توافد عربي على واشنطن
توافد عربي على واشنطن

يصاحب شهر يوليو حركة دبلوماسية عربية نشطة إلى واشنطن، توجتها زيارة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى البيت الأبيض هذا الأسبوع بعد زيارات خليجية، سيلحقها زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يوم الاثنين.

الجولات العربية بدأت مع نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان أول الشهر، وبعدها المستشار الرئاسي لدولة الإمارات أنور قرقاش، ثم الملك عبدالله، فوزير خارجية قطر عبد الرحمن الثاني، وبانتظار الكاظمي هذا الاثنين.

لكل من هذه الزيارات خصوصيتها، فالأردن يحظى بموقع خاص نظرا للعلاقة القديمة والوطيدة بين الرئيس جوزيف بايدن والهاشميين، فيما زيارة الأمير خالد كان لها خصوصية دفاعية في قضايا بيع السلاح وقدرات المملكة. وبالمقابل كانت حرب أفغانستان الموضوع الأبرز مع الضيف القطري، وإيران واسرائيل مع الامارات، فيما ستتوسط القضايا الأمنية والاقتصادية زيارة الوفد العراقي.

هناك أيضاً مظلة جامعة لتوقيت وصول خمسة وفود عربية إلى واشنطن في غضون ثلاثة أسابيع، ترتبط بإدارة بايدن وتحددها ثلاثة خطوط:

أولاً.. انتهاء الإدارة الأميركية الجديدة من مراجعتها السياسية حول الدول المعنية التي سمع ضيوفها الأطر الاستراتيجية التي تحكم العلاقة الثنائية بينهم وبين واشنطن.

فخلافاً لدونالد ترامب، المعيار ليس تجارياً ولا عقائدياً. وفي حين قرر ترامب زيارة السعودية كأول محطة خارجية له في ٢٠١٧ بعد توقيع مذكرات تفاهم ضخمة لبيع الأسلحة، تتحرك إدارة بايدن بنمط أكثر بيروقراطية وتقليدية في رسم استراتيجيتها. إذ هناك اليوم أهداف عامة للمنطقة مثل مكافحة الإرهاب ومنع الانتشار النووي، وتحفيز الصداقات التقليدية، وكبح نفوذ روسيا والصين.

وأخذت الادارة الجديدة 4 أشهر لإعادة صوغ استراتيجيات تحدد العلاقة الثنائية مع هذه الدول. فبالنسبة للإمارات، حافظت إدارة بايدن على صفقة طائرات أف ٣٥، إنما حذرت أبوظبي من تعميق علاقتها الدفاعية مع الصين بشكل يتضارب مع هذه الصفقة.

ومع السعودية، سحب بايدن اليد الأميركية من حرب اليمن، وأبقى مسافة من ولي العهد محمد بن سلمان، إنما عمل على تثبيت الأطر التقليدية للعلاقة السعودية-الأميركية أمنيا واقتصاديا وسياسيا في أكثر من أزمة إقليمية.

هذه الزيارات تدشن عملياً انتهاء الإدارة من مراجعاتها وفتحها صفحات جديدة مع هذه الدول تختلف في سطورها وملامحها عن عهد ترامب، ولو لم يختلف المضمون كثيراً.

ثانيا.. الهدف من الزيارات استشارة هذه الدول حول قضايا إقليمية هامة أبرزها الاستراتيجية الأميركية في سوريا، المحادثات مع إيران، العلاقة مع إسرائيل والأزمة في لبنان.

إدارة بايدن تخوض جدلاً داخلياً حول موقفها من نظام الأسد. فهل ترضخ للواقعية السياسية -ريل بوليتيك- وتفتح قناة معه أو تتمسك بموقف أخلاقي بعزل النظام؟ لا إجابة أميركية بعد، وواشنطن ارتأت الإصغاء إلى ضيوفها العرب حول موقفهم من الأسد ونصيحتهم للبيت الأبيض.

هنا يبرز اتصال الرئيس العراقي برهم صالح بالأسد قبل أيام من وصول الكاظمي، فيما المواقف الأردنية والإماراتية وإلى حد أقل السعودية شجعت انفتاحا مشروطا.

بالنسبة لإيران، هناك مخاوف أميركية من انهيار المحادثات النووية وتأزم المواجهة الإقليمية مع طهران، وهناك تمسك بالدعم الامني للدول الصديقة واستماع وجهات نظر عن دورهم في أي اتفاق نووي مقبل.

إدارة بايدن استمرت بنهج ترامب بتشجيع دول عربية بتوقيع اتفاقات سلام مع إسرائيل، وهناك حديث جار مع عدد من الدول العربية، بينها السعودية، لركوب قطار الاتفاق الإبراهيمي. هكذا اختراق غير متوقع قريبا إنما يردده الأميركيون في محادثاتهم مع هذه الدول.

الزيارات العربية الخمس مؤشر علاقة تعاون واستشارات مفتوحة بين واشنطن والعواصم الإقليمية لنقل سياستها بشكل واضح، واستشارتها في مواقف حيوية بينها العلاقة مع الأسد. النهج يختلف عن الأربع سنوات الفائتة.. إنما مع غياب موقف عربي موحد من شتى القضايا يبقى التأثير ضعيفا ومشتتاً على الإدارة الأميركية.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.