقتصادي، وتلك برقية عمانية واضحة تعكس فكرة توظيف السياسة والدبلوماسية في خدمة اقتصاد عماني أعلن مطلع هذا العام تنفيذ رؤية استراتيجية تنموية لعقدين مقبلين (عمان ٢٠٤٠)، ومشروع نيوم السعودي يعكس رؤية سعودية يقودها ولي العهد المثير للجدل في كل شيء، نحو اقتصاد لا نفطي وتنموي واستثماري بحجم إقليمي أكبر تجلياته في البحر الأحمر( بكل دوله المطلة) من خلال مشروع نيوم.

القراءة الأكثر إمتاعا وتشويقا كانت في تصريحات إعلامية انطلقت من الدولتين، فبينما نشرت وسائل إعلامية محسوبة او مقربة من الجانب السعودي تصريحات "لمصادر دبلوماسية سعودية" قالت فيها ".. إن السلطان هيثم وصل إلى السعودية متحررا من الكثير من عقد الماضي في العلاقات بين البلدين داخل مجلس التعاون الخليجي وخارجه"!

بل واستكملت المصادر السعودية وهي دبلوماسية أيضا أن "السلطان الراحل قابوس كان يتصرف على أساس أنه داخل مجلس التعاون وخارجه في آن واحد. الآن السلطان هيثم يقطع في هذه الزيارة مع تلك المواقف".

هذا الرأي "الدبلوماسي السعودي " المسرب بعناية وعلانية للإعلام، لا يتفق معه رئيس تحرير وكالة الأنباء العمانية الرسمية، والذي حسب تصريحاته بنفسه واسمه المعلن قد استبعد تغير السياسة الخارجية في عهد السلطان هيثم، مذكرا بخطابه الأول الذي أكد على أنه سيسير على نهج السلطان قابوس.

وقال رئيس وكالة أنباء عمان، وهو لن يتحدث إلا بما يفكر به العقل السياسي العماني " كثير الحذر بطبعه"،  إن علاقة سلطنة عمان بمجلس التعاون "لم تتراجع على مدار تاريخ المجلس، ولا يمكن تفسير التحركات العمانية الجديدة بأنها أشبه بعودة إلى المجلس ثانية".

لقد كان اختيار الملف الاقتصادي مدخلا لمشروع علاقات جديدة بين عمان والسعودية بحد ذاته مخرجا آمنا من أي ملفات خلافية "وهي تاريخية وقديمة" بين البلدين.

طبعا، السعودية تبحث عن مدخل دبلوماسي آمن مع إيران، وهذا متوقع في ظل رؤية إدارة أميركية جديدة تفكر بتفاهمات أكثر عمقا وجدية مع إيران، وتعمل فعليا على الانسحاب من تفاصيل الشرق الأوسط.

الملف اليمني أيضا مصلحة سعودية، وهو مصلحة عمانية أيضا تتعلق بخاصرة موجعة لكن الرؤى المختلفة تبحث عن نقاط التقاء وتقاطع يمكن البدء منها.

كانت الزيارة السلطانية أكثر من بروتوكولية ولا تتوقف عند اللازمة الإخبارية العربية المعتادة التي تقول "وبحث الجانبان سبل التعاون المشترك بين الطرفين"، ولقد تم توظيف الزيارة بأجندة مختلفة سواء في السلطنة أو في المملكة.

المملكة، لم تمانع في توظيف الزيارة السلطانية أبعد قليلا عن محورها الاقتصادي التنموي، فعلى الهامش كان هناك توظيف لغاية المناكفات الإقليمية وإعادة ترسيخ فكرة "الشقيق الأكبر" السعودي بين دول مجلس التعاون، كان الإعلام السعودي "والقريب منه" نشيطا في إرسال البرقيات السريعة والمستعجلة والمكثفة بالدلالات الكثيرة (لا بالحقائق).

السلطنة، كانت كما هو متوقع منها وهي الأكثر تعتقا بتجربة الحذر والهدوء والتأني، فكان إعلامها بعيدا عن أي قراءات خارج النص، وكان إعلامها مرتاحا بانسجام مع فكرة بحث الجانبين "لسبل التعاون المشترك بين الطرفين" وليس أكثر!

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.