عطش في خوستنان الإيرانية يشعل غضبا واسعا
الجوع.. الخطر المقبل

"بعد الماء ثمة إمكانية كُبرى لانقطاع خُبز"، ليس هذا برأي أو موقف أو حتى جُملة من سيناريو مسرحية تراجيدية، بل جُملة مُقتضبة من حديث مؤخر لرئيس "جمعية أصحاب الأفران" في العاصمة الإيرانية طهران.

في ثنايا هذه الجُملة، والكثير التي يطابقها على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعية الإيرانية، ثمة طاقة من القسوة تشبه عبارات الوعيد التي كانت تزخر بها الكتابات الإغريقية القديمة، حينما كانت الآلهة تُهدد المُعترضين على إرادتها، بقطع أشكال الحياة عنهم.

لكن الإيرانيين بمعنى ما خاضعون لإرادة حاكميهم، الأغلبية المُطلقة منهم على الأقل، في المجال الظاهر ولو حسب الحد الأدنى، وإن لأسباب قاهرة وعلى رأسها استحالة التغيير، كما ظهر كنتيجة لأكثر من هبة شعبية معارضة، منذ العام 2009. ومع ذلك، فأن السُلطة الحاكمة تُفقد هؤلاء الناس أسباب الحياة، عبر قطع إمكانية الاستمرارية البيولوجية، وإن دون حقوق سياسية ومتطلبات إنسانية أكثر رهافة ورفاهة من ذلك.

في الأمر ما يشبه العلاقة السببية الحتمية، التي تثبت نفسها في أمثلة يومية كُبرى في مختلف مناطق العالم، من إيران إلى كوبا، ومن الدولتين إلى سوريا وكوريا الشمالية وأريتيريا وغيرها من النماذج.

فحينما ينتفي أي توازن سياسي وحقوقي بين السُلطات المُستبدة والقواعد الاجتماعية المحكومة، وتصير هذه الأخيرة خاضعة تماماً للإرادة السياسية والرمزية والأمنية لهذه السُلطات، يندلع الجوع بمعناه الحرفي. ثم يبدأ هذا الجوع باقتلاع ذلك السُبات الذي كان قد أُسس له لفترة طويلة، وفي وجه المُستبدين. فهذه الدورة السببية تملك روحاً خلدونية ما، كعلة من داخل بُنية وروح الاستبداد نفسه، يُستحال أن يتخلص منها بأي شكل كان.

***

في أزمة سابقة، كانت تلك العلاقة المتتالية بين الاستبداد والجوع وما يليها من انتفاضات شعبية تجري ببطء شديد. فالاقتصاديات المحلية وروح الزعامة العائلية التي كان يكتنزها كِبار المُستبدين، كانت تسمح نسبياً لخيرات البلاد أن تبقى في بيئتها الأولى، ونوعاً ما أن تُمنح حُصصاً منها لمن كانت تعتبرهم الرعية. لذا كان سيل الجوع يأتي بطيئاً وحذراً.

لكن ذلك تحطم تماماً في ظلال الاقتصاديات العالمية التداخلية والمعولمة، في زمن الشركات والثروات القابلة لعبور حدود جغرافيا الاستبداد نحو البيئات الآمنة، فحتى سدنة الاستبداد ورأسهم الأعلى، لا يثقون بسلامة أوضاع بُلدانهم، فيستبيضون ثوراتهم المتأتية من النهب العام، ويهرعون بتهريبها إلى الخارج، بجشع لا حد له، ما يخلق جفافا سريعاً في الداخل، يؤدي لسدرة واحدة، الجوع.

في سبر الطبقات العُليا الحاكمة في هذه البلدان كلها، ومقارنتها بجيل سابق كان يحكم قبل عقدين من الزمن على الاقل، يُلاحظ ذلك الفارق التفصيلي والحيوي، الذي أدى بدوره إلى الجوع العمومي، الذي أحدث هذا الكم الهائل من الاهتزاز في "سُبات الخنوع" في كُل حدب.

لا يشبه هذا الجوع أي شيء آخر، حتى الدين نفسه، الذي وبالرُغم من كل عمقه الوجداني في ذات البشر، إلا أن أنظمة وحشية مثل التي في كوريا الشمالية، استطاعت أن تقتلعه وتفرض سُباتاً ما عليه.

الجوع شيء آخر تماماً، شديد المباشرة والمس، لا تنفع معه الوعود الرنانة والتباشير المستقبلية والخطابات والإغراءات الإيديولوجية أو المكاذبات الوطنية وحتى أوهام وحكايات الأعداء الخارجيين. الجوع امتحان لحظي متدفق مع جذر الحياة، المتمثل بالحفاظ على الجسد البيولوجي للبشر، وإحساسهم بالأمان النسبي تجاه ذلك، ولو بالحدود الدُنيا، التي ما عادت أي سُلطة من أنظمة الاستبداد أن تحافظ عليه. الجوع حيونة محضة للبشر، وإنهاء لأي تفاهم معهم، يؤدي إلى الترويض والسُبات.

***

قبل عقدين من الآن، كانت الدعاية السياسية الكُبرى للنُخب السياسية والثقافية في دول الاستبداد تقول إن الحرية والوعي الشعبي المتنامي بها جراء تصاعد أدوار وسائل الإعلام، هي من سوف تقتلع السُبات، وعلى أساسها فُسرت هبات شرق أوربا وأميركيا الجنوبية والربيع العربي. لكن فشل هذه النُخب نفسها في التعاطي مع سيل الحُرية نفسها، وما نتج عنها من فظائع الفوضوية، سمحت للسُلطات الاستبدادية في أكثر من مثال بإعادة ترويض القواعد الاجتماعية، وفرض السُبات من جديد.

الأمر نفسه كان ينطبق على دعاة الاشتراكية والشيوعية في أواسط القرن المنصرم، الذين كانوا يدعون أن تصاعد الحس والمطالبة بالعدالة الاجتماعية ستدفع الناس لتحطيم أبراج الأغنياء المتسلطين، من إقطاعيين وبرجوازيين ومركزيين وصناعيين محليين. لكن غرق النُخب الاشتراكية والشيوعية الرسولية في مؤازرة الاستبداد العسكري والشمولية السياسية، أعاد تأسيس ذلك السُبات في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين.

اليوم، وفي كل نماذج الانتفاضات الشعبية المندلعة جراء الجوع، ثمة إمكانية كُبرى لإعادة السيطرة عليها، ولو بعد حين.

سيحدث ذلك، ما لم تنتبه النُخب الثقافية والسياسية الإيرانية المعارضة مثلاً إلى أن الجوع والعطش الذي تسبب بانتفاضة أهل الأهواز في إيران لم يتأت فقط من وجود شخص ما مُستبد في رأس السُلطة الحاكمة، وأن إزالته ستعني انتفاء الاستبداد وتالياً نهاية حالة الجوع العمومي.

سيحدث ذلك ما لم تنتبه تلك النُخب بأن هذا الجوع هو نتيجة استبداد مُركب، استبداد فارسي تجاه مواطنين عرب، واستبداد مركزي تجاه مناطق الأرياف القصية، وما يناظره من تمييز طائفي وثقافي اتجاه أهل الأهواز، وطبعاً استبداد متأت من إيمان بالحكايات القومية القديمة، التي تتخيل إمكانية استعادة الإمبراطوريات عبر السطوة العسكرية.

 أن عدم تقديم هذه النُخب الإيرانية إجابة واستجابة سريعة لكل تلك التداخلات واشكال التركيب التي في الاستبداد، أنما ستعني إعادة خلق استبداد آخر، وإن بشكل جديد، سيتمكن من إعادة تثبيت السُبات رغماً عن أنفس الجوع.

ما ينطبق على إيران يجري على كُل بُقعة أخرى تفصيلاً، حتى بلدان بها أشكال هزلية من الديمقراطية، مثل لبنان.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.