قيس سعيد
قيس سعيد

سوف يستغرق الأمر بعض الوقت، وغير قليل من الجدل، لمعرفة ما إذا كان الذي قام به الرئيس التونسي قيس سعيّد (يوم الأحد 25 يوليو) انقلابا أم إجراء مؤقتا لإصلاح ما سماه منظومة الفساد والتعطيل، أو ما سماه غيره بثورة تصحيحية لإنقاذ البلاد.

ولأن الرئيس التونسي أعلن التزامه الصريح والواضح بالدستور، ولأنه لم يلجأ إلى الجيش أو يقوم باعتقالات، ولأنه ربط هذه الخطوة بفترة زمنية، مع الحرص على السلمية، ولأنه هو نفسه رئيس منتخب لا يمكن أن ينقلب على نفسه، فقد دفع ذلك العديد من دول العالم إلى التريث وتجنب إطلاق وصف الانقلاب على ما جرى، مكتفية بالإعراب عن القلق، ومتمنية مواصلة الالتزام بالدستور والعودة للطريق الديمقراطي، مع إبداء الحرص أيضا على أمن واستقرار البلاد ومصالح العباد.

وحده حلف الإخوان المسلمين (الذي يضم الحكومتين التركية والقطرية وتنظيمات الإخوان المختلفة والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وتضاف لهم توكل كرمان) الذي سارع إلى رفع شعار الانقلاب وإدانة ما جرى ووصفه بشتى الأوصاف والنعوت. بل أن ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان أخذته الحماسة وذهب بعيدا في تحريض التوانسة على المواجهة والنزول إلى الشوارع وعدم الاكتفاء بالتفاوض أو عقد المؤتمرات التي قال إنها لن تغني في وقف ما سماه "الانقلاب"، الذي حمل من سماها "قوى الشر العربية والغربية" بالوقوف وراءه!

لقد أراد حلف الإخوان في البداية الاختباء خلف ما روج له إعلامه من وجود "إدانات دولية" لما حدث في تونس ومحاولة تضمين مواقفه ضمن هذا العنوان، كي لا يبدو وحده في الصورة، لكن أسقط في يديه بعد أن تبين أنه لا توجد إدانات دولية ولا هم يحزنون، وأنه وحده من يحرض على المواجهة وسفك دماء التونسيين.

وبطبيعة الحال هؤلاء ليسوا حريصين على الديمقراطية التي لا يؤمنون بها ولا يطبقونها على أنفسهم، لكنهم حريصون على حليفهم، حركة النهضة التي باتت تتعرض إلى ضغوط شديدة في تونس، حتى قبل الإجراءات الأخيرة.

فالتظاهرات ضد الحركة، ومهاجمة مكاتبها في عدد من المدن التونسية، من جانب المواطنين المستائين من الأداء الحكومي، كل ذلك كان يشي بقرب سقوط آخر قلاع الإخوان في المنطقة، بعد سقوطهم في السودان ومصر.

وهذا هو الذي يفسر "الفزعة" غير المسبوقة للإخوان المسلمين وحلفائهم الذين تحركوا ضمن جوقة واحدة ضد الإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي.

لكن بصرف النظر عن ردة الفعل هذه أو تلك، فإنه في الواقع لا يمكن فصل خطوة الرئيس سعيّد - التي رأى العديد من المحللين والمراقبين في العالم العربي وخارجه أنها ضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه - عن سياقها الطبيعي.

فالعشرية الأخيرة في تونس كانت سيئة جدا بالنسبة للمواطن وللاقتصاد بصورة عامة. وبلغ السوء درجة جعلت التونسيين يتساءلون: "ما الخطأ الذي قمنا به؟ لقد ثرنا ضد الاستبداد ومن أجل الكرامة وتحسين الظروف المعيشية. ولكن بعد عشر سنوات لم نعد نحظ بأي من ذلك"!

فقد تدهور الوضع المعيشي على نحو غير مسبوق، إذ بلغت نسبة البطالة حوالي 17 في المئة. كما زادت نسبة الفقر إلى 45 في المئة.

وفي حين كانت نسبة الدين العام المستحق على تونس عام 2010 تشكل 55% من الناتج المحلي الإجمالي، قفزت هذه النسبة لنحو 90% خلال عام 2021، (كان متوسط الدين في 2010، حوالي 16 مليار دولار، ويتوقع أن يصل إلى 35 مليار دولار بحلول نهاية العام الجاري).

نسبة النمو تراجعت أيضا على مدى السنوات العشر إلى الصفر تقريبا، كما تراجعت نسبة الاستثمار إلى مستوى غير مسبوق في حدود 18%، في حين كانت في حدود 25% عام 2010. وكذلك تراجعت نسبة الادخار إلى 4% في 2020، مقابل 20% في 2010، فيما بلغ العجز المالي 11.5 في المئة من الناتج المحلي في عام 2020.

هذه الأرقام وغيرها، إذا أضفنا لها أيضا تأثيرات جائحة كورونا المدمرة، تعني ببساطة أن صورة الاقتصاد التونسي قاتمة، وأن البلاد تتجه، وإن ببطء، نحو الإفلاس، مع عدم وجود مؤشرات على بذل جهود أو سياسات لعكس هذا الاتجاه أو إبطاءه.

ومن البديهي القول إنه في ظل التخبط الاقتصادي والانقسام السياسي الذي تسبب في شل نشاط مؤسسات الدولة، فإن حالة الرضا العام عن التجربة الديمقراطية كانت هي الأخرى في طريقها إلى التلاشي. والأرجح أن أحدهم، سواء عاجلا أو آجلا، سوف يستغل الوضع الحالي للاستيلاء على السلطة.

من هذا المنظار ينبغي الحكم على الإجراءات التي قام بها الرئيس التونسي، فإن هي نجحت في توفير الشروط اللازمة لوضع البلاد على طريق الإصلاح والتعافي السياسي والاقتصادي، فإنها سوف تكتسب مشروعية مجتمعية، بغض النظر عن التسمية التي سوف تطلق عليها، وإن هي أدت إلى العكس، فستواجه بمعارضة داخلية شديدة وانتقادات وعزلة دولية.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.