في العراق تبدو الهجمات الإرهابية محاولة عبثية لزيادة الفوضى
في العراق تبدو الهجمات الإرهابية محاولة عبثية لزيادة الفوضى

قد لا تكون أخبار حوادث التفجيرات التي تتبناها الجماعات الإرهابية وتحصد أرواح الأبرياء حدثاً جديداً في العراق، لأنَّ حكايات الموت في بلد مثل العراق أصبحت خبراً عادياً.

فمَن لا يكون ضحيّة للهجمات الإرهابية بسيارة ملغومة أو بانتحاري يفجّر نفسه في الأسواق، أو بعبوةٍ ناسفة مزروعة على قارعة الطريق، قد يواجه الموتَ نتيجة تراكمات الفساد والفشل التي دمّرت البُنى التحتية وأهمّها المستشفيات التي تحوَّلت إلى مكان للموت حرقاً بدلاً من اكتساب الشفاء! 

ورغم أنك تشاهد مظاهر الانتشار الأمني في الشوارع، والحواجز الأمنية في مداخل المدن، لكنّك تشعر بأنَّ وظيفتها ليست لحمايتك بالقدر الذي توحي بأنَّ وجودها هو للتضييق على تحركات المواطنين الذين بات عليهم الانتظار طويلاً في طوابير السيارات بانتظار الوصول إلى حاجز التفتيش الأمني، والذي ينتهي بسؤال ساذج: (من أين تأتي، وإلى أين تذهب؟) و(هل تحمل سلاحاً؟) 

الأمن في العراق لا يزال يدار بطريقة تقليدية جداً، فهو يعتمد على الانتشار الأمني المكثَّف في محاولة لمواجهة الخروقات، أكثر من اعتماده على الخطوات الاستباقية التي تحبط العمليات الإرهابية أو على الأقل تحدّ من أضرارها. وغالباً ما نجد الإجراءات الأمنية تأتي لاحقة لحدوث الخرق الأمني وليس سابقة له. 

رغم ذلك، موضوع الأمن في العراق لم يعد مشكلة لخلل بنيوي في إدارة الأزمات الأمنية فحسب، وإنما هو موضوع يتداخل ويتشابك مع أزمات النظام السياسي، ويعبّر عن عجز الحكومات في مواجهة التحديات الأمنية، رغم أنها تتكرر بنفس الطريقة والأسلوب.

والمفارقة الأكثر تعقيداً، هي الترابط بين الخلافات السياسية والهجمات الإرهابية، إذ غالباً ما تكون توقيتات العمليات الإرهابية مرتبطة بتصاعد الخلافات السياسية أو قد تحمل رسائل معيّنة باستهداف مناطقة محددة. ولكن المشكلة الرئيسة تبقى أن المواطن المغلوب على أمره يكون هو الضحية وهو مَن يدفع الثمن! 

الهدف أو الغاية من استهداف تجمعات المواطنين الأبرياء كان يعتبر من بين أهم استراتيجيات الجماعات الإرهابية في تحشيد السخط على الحكومات وإثبات عجزها عن حماية مواطنيها، وبالنتيجة هي محاولة لجعل الحكومات في موقف محرج. وفي مفهوم الحركات الإسلامية المتطرّفة كان المبرر في استهداف المواطنين هو أنهم لم يعترضوا على حكوماتهم التي (لا تطبّق شريعة الله)، وينطلق هذا التبرير من مقولة: (من رضي بعمل قوم حشر معهم). 

وفي العراق تبدو الهجمات الإرهابية محاولة عبثية لزيادة الفوضى، فهي لم تعد تستهدف الحكومات التي تتحصن بأسوار المنطقة الخضراء والمؤسسات الحكومية ولا مقرّات الأحزاب السياسية، ولا حتى مقرّات القوى والجماعات المسلّحة التي تعلن عن محاربتها ومخالفتها، وإنما تركز هجماتها على تجمعات المواطنين في الأسواق! لذلك نجد الحكومةَ والقوى السياسية وجيوشهما الإلكترونية بدلاً من أن تكون في موقف محرج بسبب العجز والفشل في حماية المواطنين، باتت تستفيد من الهجمات الإرهابية وتحولها إلى دعاية سياسية لحرف الأنظار عن مشاكل سياسية وأمنية واقتصادية تعصف بالبلاد! أو في الجانب الآخر هنالك خطاب سياسي يحاول تحشيد الرأي العام باتجاه عودة الطائفية. 

ما أريد أن أقوله هنا، ليس محاولة للربط بين الهجمات الإرهابية والحكومة والقوى السياسية على أساس نظرية المؤامرة، بل أريد التأكيد على أن حكوماتنا لا تترك فرصة إلا وتعمل على استثمارها لصالح تبرير فشلها وإخفاقها في القيام بواجباتها.

وهذا يؤكد بأن الحكومة بارعة جداً في استنكار الهجمات الإرهابية ولكنّها تتنكر عن تحمل مسؤولية إحباطها أو إفشالها قبل وقوعها!

ويبدو أن الجماعات الإرهابية تقدّم خدمة مجانية للحكومة عندما تستهدف الأبرياء! فهي تساعدها في صرف الأنظار عن الإخفاقات في الجوانب الخدميّة، كما استفادت حكومة الكاظمي من حادثة التفجير الإرهابي الأخير في سوق شعبي في مدينة الصدر. كون هذا الحادث صرف الأنظار عن حادثة حريق مستشفى الحسين في محافظة الناصرية، والذي راح ضحيته عشرات المرضى حرقاً.

وبدلاً من أن يكون هذا الحادث فرصة لفتح ملفات الفساد وهدر المال العام الذي يتسبب في انهيار المؤسسات الصحية، تعاملت الحكومة باعتبارها مؤسسة مجتمع مدني تنتقد وتصف مستوى الخراب في مستشفيات العراق!

لم تكن الحكومة فحسب مستفيدة من توجيه الرأي العام، وإنما قوى سياسية استغلَّت الفرصة لترويج خطاب طائفي يوحي بأنَّ هذه العمليات الإرهابية تأتي من منطقة (الطارمية) شمال بغداد، وهي تستهدف المناطق الشيعية. فهذا الخطاب الطائفي يحاول التركيز على بقاء مصدر التهديد من المناطق السنية للتحشيد الانتخابي أو تبرير وجود جماعات السلاح الموازي للدولة، والتي تبرر وجودها ببقاء تهديد تنظيم الداعش الإرهابي في حواضن مناطق حزام بغداد.

المستفيد الأول والأخير من تصاعد أعمال العنف، سواء أكانت نشاطات الجماعات الإرهابية أو عمليات الخطف والاغتيالات من بيده زمام الحكم في العراق، فهذه العمليات قد تكون فرصة لتأجيل الانتخابات التي يفترض أن تكون مبكّرة في أكتوبر القادم. والخاسر الأوّل والأخير هو المواطن الذي يُترَك في مواجهة الجماعات الإرهابية وجماعات السلاح المنفلت وحيداً ينظر حتفه، فهو أصبح مجرد رقم في أعداد الضحايا الذين يفلت قاتلوهم من العقاب.

وعندما يستشهد على يد عصابات السلاح أو الإرهابيين أو ضحية لفساد وفشل الحكومات عندئذ قد تتكرم عليه الحكومة وتمنحه حقوق المواطنة باعتباره شهيداً! فأيّ بؤس هذا في بلد لا يمكن أن تتمتع بحقوقك إلا بعد أن تنال الشهادة! 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.