الإعلام والدعاية.. جدل دائم
الإعلام والدعاية.. جدل دائم

إذا كان هناك من يريد أدلة على أن الخرافة والشعوذة موجودة أيضا في العالم المتقدم، وأنها ليست ماركة مسجلة مقتصرة على العالمين الثاني أو الثالث أو ما دونهما، فعليه ألا يذهب بعيدا.

محطة "فوكس نيوز" الأميركية باتت منذ سنوات متخصصة في نظريات المؤامرة ونسج قصص الخرافة وتقديمها لمشاهديها، سواء تعلق الأمر بوباء كورونا والحرب المقدسة على "الكمامات" أو "الحتمية التاريخية" لفوز الرئيس السابق دونالد ترامب في الانتخابات الأخيرة أو الحديث عن أساطير الدولة العميقة وتآمر المؤسسة الرسمية على الناس.. إلخ.

وفي القلب من هذا الجهد يأتي المذيع في المحطة "تاكر كارلسون" الذي تخصص في استنطاق الساحرات، ومن بين ما تفوه به مؤخرا هو أن إصرار من أخذوا التطعيم على ارتداء الكمامة يعد دليلا على أن اللقاحات لا تعمل وأن السلطات الصحية الأميركية تخدع المواطنين وتجبرهم على أخذ التطعيمات من دون داع!

البعض يقول بأن هذا التوجه مقصود، إذ أنه من أنجع الوسائل لرفع نسبة المشاهدين وتحقيق الأرباح وربط الجمهور بالتوجهات المحافظة للقناة، وهذا صحيح من وجوه كثيرة. فلا شيء ينجح أكثر من إثارة الغرائز البدائية لدى الناس واللعب على عاملي الخوف والطمع ومناهضة الحكومة.

لكنه بهذه الطريقة يكف عن أن يكون إعلاما، ويتحول إلى ماكينة دعاية حزبية، والفرق بين الإعلام والدعاية، هو أن الأول يسعى جهده لتقديم الأخبار والمعلومات الصحيحة ويترك للمشاهد أو القارئ حرية تشكيل قناعاته، بينما الدعاية تنطلق من قناعات مسبقة وتسعى لربط وتجميع كل ما يرد إليها من أخبار، وإذا اقتضى الأمر اختلاق بعضها، من أجل إثبات وتأييد تلك القناعات.

وأخطر أنواع الدعاية تلك التي ترتبط بأيديولوجية سياسية أو دينية. وهذا هو حال "فوكس نيوز".

والقول بأنه لا يوجد إعلام محايد، هي مقولة صحيحا بطبيعة الحال. فالكل يسعى للتأثير على المستهلك الإعلامي، لكن الفرق بين الانحياز أو عدم الحياد وبين الدعاية فرق صارخ. فالانحياز أهدافه متواضعة وتأثيره موضعي، يتعلق بهذه السياسة أو تلك. والأهم أنه لا يختلق الأخبار أو يزيف المعلومات، وإنما يسعى للتأثير بنفس الطريقة التي تمارسها الإعلانات التجارية، أما الدعاية فهي تتم انطلاقا من نية سيئة وهدف وتخطيط مسبقين لتوجيه المتلقي نحو نتيجة محددة.

وهناك في القواميس تعريفات مختلفة للدعاية، لكن جميعها تشترك في عدة أمور مثل الطريقة والهدف، ومن بين هذه التعريفات:

"نشر أفكار أو معلومات أو شائعات بغرض المساعدة أو الإضرار بمؤسسة أو قضية أو فرد".

وكذلك "نشر أفكار أو وقائع أو ادعاءات بصورة متعمدة لخدمة قضية فرد أو الإضرار بقضية معارضة"".

وأيضا "نشر معلومات - حقائق وحجج وشائعات وأنصاف حقائق، أو أكاذيب - للتأثير على الرأي العام".

وسائل الإعلام المنحازة في أي مجتمع لها ضررها بالتأكيد، لكن ضرر الدعاية والتضليل الإعلامي يظل أكبر بما لا يقاس.

وأوضح دليل على ذلك ما يجري حاليا في الولايات المتحدة، حيث يرفض أكثر من ثلث البالغين أخذ لقاح كورونا، تحت تأثير الدعاية المناهضة للقاحات وكذلك التضليل الإعلامي الذي حوّل القضية إلى صراع سياسي وأيديولوجي.

وقد اضطر موقع تويتر (يوم الاثنين 19 يوليو)، وللمرة الثانية، إلى تجميد حساب النائبة الجمهورية عن ولاية جورجيا المثيرة للجدل مارجوري تايلور غرين، التي سبق لها أن شبهت فرض لبس الكمامة بالهولوكوست، وذلك بعد أن نشرت تغريدات اعتبرها الموقع مضللة بشأن كورونا واللقاحات، حيث زعمت أن فيروس كورونا ليس خطيرا بالنسبة للأشخاص غير البدناء، ومن هم أكبر من 65 عاما، وأنه لا يتعين أخذ اللقاح لمن هم خارج هاتين الفئتين.

وبحسب تقرير صادر عن مركز مكافحة الكراهية الرقمية (CCDH) فإن الغالبية العظمى من المعلومات المضللة المضادة للقاحات كورونا، وكذلك نظريات المؤامرة في هذا الشأن، مصدرها 12 شخصًا من الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة الفيسبوك.

وقد حلل المركز 812 ألف منشور على فيسبوك وتويتر، ووجد أن 65% منها جاءت من هذه المجموعة التي يتبع حساباتها حوالي 59 مليون شخص.

ومن بين هذه المجموعة، يقول التقرير، يوجد أطباء يتبنون العلوم الزائفة، ولاعب كمال أجسام، ومدون صحي، ومتعصب ديني، وأبرز من في المجموعة هو روبرت إف كينيدي جونيور، ابن شقيق الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي، الذي ربط اللقاحات بمرض التوحد، كما ربط شبكات الاتصالات الخلوية من الجيل الخامس بجائحة فيروس كورونا!

والحال أنه من العبث محاولة السيطرة على نظريات المؤامرة، ومن غير المجدي إجبار الناس على عدم التصديق أو الإيمان فيها، فهي كانت وستظل موجودة كنمط من التفكير ويجب التعايش معه، لكنها تتحول إلى مشكلة حقيقية حين تجد هذه النظريات الدعم والتبني من قبل أشخاص رسميين أو نافذين أو مؤسسات معترف بها. حينها يصبح الأمر "غسيل أفكار".. تماما مثل غسيل الأموال!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.