الحرية وحدود الإبداع.. إشكالية دائمة
الحرية والرقابة وحدود الإبداع.. إشكالية دائمة

بَعد الاضطهاد الديني الذي تعرّض له العالم الإيطالي غاليليو، كَتبَ أبو الفلسفة الحديثة/ الفيلسوف الفرنسي ديكارت إلى صديقه الأب مرسن في  22 يوليو سنة 1633 يقول: "أدهشني هذا إلى حد كدت معه أن أصمم على إحراق أوراقي.. وإني لأعترف أنه إذا كانت (حركة الأرض) باطله، فإن كل أصول فلسفتي باطلة كذلك.. ولما كنت لا أريد أن يصدر عني قول يمكن أن توجد فيه كلمة واحدة لا تقرها الكنيسة فإني أفضّل أن ألغي هذا القول على أن أظهره مشوها". (مبادئ الفلسفة وإشكالياتها، عبدالوهاب جعفر، ص30).

هذا ما يقوله رائد العقلانية ديكارت، الذي هرب بعد كلامه هذا من فرنسا إلى هولندا؛ حيث الفضاء الليبرالي الحر. ما أصاب غاليليو في إيطاليا أخرس، في الوقت نفسه، وفي مسيرةِ تَصْمِيتٍ عابرةٍ للحدود ـ ديكارتَ في فرنسا؛ بمجرد أن حدّد له القانون الكنسي حدود حرية التعبير: ما يمكن له أن يقول.

ليس شرطا أن يكون هذا القانون الكنسي الذي يحد حريةَ التعبير مكتوبا في بنود واضحة، بل يكفي أن يستشعِره الكاتب/ المبدع ضمنا.

وهذا القانون اللاّمرئي/ اللاّمحدود ببنود واضحة، هو الأخطر؛ لأن المبدع في مثل هذه الحال يُضْطر لوضع منطقة عازلة بين ما يتيقّن من منعه، وما يتيقن من السماح به، وهي منطقة عازلة ظَنّية، قد تتمدد ـ بفعل استشعار الخطر، لتكون أكبر من مساحة اليقين: من الممنوع يقينا، ومن المسموح يقينا. بمعنى أن يبادر المُبدع بنفسه لتأطير حريته بأكبر مما تطلبه منه مؤسسات الدين أو مؤسسات المجتمع أو مؤسسات السياسة، أو حتى رفقاء الدرب الإبداعي وجماهير المُؤيّدين.

ربما كان أكثر من يُثير الانتباه ـ والحزن أيضا ـ في نص ديكارت هذا، هو قوله: " فإني أفضّل أن ألغي هذا القول على أن أظهره مشوها". ما يعني أن ثمة نصوصا ديكارتية (قد تكون هي الأهم) لم تجد طريقها إلى مُدَوّنة التراث الفلسفي؛ بسبب هذا الحذر الذاتي الذي كان يُؤطّر حرية التعبير آنذاك.

إذا كان هناك بعض المبدعين من فلاسفة ومفكرين وعلماء وباحثين وأدباء...إلخ منتجي صور التعبير الإبداعي، يرون ـ وخاصة في مسار قلق الكتابة ـ ضرورة المراوغة؛ حتى يمكنهم إيصال بعض عناصر الرسالة؛ إن لم يتمكنوا من إيصالها بالكامل، فإن هناك من يرى أن هذا الاجتزاء/ الاختيار الذي يخترقه ـ معرفيا ـ كثيرٌ من "فجوات المسكوت عنه"، من شأنه أن يعبث بالمدلول النهائي للرسالة المعرفية، بل وقد ينقلها ـ في بعض الظروف ـ إلى المعنى النقيض تماما.

كم من النصوص الفلسفية/ الفكرية، والبحثية، والأدبية، التي ظهرت "مشوّهة"؛ لا لشيء إلا لأنها من دون هذا "التشويه" لم تكن لتجد سبيلها إلى فضاء القراءة/ فضاء التلقي ! هناك من اختاروا مواضيع بحثية، لا لأنها الأهم في نظرهم، ولا لأنها هي الأكثر تعبيرا من النظريات البحثية التي يؤمنون، وإنما فقط؛ لأنها "الأسلم"؛ لأنها لا تثير على كاتبها أو طابعها عواصف التكفير أو التخوين، وما يتبع ذلك من لوازم لا يستطيع تحملها؛ أو لا يريد تحملها بأكلافها الباهظة.

كما أن هناك قصائد وروايات تعرّضت لعملية قص أجنحة على يد مؤلفيها (إبان الكتابة أو بعد إنجازها) أو على يد ناشريها؛ وصولا إلى التشويه الجزئي أو الكلي؛ من أجل أن تتمتع نصوصهم بقليل من الحرية في فضاء التداول الإبداعي، ويتمتعوا ـ إذ ذاك ـ بهذا القليل.

يذكر الناقد المصري الكبير جابر عصفور أن القاص الشهير يوسف إدريس قال ذات مرة: إن كل الحرية المتاحة في العالم العربي لا تكفي مبدعا واحدا. ويُعلّق د. جابر على هذا، بأن يوسف إدريس لا يقصد الحرية الخارجية (التي تؤطرها الرقابة الخارجية) فحسب، وإنما يقصد ـ أيضا ـ الحرية الداخلية للمبدع، أي الرقابة التي يزرعها المجتمع داخلنا دون أن نشعر. ثم يقول جابر، ما نصّه : "والرقيب الداخلي أخطر من الرقيب الخارجي، لأن الأول يتولد عن الثاني وينوب عنه، ويظل يقوم بمهمته في غيبة ما تولد عنه" (نحو ثقافة مغايرة، جابر عصفور، ص229و230). 

ما ذكره يوسف إدريس، وما علّق به جابر عصفور، يُشِير إلى مستوى القلق الذي تتعرض له الكتابة/ الكاتب في عالم عربي يحاول جميع أفراده ممارسة دور الرقيب على المبدع؛ كلٌّ من زاوية اهتمامه ومهامه. ولهذا، تعجز "السير الذاتية" التي يكتبها المبدعون عن أنفسهم أن تحقق نجاحا يذكر؛ لأنه الكاتب إن تجاهل جانبا من جوانب حياته لهذا السبب أو ذاك، فإنه لا يستطيع أن يتجاهل كل الجوانب الأخرى؛ وإلا لم يبقَ له شيء يبرر الكتابة ذاتها. وفي هذه الحال، يجد نفسه بين أمرين: إما أن يلغي فكرة كتابة "سيرته الذاتية" من الأساس، وإما أن يخرجها "منزوعة الإبداع"؛ تقول كلَّ شيء، ولا تقول شيئا. 

الإنسان العربي مُتَجذّر في مجتمعه إلى حد كبير، بل إلى حد تنتفي فيه أهم معالم فردانيته. والكاتب العربي، أيا كان اهتمامه، هو فرع على هذا الإنسان. وبلا شك فإن سياق تعدّد وتعمّق العلاقات الاجتماعية، هو سياق يفرض أشد القيود على مسار عملية الكتابة؛ إذ لا أحد ـ وخاصة في العالم العربي الذي يُشَكّل الاعتراف الاجتماعي أهم مصادر الاحترام الذاتي ـ يتحمّل أن يكون منبوذا في مجتمعه؛ إذ النبذ في مثل هذه الحال سيجرّ وراءه سِلسلة خسائر لا طاقة للكاتب بها؛ إلا أن يكون الكاتب من "أولي العزم من الكتبة/ من المفكرين"؛ وقليلٌ مَا هُمْ؛ في العالم العربي. 

إضافة إلى الرقابة الاجتماعية، هناك رقابة الأصدقاء/ رفقاء الدرب الإبداعي. فالكاتب العربي إذ يكتب، مشدود إلى غاية الاعتراف الأدبي به ككاتب/ كمبدع. ولهذا، فالأغلبية الساحقة من الكتاب/ المفكرين العرب يقعون تحت هذا الضغط اللاّمرئي/ اللاّواعي، وتكون النتيجة أن يتجنبوا مسائل تستجلب غضبَ ونبذَ هذا "الوسط الإبداعي"، أو يتناولونها بعد أن يمارسوا عليها تحويرا/ تزييفا يضمن لها القبول، أو ـ على الأقل ـ يضمن عدم وضع صاحبها في دائرة النبذ والإقصاء.

وانشداد الكاتب العربي إلى هذا "الوسط الإبداعي" بغية الظفر منه بل الاعتراف هو انشداد كبير/ غير طبيعي (أي يتجاوز المعتاد في العالم الحر/ المتقدم)، وذلك لأن هذا الاعتراف لا يُؤسّس لـ"مجد أدبي" مجرد فحسب، وإنما ينبني على هذا المجد الأدبي/ هذا الاعتراف أنه هو أحد أهم الطرق وأيسرها للاستحواذ على منافع مادية مباشرة/ مُتَعيّنة في سياق التنافس الاجتماعي.  

هذا ما جعل كثيرين يترددون في التعبير عن آرائهم في قضايا حاسمة وإشكالية تقاطعت فيها السياقات الإبداعية مع سياقات الأيديولوجيا المهيمنة التي تحولت كثير من مفرداتها إلى دوغمائيات قطعية تتجاوز أمثالها في السياق الديني. وهذا ما يُفسّر كيف أن كثيرا من المبدعين العرب كانت لهم أراء خاصة في القضية الفلسطينية مثلا، آراء لا تتحملها الأيديولوجيا السائدة في أوساط "المبدعين العرب" في النصف الثاني من القرن العشرين، ولكنهم أحجموا عن التصريح بها؛ لأنها أراء مغايرة لا يحتملها "الوسط الإبداعي" الذي هو بدوره مشدود إلى جماهيرية غوغائية كاسحة، بحيث يشعر أنه يلغي وجوده كـ"طبقة إبداعية" طليعية (مستنفعة بالضرورة)؛ حينما لا يأخذ "غوغائيتها" في الاعتبار.   

اليوم، وخاصة بعد أن مكّنت وسائلُ التواصلُ الكاتبَ/ المبدعَ من التفاعل المباشر مع أصدقائه/ محبيه/ مؤيديه/ جماهيره، أصبح ـ شعر أم لم يشعر ـ في قبضة هؤلاء الأصدقاء والمحبين والمؤيدين وهذه الجماهير..إلخ، قطاعات التفاعل التي تُحَدّد له ـ بشكل غير مباشر ـ دوائرَ الممنوع؛ فيرضخ لها صاغرا حتى قبل أن تطلب منه ذلك، بل هو يبادر ـ وباستشعار ذاتي نفعي؛ لا يتكلّف التخفّي في كثير من الأحيان ـ إلى التعبير بالطريقة التي ترضيها هذه القطاعات، وعن القضايا التي ترضيها أيضا؛ حتى لو اضْطُرّ إلى التنكر للعلم/ للموضوعية، بل حتى لو اضْطُرّ إلى التنكر لذاته من الأساس!

إن من أقسى لحظات الكتابة المعبرة عن قلق الكتابة هي أن يشعر الكاتب أنه لا يتحدث إلى الجماهير/ إلى المتلقي، وإنما يشعر أنه ـ وكي يتحقق وجوده الإبداعي ككاتب ـ يجب أن يتحدث بلسان الجماهير، برغبات المتلقي. وفرق كبير جدا، بين "الحديث إلى الجماهير"، بما يستلزمه ذلك من جَمْهَرة الخطاب في مستوى ضرورات التواصل/ التوصيل، وبين "الحديث بلسان الجماهير"؛ حينما يكون الكاتب مجرد آلة/ بوق لتدوير المفاهيم والرؤى والقناعات والتصورات التي ارتضاها الوعي التقليدي والبدائي والعاطفي (= الغرائزي)، في سياق مسلكه النمطي المكرر: التنكّر لآخر تطورات التعقّل الإنساني. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.