خارج الكابيتول بعد هجوم 6 يناير
خارج الكابيتول بعد هجوم 6 يناير

تنتشر نظريات المؤامرة عادة في المجتمعات التي تعاني من أزمات حادة، سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية، لأن الذين ينجذبون إليها يريدون إجابات قاطعة وواضحة ومطمئنة بشأن قضايا معقدة ورمادية، وتنمو نظريات المؤامرة مثل الطحالب على المخاوف والقلق وانعدام اليقين والعجز.

قبل وسائل الاتصال الاجتماعي، كانت نظريات المؤامرة تنمو وتنتشر في ظلام المجتمعات المغلقة وغير الديمقراطية بسبب غياب المعلومات الموثوقة ووسائل الإعلام الحرة، وفي غياب حريات التعبير والتجمع، مما يرغم المواطن الذي يعيش في هذا الظلام على البحث عن اليقين في نظريات المؤامرة.

وتنتشر نظريات المؤامرة عادة في أوساط ذوي التعليم المحدود، وفي أوساط اليمين السياسي، لكنها قطعا ليست محصورة في هذه الفئات لأن ذوي التعليم المتوسط وحتى الجامعي، وفي أوساط اليسار، يؤمنون أيضا بنظريات المؤامرة، وإن بنسبة أقل، وفقا لاستطلاعات الرأي والدراسات في الولايات المتحدة، وإن كانت نظريات المؤامرة شائعة وراسخة في أوساط اليمين المتطرف، مثلها في أوساط اليسار المتطرف.

خلال السنوات الماضية شهدت الولايات المتحدة أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية أثرت سلبا على حياة الكثير من الأميركيين، من بينها خسارة الوظائف، وانتقالها إلى المجتمعات النامية في سياق العولمة الاقتصادية، واتساع الهوة في معدلات الدخل بين الطبقات الاجتماعية، والتقدم العلمي والتقني الذي ترك وراءه شريحة هامة من الأميركيين، وأزمة مالية-اقتصادية في 2008.

ويمكن أن نضيف إلى تلك القائمة: انتخاب الرئيس باراك أوباما الذي أثار رد فعل سلبيا عميقا لدى الناخبين اليمينيين، وانتخاب الرئيس دونالد ترامب في أجواء مشحونة بالتوتر السياسي والعنصري، وأخيرا الاستقطابات السياسية والثقافية والاجتماعية التي عمقها ترامب بسياساته ومواقف، والاضطرابات الاجتماعية والعنصرية التي شهدتها شوارع وساحات كبريات المدن الأميركية في أعقاب جريمة قتل جورج فلويد.

ما كان ينقص هذه العوامل من التحول إلى بيئة مثالية لنمو وانتشار نظريات المؤامرة، هو جائحة تحصد الملايين في العالم، فقبل أقل من 18 شهرا، جاءت جائحة فيروس كورونا لتقتل أكثر من 600 ألف أميركي، خاصة بعد أن حوّلها الرئيس ترامب وقياديون جمهوريون كثر داخل وخارج واشنطن إلى سلاح سياسي للتغطية على خطر الجائحة، وعلى "شعوذات" الرئيس ترامب الذي اقترح حلولا غير علمية ومؤذية للفيروس، ولإبعاد الأنظار والاهتمام عن إخفاق إدارته في مواجهة الجائحة بالوسائل العلمية.

لنظريات المؤامرة تاريخ طويل في الولايات المتحدة، حيث كانت الأزمات الاقتصادية والسياسية في الماضي أحيانا تفسر من قبل البعض في الأكثرية البروتستانية بتوجيه اللوم إلى الكاثوليك، أو اليهود، أو الحركة الماسونية، ولاحقا الشيوعية.

وحتى الان لا يزال حوالي 10 بالمئة من الأميركيين يرفضون حقيقة أن رائد الفضاء الأميركي نيل أرمستروغ مشى فوق سطح القمر في 1969. ويمكن القول إن نظرية المؤامرة الأكثر شيوعا وشعبية في أوساط الجمهوريين والديمقراطيين هي القائلة بأن لي هارفي أوزوولد لم يكن وحده مسؤولا عن اغتيال الرئيس جون ف. كينيدي في نوفمبر 1963، وإن عملية الاغتيال كانت جراء مؤامرة أوسع، على الرغم من الأدلة الضخمة التي تؤكد أن أوزوولد قتل كينيدي بمفرده.

وهناك أكثرية بسيطة من الأميركيين لا تزال تعتقد أن الحكومة الأميركية لا تزال تخفي معلومات مهمة عن هجمات سبتمبر الإرهابية في 2001.

حلال السنة الماضية انتشرت في المجتمع الأميركي نظريتا مؤامرة هما الأكثر خطرا في تاريخ الولايات المتحدة، جلبتا كوارث سياسية وإنسانية واجتماعية سوف تبقى آثارها مهيمنة على الأميركيين لوقت طويل.

الأولى نظرية المؤامرة، النابعة من "الكذبة الكبرى" التي خلقها وروجها الرئيس السابق ترامب وأنصاره، التي تدعي بأن الانتخابات الرئاسية كانت مزورة.

نظرية المؤامرة هذه، التي تؤمن بها أكثرية الناخبين الجمهوريين، (56 بالمئة، وفقا لآخر استطلاعات الرأي) لم تبطلها أكثر من 60 دعوى رفعها ترامب أو أنصاره، كلها انتهت بالفشل، وكذلك محاولات إعادة فرز الأصوات في بعض الولايات، أو تصديق عدد من المسؤولين الجمهوريين على الانتخابات في أكثر من ولاية.

نظرية المؤامرة هذه هي التي أدت إلى اجتياح مبنى الكابيتول في السادس من يناير الماضي، في أخطر هجوم تعرضت له الديمقراطية الأميركية منذ الحرب الأهلية في منتصف القرن التاسع عشر. والرئيس ترامب لا يزال يواصل بث نظرية المؤامرة السامة هذه، التي ستبدأ لجنة منتقاة من أعضاء مجلس النواب، الثلاثاء، أول تحقيق برلماني فيها.

نظرية المؤامرة هذه تنمو على نظرية مؤامرة أخرى، تنمو وكأنها دعوة دينية متطرفة وحركة سياسية تعرف باسم QAnon التي تدّعي بأن هناك جماعة سرية وشيطانية من مغتصبي الأطفال، وشخصيات ديمقراطية نافذة من بينهم هيلاري كلينتون يسيطرون على العالم، ويستخدمون قدرات "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة لإحكام سيطرتهم على البلاد، وأن دونالد ترامب هو القائد الوحيد القادر على التصدي لها. آخر استطلاع للرأي أظهر أن 23 بالمئة من الجمهوريين يصدقون الطروحات الخطيرة لهذه البدعة.

نظرية المؤامرة الثانية، هي التي تشكك بخطر فيروس كورونا، ومصدره وكيفية معالجته، وهنا نتحدث عن نظريات مختلفة متفرعة عن النظرية الأصلية، التي خلقت نظريات وأساطير وأكاذيب لا تحصى، ولا تزال تتفاعل في الوقت الذي يزداد فيه عدد ضحايا الفيروس لأكثر من سبب، من بينها تقليل ترامب لخطر الفيروس، وتردده في مناشدة أنصاره بارتداء الأقنعة الواقية، والأهم من ذلك تلقي اللقاح الضروري للوقاية من الفيروس، وهو الذي تلقى اللقاح، ولكن بعيدا عن الأضواء، بعكس الرئيس بايدن والرؤساء السابقين.

نكران خطر جائحة كورونا، وتسييس التعامل معها ومعالجتها، تسببا في تحول نظرية المؤامرة هذه إلى حركة يمينية متطرفة معادية للعلم وتتجلى بالعداء أو الخوف من اللقاح الذي تلقاه أكثر من 160 مليون مواطن أميركي.

هذه المؤامرة، بأبشع تجلياتها، أي العداء للقاح، روّج، ولا يزال يروّج لها مشرعون وسياسيون جمهوريون بارزون (مثل حاكمي ولايتي تكساس وفلوريدا الكبيرتين)، وشخصيات إعلامية يمينية متطرفة وتحديدا في شبكة "فوكس" التلفزيونية، أدت إلى ارتفاع خطير في معدلات الإصابة بمتغير دلتا، الذي يعتبر الأخطر منذ بداية الجائحة.

هذه المواقف والسياسات المتهورة لترامب والسياسيين الجمهوريين أظهرت الآثار السلبية لتسييس مكافحة الفيروس على أرواح الأميركيين، خاصة في الولايات التي تميل تقليديا إلى الجمهوريين.، وأظهرت الإحصائيات أن 86 بالمئة من الناخبين الديمقراطيين تلقوا لقاحا واحدا على الاقل، مقابل 52 بالمئة من الناخبين الجمهوريين.

وتظهر الخريطة الجغرافية والسياسية لفيروس كورونا أن الولايات التي عاد الفيروس ليعيث الخراب فيها هي الولايات التي صوتـت لترامب في الانتخابات الأخيرة، ومعظمها في جنوب البلاد مثل تكساس ومسيسيبي وآلاباما ولويزيانا وفلوريدا. ويرفض عشرات النواب الجمهوريين الإجابة بوضوح عما إذا كانوا تلقوا اللقاح أم لا، حيث يعتقد أن أكثر من نصفهم لم يتلقوه.

وقبل أيام تلقى النائب ستيف سكاليس، وهو القيادي الجمهوري الثاني في مجلس النواب، جرعة اللقاح الأولى، في مؤشر على تحول في مواقف بعض قادة الحزب الجمهوري في الكونغرس من جدوى اللقاح، بعد ارتفاع عدد الإصابات الجديدة وعدد الوفيات في الولايات المؤيدة للجمهوريين.

رئيس الأقلية في مجلس الشيوخ، السناتور ميتش ماكونال، ناشد الأميركيين لتلقي اللقاح، ولكن هذا الاكتشاف الأخير للحقائق العلمية من قبل بعض القادة الجمهوريين قد يكون ضعيفا ومتأخرا، لانهم ساهموا مع ترامب في تعميق ونشر نظرية مؤامرة سممت عقول الملايين من الأميركيين، وأدت إلى ترهيب أي سياسي جمهوري يفكر بالتصدي لأكاذيب وأساطير ترامب ونظريات المؤامرة التي يواصل بثها.

المؤمنون بنظرية المؤامرة القائلة بأن اغتيال الرئيس كينيدي هو نتيجة مؤامرة ضمت أكثر من القاتل لي هارفي أوزوولد، أمضوا عقودا طويلة يروجون لهذه المؤامرة عبر المنشورات، والمؤتمرات، وأحيانا عبر الراديو، لترسيخ هذه المؤامرة في عقول الملايين من الأميركيين.

ولكن الانتشار السريع لنظريات المؤامرة بشأن الانتخابات الرئاسية وفيروس كورونا لم يكن ممكنا لولا شبكة الإنترنتK ووسائل الاتصال الاجتماعي وتحديدا الفيسبوك.

وهذه هي المرة الأولى في تاريخ نظريات المؤامرة في العالم، وقطعا في الولايات المتحدة، التي يقوم بها رئيس سابق لا يزال يحظى بتأييد أكثر من 40 بالمئة من الأميركيين ببث سموم هذه المؤامرات عن قصد، لزعزعة ثقة الأميركيين بمؤسساتهم الديمقراطية، وبوسائل الإعلام المهنية وبالأجهزة العلمية. هذا التشويه الخطير والمقصود لمقومات ومفاهيم الديمقراطية الأميركية، عبر نشر نظريات المؤامرة حول شرعية الانتخابات، وخطر فيروس كورونا، سوف يبقى مخيما بظلاله الداكنة على المجتمع الأميركي لسنوات طويلة.

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.