الاحتلال احتلال حتى وإن صدر عن صديق أو شقيق
الاحتلال احتلال حتى وإن صدر عن صديق أو شقيق

سئم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من "عبثية المفاوضات" بين شطري جزيرة قبرص، وهو أعلن أنه لن ينتظر خمسين سنة أخرى، في مفاوضات حول "الفيدرالية" و"الدولة الواحدة"، مقدماً مقاربة جديدة لحل الأزمة، قوامها "حل الدولتين"...وهو حرص في الذكرى السابعة والأربعين للغزو التركي لشمال الجزيرة، على إعادة طرح هذه المقاربة، وبقوة، وأمام عرض عسكري ضخم، أقيم فوق أراض محتلة لقبارصة يونانيين، فيما سماء الشطر الشمالي، كانت تعج بطائرات "إف 16" المقاتلة، في استعراض قوة وفرد للعضلات، ووقف إلى جانبه، أرسين تتار رئيس قبرص التركية، التي لا يعترف بها أحدٌ، غير أنقرة، وهو الذي حظي بدعم قوي من إردوغان و"المستوطنين الأتراك"، باعتباره يجسد النزعة الانفصالية للشمال، على حساب تيار أكثر نفوذاً وسط السكان الأصليين، ويدعو لحل سياسي لأزمة الجزيرة المنقسمة، يحفظ سيادتها وحدتها الترابية، ويصون تعدديتها الثقافية والاثنية.

إردوغان وحزب العدالة والتنمية، ذو المرجعية الإسلامية، ليسا مسؤولين عن الغزو ولا عن التقسيم الجغرافي لجزيرة، فقد حصل ما حصل قبل وصولهما إلى السلطة بربع قرن، جنرالات تركيا وعلمانيوها وقوميوها، هم من اتخذ قرار الحرب، وهم من نشر القواعد العسكرية، وهم من توسعوا باحتلال مدن يونانية وقسّموا العاصمة، وهم من هجّر الألوف من السكان، وهم من زرع المستوطنين الأتراك، وتحديداً من "ذوي الأسبقيات" في الشطر الشمالي، وهم من نشر "الكازينوهات" المحظورة في تركيا، وفي الشطر الجنوبي من الجزيرة بالمناسبة (سمح مؤخراً بإنشاء أول كازينو في ليماسول)... لكن إردوغان وحزبه الحاكم، لم يفعلا شيئاً مغايراً طوال العقدين الأخيرين، برغم أنهما حاولا "عكس" سياسة تركيا الداخلية والخارجية، وتصفية إرث المرحلة الكمالية، في مختلف المناحي وإن بتدرج في غالب الأحيان.

بل على العكس من ذلك تماماً، فقد شهدنا، ومنذ انهيار محادثات أنقرة مع بروكسل من أجل عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، حيث كان موقف تركيا من الأزمة القبرصية، أحد أسباب عرقلة هذه المحادثات (ليست السبب الوحيد بالطبع)، شهدنا تصعيداً في وتيرة  النزعة الانفصالية عن "قبرص الرومية" كما تسمى بالقاموس التركي، وهي النزعة التي ستتعاظم وتتفاقم مع تتالي عمليات الكشف عن "الهيدروكربون" على سواحل الجزيرة في حوض شرق المتوسط برمتها، ما أغرى أنقرة بإبداء اهتمام أكبر، بالبقاء في الجزيرة، وتعزيز وجودها العسكري، والمضي في سياسة تغيير طابعها الديموغرافي، حيث تتفاعل في شمال الجزيرة عدة هويات، أهمها المواطنون الأصليون والوافدون من مختلف المحافظات التركية منذ العام 1974.

العالم ، ولأسباب مختلفة، استقبل بكثير من الرفض والتحفظ، فكرة "حل الدولتين"، قبرص واليونان، في طليعة المنددين والرافضين، وهذا أمرٌ مفهوم، سيما بعد إعلان إردوغان – تتار عن إعادة افتتاح منتجع فاروشا التابع لمدينة فماغوستا اليونانية المحتلة، المغلق منذ الغزو والتقسيم، وبالضد من القرارات الدولية، الاتحاد الأوروبي، كمنظومة وبعض دوله الأعضاء الكبرى، رفضت الفكرة فوراً ونددت بها، وكذلك فعلت إدارة بايدن، فيما موسكو التي ترتبط بعلاقات "نفعية متبادلة" مع تركيا، لن تتخلى عن روابطها "الأرثوذكسية" لا مع أثينا ولا مع نيقوسيا. 

ومع إصرار إردوغان، وتابعة تتار، على نفض اليد من المبادرات الأممية لتوحيد الجزيرة، وبناء نظام فيدرالي يكفل لمكوناتها حقوقاً متساوية، وإصرارهما على التقسيم و"حل الدولتين"، من المحتمل أن يحال الملف برمته إلى مجلس الأمن الدولي، ليصدر عنها، كما هو مرجح للغاية، قرار جديد، ليس في صالح تركيا ولا الشطر الشمالي، الذي انحصرت صلة اتصاله بالعالم الخارجي خلال نصف القرن الأخير، ببوابة إسطنبول.

تتميز مواقف الغرب كما تركيا، من "المسألة القبرصية" مقارنة بـ"المسألة الفلسطينية"، بقدر هائل من "ازدواجية المعايير"... الغرب يرفض الاعتراف بدولة للشطر الشمالي، مع أنها دولة قائمة لا ينقصها سوى الاعتراف فقط، وقد مضى على هذا الحال، قرابة نصف القرن، وهو عاقب تركيا، ومستعد لفرض المزيد من العقوبات عليها، على خلفية هذه الأزمات و"توابعها"، وانتصاراً لدولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي، وفي حلف "الناتو"، فيما لم تشفع لتركيا عضويتها في الأطلسي، ولا خدماتها الجليلة لها الحلف، الممتدة لليوم وغداً (كما في مشروع إبقاء قوات تركية في مطار كابل بطلب واشنطن وبالتنسيق معها)... بعض المراقبين والمحللين الأتراك والعرب، لا يستبعدون مُحقّين، "البعد الديني"، المسيحي – الأرثوذكسي في تصميم الموقف الغربي (والروسي كذلك) من المسألة القبرصية.

بالطبع هناك فيض من المبررات والأسباب والحجج (وبعضها دامغ)، التي تحول دون قبول المقاربة التركية، منها الغزو العسكري، واحتلال أراضي الغير بالقوة، وزرع المستوطنين الأتراك الذين تحولوا إلى عقدة في منشار الحل السياسي، وتغيير الأمر الواقع بالقوة القهرية للمحتل، بما في ذلك الطابع الديمغرافي، وغير ذلك من أسباب وموجبات، تجعلك تعتقد أن الحديث يدور عن القدس والضفة الغربية.

لكن في المقابل، تبدو جميع هذه المبررات والموجبات، معطلّة في الحالة الفلسطينية، فالفلسطينيون سكان البلاد الأصليين، وبرغم ركام القرارات الدولية ومشاريع التقسيم بخصوصهم، ما زالوا يجاهدون في سبيل انتزاع حقهم في تقرير مصير، ومنذ مئة عام، ومن دون جدوى... مساحة دولتهم تتقلص كل بضعة عقود، وما تبقى لهم من أرضٍ، مزروع بمئات المستوطنات ومئات ألوف المستوطنين، والغرب، كما الشرق، يكتفي بتقديم دعم لفظي لحقهم في دولتهم، ولا يفعل شيئاً غير أنه "يلوك" منذ عقود عبارة "حل الدولتين"، والتي تتحول سنة إثر أخرى، إلى وسيلة للتغطية على الاستيطان والضم الزاحف وابتلاع الحقوق وتهويد القدس الشرقية و"أسرلتها".

قلنا أن "ازدواجية المعايير، لا تقتصر على المواقف الغربية من المسألتين القبرصية والفلسطينية، فالأتراك بإجماع أحزابهم، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مُبْتَلون كذلك بالمعايير المزدوجة، فهم جاءوا إلى الجزيرة غزاةً في ظل حكومة حزب الشعب الجمهوري (الأتاتوركي)، بحجة منع "قبرص الرومية" من الالتحاق بغريمتهم التقليدية: اليونان، لكنهم لم يفعلوا طول خمسة عقود، سوى تكريس التحاق الشطر الشمالي بتركيا، وأحياناً بالضد من إرادة غالبية القبارصة الأتراك أنفسهم، ومشروعهم اليوم: حل الدولتين، لا يستهدف في التحليل الأخيرة، سوى تحويل الشطر الشمالي من الجزيرة إلى قاعدة متقدمة للعسكر والنفط والغاز، تكرس الحضور الإمبراطوري لتركيا في شرق المتوسط.

هم ينتقدون بتفاوت، بالأخص الحزب الحاكم ورئيسه، سياسات إسرائيل كدولة احتلال لفلسطين، لكنهم ينسون أنهم قوة احتلال في الشطر الشمالي، وأنهم يقيمون قواعدهم واستثماراتهم فوق أراضٍ محتلة، وأن مدن القبارصة اليونانيين، قد زرعت بالمستوطنين الأتراك، الذين حلّوا في منازل المهجرين والنازحين إلى الشطر الجنوبي، وأنهم شيئاً فشيئاً يسعون في طمس الإرث الثقافي والاجتماعي لهذه المنطقة، تماماً مثلما يفعلون في بعض مناطق شمال غرب سوريا هذه الأيام، وعمليات "الهندسة الديموغرافية" التي تجري فيها، تقتفي آثار الطريق الذي اختطته تركيا في شمال قبرص.

الاحتلال احتلال، حتى وإن صدر عن صديق أو شقيق، ولنا في تجربة الغزو العراقي للكويت وتداعيات الكارثية على البلدين والمنطقة والأمة العربية، ما ينهض شاهداً على ما نقول، مع أن البلدين ينتميان للقومية ذاتها، وللدين ذاته، ويتوزعهما المذهبان الرئيسان في الإسلام، وعشائرهما موزعة على خطوط الحدود المرسّمة بين البلدين الجارين... والاحتلال احتلال، حتى وأن جاء في بواكيره باستدعاء رسمي أو شبه رسمي من قوى محلية منخرطة في حرب أهلية، فبقاء الاحتلال لكل هذه الآجال الطويلة، يخفي أطماعاً مستترة، ويبدد فرضية العون الأخوي، ويفقده أية "شرعية" من أي نوع. 

فما بالك حين ينتهي الاحتلال إلى "الضم" كما في حالة الكويت مع العراق قبل ثلاثة عقود (المحافظة 19)، أو إلى "إلحاق" كامل، كما في حالة الشطر الشمالي لقبرص مع تركيا، الممتد لخمسة عقود، وما رافق الاحتلالين، على اختلاف أمادهما وأجالهما، من عمليات تغيير للواقع القانوني أو التاريخي، و"هندسات ديموغرافية" وفبركات لنظم سياسية عميلة ومرتبطة وجودياً بالمحتل.

التجربة الفلسطينية مع الاحتلال، لا تقارن بأي صيغة من الصيغ مع التجربتين المذكورتين، فالاحتلال لم يصدر عن صديق أو شقيق، ونهض على فرضية إنكار وجود الشعب (أرض بلا شعب)، وادعاء "حق إلهي لشعب بلا أرض"، وعمل منذ بواكيره الأولى، لا على سرقة الأرض والحقوق فحسب، بل وطمس المعالم الثقافية والتاريخية، ومصادرة التراث الحضاري لسكان البلاد الأصليين، وتحويلهم إلى جاليات منقوصة الحقوق، وعرضة يومياً لاستلاب منازلها وتدميرها وتهجير سكانها، إلى غير ما هناك من مظاهر تمييز عنصري تناولتها بالتفصيل، منظمات حقوقية أميركية وإسرائيلية وأعضاء في الكونغرس والبرلمانات الأوروبية، بعد أن ملّ الفلسطينيون من فرط تحذيراتهم من نظام "فصل عنصري" يفرض عليهم في مختلف أماكن تواجدهم.

النظر بعقل بارد للجدل الدائر بين تركيا من جهة والمجتمع الدولي بعمومه من جهة ثانية، حول "حل الدولتين" للأزمة القبرصية، يبرر شكوكنا في النيّات التركية، ليس لأنه نتاج وقائع مفروضة على الأرض بقوة الاحتلال، بل ولأنه يزرع بذور صراع لخمسين سنة قادمة... ونرى أن من الأفضل للسيد إردوغان أن ينتظر خمسين سنة قادمة من المفاوضات والمبادرات السياسية، على أن يغرق ويُغرق بلاده والمنطقة، لخمسين سنة أخرى، في صراعات لن تتوقف شراراتها على الجزيرة المتوسطية.

إن من يجيز استقلال "قبرص التركية" عن "قبرص الرومية"، بالاستناد إلى الحقائق المفروضة بقوة الاحتلال وبالضد من "اتفاقية جنيف الرابعة"، ومرجعيات عملية سلام الجزيرة، سيعدم الحجة في مقارعة الحجج والذرائع التي تسوقها إسرائيل للاحتفاظ باحتلال للقدس والضفة الغربية، بل وسيجد صعوبة في تفنيد الفرضيات المؤسسة لـ"صفقة القرن"، والتي تجاهلت الشرعيات والمرجعيات والقرارات الدولية، وبنت خرائطها على "الأمر الواقع" المفروض بقوة الدبابة والجرافة.

وأن يكون أغلب سكان قبرص الشمالية من المستوطنين الأتراك، لا يبرر استقلالها، تماماً مثلما أن وجود 700 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة والقدس، لا يبرر "صفقة الضم" وخرائط جارد كوشنير الافتراضية... والوجود العسكري التركي في شمال قبرص، لا يعطي السيد إردوغان "الحق" في إدارة الظهر للشرعية الدولية، تماماً مثلما أن الوجود الاحتلالي العسكري لا يعطي لإسرائيل "الحق" في إدارة الظهر للشرعية الدولية في فلسطين، هذا إن تحدثنا بلغة الشرعيات والمرجعيات والقرارات الدولية.

أما إن تحدثنا بمنطق القوة، وليس بقوة المنطق والشرعية، فإن الخلاصة من أسفٍ: أن فرص تركيا في فرض "حل الدولتين" لقبرص، تبدو أعلى بكثير، على صعوباتها، من فرص المجتمع الدولي في فرض "حل الدولتين" في فلسطين... ومن سخريات القدر، أن القبارصة الأتراك، سكان البلاد والوافدين، يتجهون لحل الدولتين، فيما سكان البلاد الأصليين في فلسطين، المقيمين والعائدين كذلك (المقصود بعد 1994)، يجدون أنفسهم متجهين لحل "الدولة الواحدة"، بعد أن تقطعت السبل بـ"حل الدولتين"، إن بفعل الاستيطان والضم والتهويد والأسرلة، أو لأسباب تتصل بالضعف الفلسطيني والعجز العربي والتواطؤ الدولي.  

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.