الجميع في تشاد يدركون اليوم أن البلاد تمر بمرحلة حرجة
الجميع في تشاد يدركون اليوم أن البلاد تمر بمرحلة حرجة

ذكرت في مقالي السابق أن هناك جهات تعمل من خلف الكواليس على الترويج لهوية مصطنعة لتشاد، توافق أهواءهم وانتماءاتهم، في وقت نحن في أمس الحاجة فيه إلى مناقشة هذه القضية الحساسة بصورة علنية، والاتفاق في نهاية المطاف على هوية توافقية تعكس تعدد الأعراق والمعتقدات والثقافات والأقاليم في تشاد.

وتستمد قضية الهوية أهميتها من أنها عنصر أساسي في الخطط الإستراتيجية للدول التي تسعى للحفاظ على وحدتها الوطنية ولحماية أمنها القومي، كما تعلمنا تجارب الأمم وأحداث التاريخ.

إن التركيبة القبلية للشعب التشادي، وتعدد الديانات والأعراق واللغات والاختلافات الجغرافية بين الأقاليم فيه، كلها عوامل توفر أرضية خصبة للنزاعات بين المكونات المختلفة، تمنح الأعداء فرصة للتدخل واستغلال الأزمات لزعزعة الاستقرار بتشجيع المظلومين على التمرد أو تقديم الدعم للحركات المسلحة أو إذكاء نار الفتنة بين القبائل المتنازعة، أو تحريض أبناء الأقاليم المهمشة على المطالبة بتقرير المصير، كما حدث في الجارة السودان.

ومن أجل تفادي حدوث هذه السيناريوهات المرعبة، ولقطع الطريق أمام كل الخصوم والأعداء، فإن من الضروري مناقشة موضوع الهوية في العلن، وإتاحة الفرصة لكل الشرائح للمشاركة والتفاعل من أجل تحديد هوية جامعة تدخل فيها جميع مكونات المجتمع وتعكس التعددية الثقافية والدينية والعرقية للشعب التشادي.

ويلاحظ المتابع للتغيرات الديمغرافية التي حدثت خلال العقود التي تلت وصول ديبي إلى السلطة، وما أحدثه من حالة استقرار نسبية، عودة العديد من المهاجرين من ليبيا والسعودية والسودان ونقلهم لعادات وثقافات لم تكن متداولة كثيرا في المجتمع التشادي.

فمن ضمن التغييرات الدخيلة مثلا عادة إحياء مناسبات الزواج بحفلات غنائية على الطريقة السودانية، وتزيين العروسين بأزياء من التراث السوداني، بعد أن كانت العادة الرائجة إقامة هذه المناسبات بحسب العادات والتقاليد القبلية.

كما يلاحظ أيضا تمدد التيارات السلفية المعروفة بالوهابية في البلاد مع تزايد أعداد القادمين، طوعا أو كرها، من دول الخليج وخاصة السعودية وانتشار المساجد والمؤسسات التي تروج لتلك المعتقدات وتوفر الدعم للقائمين على أمر "الدعوة"، الأمر الذي تسبب في العديد من الصدامات بين تيار "أنصار السنة" وأتباع المدرسة التجانية الصوفية التي كانت حتى وقت قريب المذهب السائد في أوساط المسلمين بتشاد.

كما نقل الطلاب الذين تلقوا تعليمهم في دول كالسودان والعراق وسوريا وليبيا الأفكار والأيدولوجيات السائدة هناك كالقومية العربية وفكر تنظيم الإخوان المسلمين نسبة لتأثرهم بالأنظمة السياسية التي كانت قائمة هناك، وانخراط الكثير منهم في التنظيمات الحركية عبر الأنشطة الطلابية في الجامعات.

أدرك تماما أن من الطبيعي أن يتأثر المرء بما حوله من أفكار، فالإنسان ابن البيئة التي يعيش فيها، وأؤمن بأن التعددية الفكرية والثقافية في مجتمع ما أمر صحي يتيح المجال لنشر الوعي وتلاقح الأفكار عبر الحوار، ويعزز مفهوم التسامح ويدفع المجتمعات نحو المزيد من الانفتاح وتقبل الآراء المتخلفة.

وبعيدا عن تلك التفاصيل التي قد نختلف وقد نتفق عليها، فإن الجميع في تشاد، سواء من هم في السلطة، ومن في المعارضة بشقيها المدني والمسلح، بل وحتى عامة الشعب، يدركون اليوم أن البلاد تمر بمرحلة حرجة بعد مقتل الرئيس إدريس ديبي وتكوين مجلس انتقالي عسكري بقيادة نجله محمد ديبي، تتطلب تضافر كل الجهود من أجل الخروج من هذا المأزق والوصول إلى بر الأمان والاستقرار، وهو أمر يصعب تصوره إن تجاهل القائمون على الأمر مطالب الشعب في الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

وبالعودة إلى موضوع الهوية الوطنية يجدر القول بأن من أبسط حقوق المواطنة أن يشعر المواطن بأن تراثه وتقاليده ولغته هي جزء من هوية الوطن الذي ينتمي إليه، وأن انتماءه العرقي أو العقائدي أو القبلي أو الثقافي أو المناطقي لن يكون عقبة في طريقه من أجل تحقيق أحلامه في العيش بحرية وبكرامة، وفي أن يتساوى مع غيره في الحقوق والواجبات وفي تمثيل وطنه على أعلى المستويات.

إن قرار محمد ديبي تخصيص وزارة للحوار الوطني قرار حكيم يعكس مدى إدراكه لخطورة المرحلة التي تمر بها البلاد، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية إدارة القائمين على هذه الوزارة للحوار، والأهم من ذلك مدى حرصهم على تحقيق مطالب الشعب، وجديتهم في إحداث تغيير حقيقي ينقل البلاد من مصاف الدول الأكثر تخلفا في العالم، ويضعها على المسار الصحيح نحو التقدم والازدهار. 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.