معركة الانتخابات القادمة ستكون معركة حياة أو موت
معركة الانتخابات القادمة ستكون معركة حياة أو موت

لا شك أن الوضع الميداني على الأرض يبرهن يومياً عن التغيير الكبير الذي طال فئات وازنة من الشعب اللبناني. وآخر تمظهرات هذا التغيير صعب الإنكار الفوز الكاسح للائحة "النقابة تنتفض" في انتخابات نقابة المهندسين. وذلك بالرغم من الحرب الشعواء والإشاعات والأخبار الكاذبة التي شنتها أحزاب السلطة. أهل السلطة يتخاصمون ويتراشقون التهم ويفتعلون المعارك، بهدف إبقاء الاصطفافات المذهبية والدينية والسياسية بين محازبيهم، ولكي يحصل كل منهم على حصة وزانة من كعكة النهب المستمر.

لكن صفوفهم تتراص كتلة واحدة عند كل استحقاق انتخابي أو مواجهة مع قوى الثورة.

لكن هذا الفوز سيضع قوى التغيير أمام امتحان جدي لمدى قدرة النقابة الجديدة على التغيير الحقيقي في التعامل مع السلطة لإحداث الفرق. وهو امتحان لقدرتها على كسر الاحتكارات كما على فرض احترام القوانين وتطبيقها. فهذه النقابة تمثل مصالح آلاف المهندسين، ومنهم مقاولون كبار لديهم قدرات مالية وازنة؛ إذ أن جميع الرخص والمشاريع الإعمارية لا بد ان تمرّ عبرهم. كما أنهم من أهم المودعين في المصارف اللبنانية. لذا سيكون نموذج أدائهم شديد الأهمية، في حال نجاحهم في الضغط على السلطة السياسية كضبط الأملاك البحرية وجميع المخالفات المماثلة كنموذج. وللضغط على المصارف، لجهة إعادة أموالهم والمودعين.

كما أن لنجاح الشيعي عارف ياسين، المغرد خارج سلطة الثنائي الشهير، كما نأمل، على رأس النقابة، فمؤشر إلى استعادة المستقلين الشيعة لدورهم الرائد في التغيير وفي إعادة إحياء دور لعبه طيب الذكر حبيب صادق الذي تخلت عنه أحزاب السلطة، التي كان مفترض أنها سيادية، لصالح الثنائي. فأضعفت الشيعة المستقلين وهمشتهم كما أضعفت السياديين وانتهى الأمر بهم إلى الخضوع والإتيان بمن فتح علينا أبواب جهنم.

يستعجل البعض في الاستنتاج أن الانتخابات النيابية القادمة قد تسلك نفس الطريق. فهل هذا دقيق حقاً؟ وهل يمثّل متوسط جمهور المهندسين متوسط جمهور الناخبين اللبنانيين؟ الإجابة لا كبيرة بالطبع. بالإضافة الى أن أي انتخابات قادمة ستحصل مع القانون الراهن وفي ظل شروط الاقتراع المعروفة، من تزوير ومال سياسي في ظل الانهيار، سيكون النجاح فيها لأحزاب السلطة، وعلى رأسها الثنائي الشيعي. ما يعطي حزب الله، وإيران من خلفه، شهادة "الشرعية" على غرار انتخابات الأسد.

التقيت مؤخراً صديقاً ينتمي لأسرة جنوبية متمرسة في خوض الانتخابات البلدية والنيابية ودهاليزهما. فأعطاني موجزا نموذجيا عن كيفية إدارة الانتخابات وكيفية توزيع الأقلام وما شابه.

في مناطق الثنائي معظم المخاتير ورؤساء البلدية من أزلامهم بالطبع، وهم حشوا الإدارة بموظفين أتباع، ونفوذهم في الحكومة والإدارات معروف. وهذا ينطبق على مناطق أحزاب السلطة الأخرى ولو أن التنوع أكبر في المناطق المسيحية خصوصاً.

توزع الأقلام في العادة على العائلات، لكل عائلة كبيرة قلم تقترع فيه، ما يجعل الرقابة أوثق وأكثر فاعلية، فهم "منهم وفيهم". ومراقبو الأقلام هم من الاساتذة والموظفين الذين "عينت" معظمهم الثنائية. فسوف ينفذون أوامر رعاتهم، أيضاً "بشوفوا خاطر" من لا ينتمون لهم.

بذلك يصبح سهلاً اقتراع المتوفين والمهاجرين، والتلاعب وعرقلة اقتراع الخصوم بزعم أن البطاقة غير مستوفية للشروط! ومن سوف يكلف نفسه بالذهاب إلى دائرة نفوسه في نفس اليوم وفي مركز القضاء لتصحيحها؟ 

ثم في نهاية اليوم يمددون الاقتراع لمن لا يزال في المركز. وهنا تحصل عمليات التزوير الكثيفة، فيفتح باب خلفي ويدخل منه مقترعين غير مستوفين الشروط أو من سبق واقترع إلخ... في الانتخابات الماضية سمح وزير الداخلية بتمديد الاقتراع إلى منتصف الليل في البقاع!! أين يمكن أن يحصل ذلك؟؟؟ يصبح مفهوماً أن بعض المرشحين المستقلين والسياديين لم "يقترعوا" حتى لأنفسهم، في بعض المناطق وعلى جميع الأراضي اللبنانية؛ أو أن عدد المقترعين فاق أحياناً عدد المسجلين رسمياً.

قبل هذا وذاك، لدينا قانون الانتخاب بعوراته التي جعلت كل عملية الانتخاب من دون معنى. إن لجهة التقسيمات الإدارية، من محافظات وأقضية وإلصاق مناطق بعيدة عن بعضها جغرافيا لتجميع الأصوات لمصلحة طرف معين، وإن لجهة اللوائح وكيفية تشكيلها، بحيث على الشخص أن يترشح قبل أن يجد لائحة تضمه، مع أن اللوائح تتشكل حول برنامج معين واضح. ناهيك عن الصوت التفضيلي الواحد، الذي يمكّن أحزاب السلطة من تجيير الأصوات لمرشح ضعيف. فهم يحشدون لبعضهم البعض بتبادل أصوات ناخبيهم في مناطق معينة لإيصال مرشح "الخصم"!! وهكذا دواليك.

لهذا سبق لأنطوان مسرّة أن طعن بشرعية قانون الانتخاب نفسه وقدم مخالفة نشرها في الجريدة الرسمية. كما درس نموذج انتخابات دائرة بيروت الثانية، حيث تغيرت نتيجة الاقتراع بعد صدورها رسمياً، فطعن فيها. فهو قانون طبق على قياس الطبقة المسيطرة ولم يراع نفس المعايير في التوزيع المناطقي، ولا في تشكيل اللوائح.

إن معركة الانتخابات القادمة ستكون معركة حياة أو موت والشاهد شراستهم في انتخابات نقابة المهندسين.

وعليه، وإذا قدّر لهذه الانتخابات أن تحصل، لأن الانهيار المستمر قد يعيقها ولأن من مصلحتهم إلغاءها على عادتهم، فسوف تكون إحدى مهامنا الكبرى الضغط بجميع الوسائل لتعديل قانون الانتخاب بما يضمن صحة التمثيل.

في جعل الصوت التفضيلي صوتان.

تطبيق القانون لجهة الميغا سنتر والبطاقة الالكترونية، لتأمين حرية الناخب بعيداً عن التهديد والرقابة.

الانضمام إلى اللوائح على أساس برنامجها المعلن.

 تأمين رقابة دولية حقيقية وفاعلة. فالمطلوب من الدول الكبرى الضاغطة لإجراء الانتخابات والراغبة بالمساعدة مشكورة، أن تؤمن الشروط التي ستسمح بالتغيير. مطلوب رقابة دولية دقيقة عبر الأمم المتحدة لضمان نزاهة الانتخابات. وإذا لم ننجح في فرض تطبيق هذه الشروط نكون قد أعطينا غطاء شرعياً إضافياً للمحتل كي يتبجح في أنه يمثّل اللبنانيين وينطق باسمهم.

الشعب اللبناني مهدد في حياته ولبنان مهدد في وجوده، كلاهما يحتاج إلى حماية ورعاية دوليين. والانهيار هدفه إيصالنا الى مؤتمر تأسيس ما يحقق ما سبق وصرّح به السيد نصرالله في مقابلة مع صحيفة "الخليج" الإماراتية في مارس 1986:
"لا نؤمن بدولةٍ مساحتها 10452 كيلومترًا مربعًا في لبنان، بل يستشرف مشروعنا لبنان في إطار خريطة سياسية لعالمٍ إسلامي لا وجود فيه لخصوصيات الدول، إنما تُصان فيه الحقوق والحريات وكرامة الأقليات".
ونحن نجرب العيش الآن في صميم الحريات والكرامات وحقوق الأقليات الموعودة، التي ليست سوى جهنم دون قعر.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.