Hezbollah supporters take part in a mass religious procession attended by the Shiite Muslim movement's Secretary Generel Hassan…
ظاهرة القمصان السود ليست احتكارا لبنانيا، بل أصبحت فاعلا عراقيا منذ سنوات

في 12 يناير سنة 2011 دخل سعد الحريري إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما رئيسا لوزراء لبنان وخرج من الاجتماع رئيسا سابق للحكومة اللبنانية، بعدما قامت المعارضة أو ما يسمى "محور الممانعة" الذي كان يمتلك الثلث المعطل داخل حكومة الحريري الثانية بالانسحاب منها تحت ذريعة تمويل المحكمة الدولية وتراجع التنسيق مع النظام السوري.

عرفت تلك المرحلة بفترة القمصان السود، وذلك نسبة إلى عناصر من حزب الله اللبناني تجمعت في نقاط حيوية داخل العاصمة بيروت كانت أشبه برسالة لكافة الأطراف السياسية بأن التسوية (السورية - السعودية) التي جاءت بالحريري قد سقطت، وبأن تسوية جديدة (إيرانية - سورية) ستفرض بقوة أصحاب هذه القمصان، حتى لو لا يمتلكون أغلبية نيابية تمكنهم من تسمية رئيس الوزراء الذي يريدونه.  

ظاهرة القمصان السود ليست احتكارا لبنانيا، بل أصبحت فاعلا عراقيا منذ سنوات، واستطاعت أن تفرض شروطها على الدولة ومؤسساتها، وتجاوز حضورها شقيقتها اللبنانية، وأصبحت تمتلك جزءا أساسيا من القرار الرسمي بمعزل عن حجم تمثيلها الشعبي والبرلماني، وتسيطر على حصة كبيرة من الثروة الوطنية، ما يجعلها أكثر شراسة من شقيقتها اللبنانية في الدفاع عن مصالحها الحيوية وارتباطاتها الإقليمية.

من المنطقة الخضراء إلى مطار بغداد الدولي، في طريقه إلى العاصمة الأميركية واشنطن سيحظى رئيس الوزراء العراقي بفرصة  لمعاينة تلك النقاط الحيوية في شوارع بغداد التي يمكن أن تشهد انتشارا لأصحاب القمصان السود، فكل شيء في العراق من قبل زيارته يتهيأ لما بعدها، وليس بالضرورة أن يحدث معه فعليا ما حدث مع رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري.

يسود الشارع العراقي حالة من القلق على مستقبل الاستقرار السياسي وكذلك الأمني، خصوصا أن مصير الانتخابات المبكرة بات مجهولا، وهذا ما يفتح باب التكهنات حول مصير الحكومة الذي يرتبط مباشرة بالاستقرار الأمني، الذي يفتح الجدل باتجاهين الأول تهديدات داعش والتي تتطلب استمرار تعاون العراق مع التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، والثاني الفصائل المسلحة التي صعدت من عملياتها ضد المصالح الدبلوماسية والعسكرية الأميركية في العراق.

لذلك سيجد الكاظمي نفسه في البيت الأبيض عالقا بين تعنتين إيراني وأميركي، الأول يعاني من ريبة القواعد الأميركية في خاصرته الغربية، وتراجع مستوى مفاوضات فيينا التي تنعكس مباشرة على الأوضاع الداخلية المضطربة التي بدأت في إقليم الأهواز العربي ويمكن أن تتمدد إلى أماكن أخرى، أما التعنت الأميركي فقد بدا واضحا بأن واشنطن لا تريد الانسحاب من العراق وبأنها ستبقى تحت مسميات أخرى لكي تحافظ على قوة حضورها ونفوذها، وبين هذا وذاك تصبح حكومة الكاظمي ومعها الاستقرار الأمني والعملية السياسية والانتخابات المبكرة تحت رحمة الاحتكاكات الخشنة التي قد تتصاعد حدتها بعد الزيارة وقد تؤدي إلى دورة عنف جديدة إذا أخطأ أحد الأطراف في حساباته.

في طريق العودة من واشنطن يستعد الكاظمي إلى مواجهة سياسية داخلية تنقسم إلى قسمين، الأول معركة الحفاظ على حكومته حتى إجراء الانتخابات في موعدها المبكر أو حتى إذا تم تأجيلها وهذا يحتاج إلى توافق أغلب القوى السياسية العراقية وخصوصا الأحزاب السياسية الشيعية والمسلحة منها التي ستدفع هذه المرة لإفراغ نتائج زيارته من مضمونها، وحتى لو استدعى ذلك مواجهة مباشرة مع الحكومة.

أما المواجهة الثانية فهي أمنية ترتبط بالأولى حيث يتعين على الحكومة ومؤسساتها وأجهزتها حماية إتفاقياتها الدولية، وحماية استقرار العراق، الذي يبدو فيه الوضع الأمني قاب قوسين أو أدنى من الانزلاق إلى فوضى يبدو أن أطرافا داخلية تراهن عليها من أجل حسم خيارات العراق السياسية والانتخابية وتسقط ما يمكن اعتباره التسوية التي أوصلت الكاظمي أو تضع تاريخا لإنهاء صلاحيتها.

وعليه لا تبدو واشنطن معنية بتفاصيل العملية السياسية، وهي تركت لنفسها التعامل مع خيارات استراتيجية، لذلك تقوم بضربات تكتيكية تزيد أعباء الحكومة، في المقابلة تشدد طهران وتراهن على ما تسميه بفصائل "المقاومة" في  إجبار "الاحتلال" الأميركي على الانسحاب من العراق كما جاء على لسان مرشد الجمهورية، وهذا ما يدفع أصحاب القمصان السود إلى الانتشار في شوارع بغداد التي سيسلكها رئيس الوزراء العائد من واشنطن.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.