خلال زيارة سلطان عمان الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية
خلال زيارة سلطان عمان الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية

في الشرق، "أعني مشرقنا المنحوس ما غيره"، ذلك الذي حمل اسم الأوسط لفترة طويلة خلال عقود مضت، واليوم هو ذات الجغرافيا التي تقع شرق المتوسط، لا نقرأ التاريخ، بل ننتقيه انتقاء وبأجزاء تتناسب ورؤية "القيادات السياسية" الحكيمة، التي تفترض بقرار رسمي أنه ومن عندها - على تنوعها وخصوماتها وتناقضها- يبدأ التاريخ غالبا.

قراءة التاريخ - لا كتتابع اعتباطي للأحداث- ليست ترفا أكاديميا ولا استعراضا ثقافيا، بل ضرورة حيوية للشعوب كي تتمكن من فهم ذاتها وواقعها فهما جيدا واضحا يفسر كل الالتباسات.

في مقالي السابق عن سلطنة عُمان، لا أخفي حجم المتعة الشخصية التي تملكتني وأنا أخوض في قراءات هائلة، بل واستحضرت قراءات قديمة فكانت الإضاءات تتناثر أمام عتمة جهلي، وهو جهل بكثير الكثير.

كانت قراءة "عُمان" مصحوبة بفضول محاولات الفهم لتلك السلطنة القديمة، والبلاد الأكثر قدما في التاريخ، وكل تلك التحولات في كل تفاصيلها في المجتمع والدين والمعتقد والاقتصاد والعلاقات الداخلية والخارجية ونخب السلطة التي تعاقبت، والعلاقة مع الجيران.

قراءة عُمان، تطلبت قراءة شبه الجزيرة العربية بالمجمل، تلك العلاقات القبلية والمحكومة بعلاقات جذب وشد مع الإنكليز والفرس وشرق أفريقيا والبرتغاليين، وقبائل تسود وتحكم في مناطقها، منها ما اندثرت سيطرتها، ومنها ما توسع وصار دولة.

لكن، الأهم كان عندي قراءة تلك العلاقة بين عُمان، السلطنة التي لم تتزمت بالدين فكانت إمامتها إباضية بلا تشدد، والسعودية بدولتها الأولى والثانية والثالثة التي تحالفت سلطتها القبلية التي يقودها ابن سعود مع شيخ التزمت المتصلب محمد عبدالوهاب.

تلك العلاقة العدائية إلى حد الشراسة "بالضرورة" كانت دوما هي التي تحكم العلاقات بين البلدين بكل مراحل الدولة فيهما، وهما فعليا الأعرق بالوجود في شبه الجزيرة.

في الدولة السعودية الأولى، التي بدأت عام ١٧٤٤، وانتهت بسقوط عاصمتها الدرعية عام ١٨١٨ بيد إبراهيم ابن محمد علي باشا، نلاحظ أنها قامت بدعم إنجليزي في سياق تنافس "استعماري" محموم مع الند الفرنسي، كانت فرنسا "النابليونية" تدعم كل قبائل شرق المتوسط ضد الوهابية التي يدعمها الإنجليز.

المفارقة أن الدولة السعودية الأولى انتهت بعد 3 أعوام من نهاية بونابرت نفسه في واترلو على يد الجيش الإنكليزي.

كانت العلاقة مع "عُمان" إنجليزية أيضا، لكن بشكل مختلف، فقد كان العمانيون ومن خلال أسطولهم، ندا بحريا للإنكليز وامبراطوريتهم المعتدة بتفوقها البحري، بل إن العمانيين كانوا أيضا إلى حد ما دولة استعمارية امتد نفوذها إلى شرق أفريقيا وأطراف في أقصى آسيا وما بينهما ذلك الطريق البحري الذي يشرف على طرق الملاحة إلى درر مستعمرات التاج البريطاني.

تلك العلاقة الحدودية التي كانت دوما بين مد وجزر من المعارك والقتال بهدف السيطرة ونشر "الدعوة" من قبل الدولة السعودية الأولى بعقيدتها الوهابية المتشددة، مقابل دفاع عماني شديد البأس للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مجال حيوي جغرافي واسع خارج حدود عمان الطبيعية كحماية ذاتية، تلك العلاقة هي التي يمكن أن تقرأ منها وفيها أبجديات الفهم العماني في التعامل مع محيطها "الخليجي" والعربي، القائم على الاقتراب بحذر، وتوظيف السياسة بحدودها الممكنة فقط في خدمة الاقتصاد والتنمية.

بالنسبة للسعودية، في دولتها الثالثة الحالية، وبصيغتها الجديدة والمستحدثة التي تحاول فيها أن تتخلص من أساس شرعيتها السياسية - الدينية المتمثل بالتحالف التاريخي مع الحركة السلفية الوهابية، فإن العلاقة مع عمان تقع في باب إدارة الأزمات لا في باب العلاقات الاستراتيجية.

ربما قد ولى زمن "نشر الدعوة والعودة بالدين إلى السلف الصالح" وبقوة السيف كما كان المتشدد عبدالوهاب ينادي في دعوته المحمولة سياسيا وعسكريا عبر دولة وجيش ابن سعود، إلا إن العقل السياسي السعودي لا يزال يحمل تلك الثارات التاريخية والطموحات التي ترى الدولة السعودية في نفسها الحق بأن تكون القائد المهيمن، لا على المنظومة الإقليمية الخليجية وحسب، بل في شرق المتوسط كله.

--

زيارة السلطان هيثم بن طارق الأخيرة إلى المملكة السعودية التي احتفل بها الإعلام السعودي أكثر بكثير من احتفال الإعلام العماني "الهادئ بطبعه" كانت قراءاتها الحقيقية في برنامج الزيارة نفسه، الذي عنونه السلطان هيثم بزيارة مشروع نيوم الاقتصادي، وتلك برقية عمانية واضحة تعكس فكرة توظيف السياسة والدبلوماسية في خدمة اقتصاد عماني أعلن مطلع هذا العام تنفيذ رؤية استراتيجية تنموية لعقدين مقبلين (عمان ٢٠٤٠)، ومشروع نيوم السعودي يعكس رؤية سعودية يقودها ولي العهد المثير للجدل في كل شيء، نحو اقتصاد لا نفطي وتنموي واستثماري بحجم إقليمي أكبر تجلياته في البحر الأحمر( بكل دوله المطلة) من خلال مشروع نيوم.

القراءة الأكثر إمتاعا وتشويقا كانت في تصريحات إعلامية انطلقت من الدولتين، فبينما نشرت وسائل إعلامية محسوبة او مقربة من الجانب السعودي تصريحات "لمصادر دبلوماسية سعودية" قالت فيها ".. إن السلطان هيثم وصل إلى السعودية متحررا من الكثير من عقد الماضي في العلاقات بين البلدين داخل مجلس التعاون الخليجي وخارجه"!

بل واستكملت المصادر السعودية وهي دبلوماسية أيضا أن "السلطان الراحل قابوس كان يتصرف على أساس أنه داخل مجلس التعاون وخارجه في آن واحد. الآن السلطان هيثم يقطع في هذه الزيارة مع تلك المواقف".

هذا الرأي "الدبلوماسي السعودي " المسرب بعناية وعلانية للإعلام، لا يتفق معه رئيس تحرير وكالة الأنباء العمانية الرسمية، والذي حسب تصريحاته بنفسه واسمه المعلن قد استبعد تغير السياسة الخارجية في عهد السلطان هيثم، مذكرا بخطابه الأول الذي أكد على أنه سيسير على نهج السلطان قابوس.

وقال رئيس وكالة أنباء عمان، وهو لن يتحدث إلا بما يفكر به العقل السياسي العماني " كثير الحذر بطبعه"،  إن علاقة سلطنة عمان بمجلس التعاون "لم تتراجع على مدار تاريخ المجلس، ولا يمكن تفسير التحركات العمانية الجديدة بأنها أشبه بعودة إلى المجلس ثانية".

لقد كان اختيار الملف الاقتصادي مدخلا لمشروع علاقات جديدة بين عمان والسعودية بحد ذاته مخرجا آمنا من أي ملفات خلافية "وهي تاريخية وقديمة" بين البلدين.

طبعا، السعودية تبحث عن مدخل دبلوماسي آمن مع إيران، وهذا متوقع في ظل رؤية إدارة أميركية جديدة تفكر بتفاهمات أكثر عمقا وجدية مع إيران، وتعمل فعليا على الانسحاب من تفاصيل الشرق الأوسط.

الملف اليمني أيضا مصلحة سعودية، وهو مصلحة عمانية أيضا تتعلق بخاصرة موجعة لكن الرؤى المختلفة تبحث عن نقاط التقاء وتقاطع يمكن البدء منها.

كانت الزيارة السلطانية أكثر من بروتوكولية ولا تتوقف عند اللازمة الإخبارية العربية المعتادة التي تقول "وبحث الجانبان سبل التعاون المشترك بين الطرفين"، ولقد تم توظيف الزيارة بأجندة مختلفة سواء في السلطنة أو في المملكة.

المملكة، لم تمانع في توظيف الزيارة السلطانية أبعد قليلا عن محورها الاقتصادي التنموي، فعلى الهامش كان هناك توظيف لغاية المناكفات الإقليمية وإعادة ترسيخ فكرة "الشقيق الأكبر" السعودي بين دول مجلس التعاون، كان الإعلام السعودي "والقريب منه" نشيطا في إرسال البرقيات السريعة والمستعجلة والمكثفة بالدلالات الكثيرة (لا بالحقائق).

السلطنة، كانت كما هو متوقع منها وهي الأكثر تعتقا بتجربة الحذر والهدوء والتأني، فكان إعلامها بعيدا عن أي قراءات خارج النص، وكان إعلامها مرتاحا بانسجام مع فكرة بحث الجانبين "لسبل التعاون المشترك بين الطرفين" وليس أكثر!

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.