السيسي.. على الشاشة
السيسي.. على الشاشة

في مقابلة على قناة "الحرة" قبل بضعة أيام، ضمت محاميا مصريا يحاول نقل وجهة نظر حكومته والمدير الحقوقي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية، بدأ المحامي حديثه برفض كل التقارير الدولية التي تحدثت عن تجاوزات حقوق الإنسان في مصر، وقال إنه لا يوجد بها سجناء رأي، وإن القضاء هناك لا يخضع لتوجهات أجهزة الأمن، فردّ مندوب منظمة العفو الدولية بمعلومات عزّزها ببعض الأمثلة منها وفاة معتقلين وهم قيد الاحتجاز، فاحتجّ المحامي المصري على النبرة "العدائية" لمندوب منظمة العفو الدولية، وانسحب من المقابلة غاضبا.

وبهذا السلوك سار المحامي على خطى الحكومة المصرية في تكذيب المعلومات التي تخرج من مصر رغم أن كثير منها موثق ويتضمن تفاصيل دقيقة عن تلك الانتهاكات، ومع أنه قد يكون من الأفضل له وللحكومة المصرية القول بأنه تتم مراجعة تلك الممارسات باتجاه الحد منها، وصولا إلى إغلاق هذا الملف نهائيا.

لكن الأمور لا تسير على هذا النحو، فبعد ساعات فقط من تلك المقابلة، تم الإعلان عن وفاة معتقلين إثنين في السجون المصرية غالبا نتيجة الإهمال الطبي، مع أن أحدهم كان عمره 25 سنة فقط.

كما أنه، وقبل بضعة أيام من نفس المقابلة، أفرجت السلطات المصرية عن مجموعة من النشطاء، منهم المحامية ماهينور المصري التي حازت عام 2014 على جائزة لودوفيك تراريو المخصصة للمحامين المتميزين في الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم بسبب دورها في فضح تجاوزات حقوق الإنسان في بلدها، وسجنت في سبيل ذلك عدة مرات كان آخرها التوقيف الاحتياطي لمدة 22 شهرا ابتداء من سبتمبر 2019 بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة.

كذلك تم الإفراج عن الناشطة إسراء عبد الفتاح التي اختيرت "امرأة العام" في مجلة "غلامور" الأميركية في 2011 لشجاعتها، كما تم ترشيحها لجائزة نوبل في نفس العام، وكانت عبدالفتاح معتقلة لنفس المدة باتهامات مماثلة. وأغلب من تم إطلاق سراحهم كانوا موقوفين احتياطيا لفترات طويلة، ولم يخضعوا لأي محاكمة، فإذا كان هذا وضع الشخصيات العامة المعروفة دوليا، فما هو حال "الغلابة" الذين لا يعرف بهم أو يطالب بهم أحد؟

كما تجاهل المحامي الغاضب أنه، قبل يوم واحد من مقابلته، اعتقل رئيس تحرير الأهرام الأسبق عبد الناصر سلامة بعدما كتب مقالا على مواقع التواصل الاجتماعي، دعا فيه الرئيس السيسي للاستقالة نتيجة ما اعتبره فشله في معالجة قضية سد النهضة.

ويبدو أن المدافعين عن الحكومة المصرية لا يعرفون أن مطالبة أي مواطن لرئيس دولته، إن كان ترامب أو بايدن أو ماكرون أو بوريس جونسون بالاستقالة ليست جريمة ولا جنحة، ولا حتى مخالفة، بل تعتبر من واجبات أي مواطن تجاه بلده عندما يرى أن الرئيس قد أخطأ في معالجة قضية ما، فلا يوجد في دول العالم الحديثة المتطورة ما يسمّى "التطاول على مقام الرئاسة" فهذه التهمة تكاد تقتصر على أنظمة الحكم الديكتاتورية.

بل أنه في البلاد الديمقراطية يعتبر ما تضمنته حلقة أحد الإعلاميين المصريين من سباب وألفاظ نابية بحق عبد الناصر سلامة مثل وصفه بمرتزق وسافل ومنحط وحقير وتافه مع مطالبة الجهات "المعنية" بالقبض عليه ومحاكمته، هي التي تعتبر جرائم يحاسب عليها القانون في تلك الدول، لأن هذا الإعلامي يعتقد أن أمام المواطن المصري خيارين، إما أن يكون مع الدولة (أي الرئيس) وإما "ضد الدولة" ولا توجد منطقة رمادية وسطى، وبالتالي يجب إنزال أشد العقاب بمن يقف "ضد الدولة"، مع أن دمج مفهوم الدولة مع شخص الرئيس يعتبر حكرا على أنظمة الحكم الفردية.

ولم يقتصر فشل الإعلام المصري على تبرير تجاوزات أجهزة الدولة بهذا الأسلوب المكشوف، بل يتجسد كذلك في وسائل الدعاية "المنقرضة" لشخص الرئيس مثل ترتيب لقاءات "عفوية" له مع بعض الأفراد بمصادفات من الصعب تصديقها، وتلبية مطالبهم في أساليب عفا عليها الزمن، قد تعطي مفعولا عكسيا لأنها تعبّر عن الاستخفاف بذكاء الإنسان المصري.

وربما أتى الوقت الذي تبحث فيه الحكومة المصرية عن أساليب جديدة مختلفة عن محاولة خداع الداخل والخارج، مثل إطلاق سراح كافة النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ووضع حد لتجاوزات أجهزة الأمن، وتحسين ظروف الاعتقال، والتوقف عن جميع الممارسات التي كانت تتم بذريعة محاربة الإسلام السياسي الذي لم يعد يشكل خطرا على مصر حاليا، والأهم من كل ذلك شرح ملابسات كافة القضايا للرأي العام. 

ففي ملف سد النهضة، وهو الموضوع الرئيسي الذي يشغل المصريين حاليا، من الممكن دعوة ممثل عن المنتقدين لما قامت به الحكومة المصرية، وليكن عبد الناصر سلامة "بدل اعتقاله" ليتحاور عبر وسائل الإعلام مع أحد الخبراء من الحكومة المصرية مثل وزير الري، صاحب الشخصية الهادئة والواثقة، الذي يملك المعلومات التفصيلية عن السد، بمشاركة أحد القادة العسكريين ليشرح كل منهم وجهة نظره للرأي العام.

ولدى الحكومة الكثير لتقوله، خاصة بشأن شرح ما هي مصاعب ومحاذير ومضاعفات العمل العسكري، ومن ثم مناقشة أفضل الطرق للتعامل مع مشكلة سد النهضة خلال السنوات المقبلة، وقد يكون من بين الخيارات المتاحة تحسين العلاقات مع إثيوبيا والعمل المشترك معها في مشروعات تنموية تشمل كامل حوض النيل، بدل محاربتها، والشعب المصري ناضج بما فيه الكفاية للحكم السليم حول من هو صاحب الطرح المفيد والبعيد النظر والواقعي. 

وقد تم إتباع هذا الأسلوب سابقا، ففي إحدى المناسبات قبل عدة سنوات طالب أحد الحضور الرئيس السيسي بتأجيل قرارات رفع الدعم عن بعض السلع، فأجابه الرئيس السيسي "هل درست الموضوع الذي تتحدث عنه وما هي معلوماتك عنه ومؤهلاتك للحديث فيه؟"، وفي مناسبة ثانية طالبه شخص آخر بزيادة المرتبات فأجابه الرئيس السيسي من أين نأتي بأموال هذه الزيادة؟ وشرح له لماذا من الصعب زيادة المرتبات في تلك المرحلة نتيجة أولوية الإصلاح الاقتصادي، وفي الحالتين كان الرئيس السيسي محقّا، لأنه لا يوجد أسهل من المعارضة وتقديم مطالب لا توجد طريقة واقعية لتحقيقها، ولذلك من الممكن مصارحة الشعب في جميع القضايا، والوثوق بأن لديه ما يكفي من الوعي للتمييز بين الشعارات الشعبوية وبين ما يمكن تحقيقه على أرض الواقع. 

وعند طرح كافة الأمور التي تهم المواطن المصري للمناقشة العامة قد تخرج بعض الاقتراحات الإيجابية المفيدة، ومن الأفضل البدء بمناقشة القضايا ذات الأولوية مثل أفضل السبل لتشجيع القطاع الخاص الداخلي والخارجي على الاستثمار في مصر، فجميع البلدان التي نهضت اقتصاديا خلال العقود الماضية، من الصين والهند، حتى إندونيسيا وفيتنام وبنغلادش، كان اعتمادها في رفع نسبة النمو الاقتصادي لهذا القطاع، ومن المؤكد أن مطالبة محكمة مصرية الإنتربول بسرعة ضبط وإحضار رجل الأعمال محمد علي لا تخدم هذه الغاية، وكذلك من المفيد مناقشة مبررات تنفيذ الجيش للكثير من المشروعات الكبرى، وما هي الحسنات والسيئات المترتبة على هذه السياسة؟

وتبقى أولى الخطوات الملحّة إعادة النظر في الإعلام المصري لأن أسلوبه جعله مثالا للدعاية الفجة والمباشرة التي تسيء للقضايا التي يتولى الدفاع عنها، ثم السير نحو دولة القانون، التي لا تنسجم مع ممارسات أجهزة الأمن حاليا، وطي صفحة تجاوزات الماضي، ومنها قضية الباحث الإيطالي ريجيني بمحاكمة المسؤولين عنها بالتعاون مع القضاء الإيطالي، لأن استقرار مصر هو الأساس لاستقرار كامل الشرق الأوسط، وهذه مسؤولية كبيرة وضعتها حقائق التاريخ والجغرافيا على كاهل المصريين، وفشل الحكومة المصرية، الذي لا يريده أحد، لن تقتصر آثاره على مصر بل ستنعكس على كل المنطقة.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.