بايدن خلال استقبال العاهل الأردني وولي عهده.
بايدن خلال استقبال العاهل الأردني وولي عهده.

الإعلام الأردني "الرسمي"  مثل أغلب الإعلام العربي، يحمل مفارقاته ونوادره التي تعكس ضخامة الرقيب الذاتي في مطبخه الصحفي. قبل سنوات عديدة، كانت هناك زيارة للملك الأردني عبدالله الثاني إلى واشنطن، وبعد انتهاء الزيارة الرسمية كان عنوان الصحيفة اليومية الرسمية بالخط العريض: "زيارة الملك إلى واشنطن كانت ناجحة جدا جدا جدا".

طبعا العنوان غير مهني بالمطلق، وحماس المحرر المسؤول للتبجيل الهائل تفوق على كل المهنية والموضوعية إلى حد تكرار "جدا" ثلاث مرات.

اليوم، وبعد زيارة الملك الأردني الأخيرة إلى عاصمة القرار العالمي "واشنطن" أجدني أتذكر تلك القصة الصحفية الأردنية، وأقول مازحا لزميل صحفي أردني التقيته أمس في العاصمة الأردنية عمان أن المحرر المسؤول صاحب مانشيت "ناجحة جدا جدا جدا" يجب ان يتم استحضاره الآن بذات المانشيت الغريب العجيب، فزيارة الملك الأردني الأخيرة كانت بمقاييس العلاقات الدولية والتشابكات الإقليمية ناجحة فعلا، بعد معاناة في العلاقات مع الإدارة السابقة حشرت الأردن طوال أربع سنوات ماضية في زاوية ضيقة من الحركة وانكفاء لمساحات أكثر ضيقا في الإقليم.

القراءات في الزيارة كثيرة، والراشح منها سواء في العاصمة الأردنية عمان أو واشنطن لا يعكس الارتياح الموحي بالاسترخاء، بقدر ما يعكس ضغطا هائلا في الوقت والجهد وكثير من عمليات تدوير الدفة نحو الاتجاهات المعاكسة أو التسريع بجهد دولي نحو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ضمن خيارات ومقترحات كانت مطروحة على طاولة الملك في كل نقاشاته المتعددة في واشنطن.

مما قرأناه في الأخبار وشاهدناه في الزيارة وسمعناه من مصادر موثوقة، فإن الملك عبدالله الثاني فعليا كان يحمل حزمة ملفات الإقليم وبتفويض واسع من دول في الإقليم ليناقشها ويواجه أسئلة طاقم إدارة بايدن بمقترحات "حلول" تم اعتماد كثير منها.

في الملف السوري، وهو أكثر الملفات إثارة للجدل المتفجر بعد المقابلة التي أجراها الملك مع فريد زكريا على قناة "سي.أن.أن"، حيث كانت الإشارة الملكية الواضحة لضرورة تعامل واشنطن مع النظام السوري في دمشق!

الملك الذي دمج الاقتصاد بالسياسة كمفهوم إقليمي متكامل يحمل حلولا أيضا لمملكته المنهكة ماليا واقتصاديا، كان يمارس أقصى درجات "البراغماتية" في وضع الأميركان أمام حسم خياراتهم السياسية في سوريا، وكانت لغة الملك واضحة بالإنكليزية في طرح خياري تغيير النظام أو تغيير السلوك (regime change or behavior change).

طرح الملك كان مواجهة مفتوحة أمام أعشاش دبابير "هيئات ومعارض" المعارضة السورية المختلفة، ويبدو - حسب قراءات سير الأحداث- قد تم التنسيق فيه مع دمشق بهدوء، وهو ما يتماهى مع فكرة "المشرق الجديد" التي برزت قبل شهور كتحالف اقتصادي تنموي وسياسي في حده الأدنى بين العراق والأردن ومصر، وتحددت أهدافه بقطاعات (النفط والطاقة والنقل وتجارة السلع والعمالة)، وبالنسبة للأردن كان واضحا أن موقعه الجغرافي يجعل قطاع النقل وتجارة السلع ميدانه الرئيس، وهو ما يتطلب توسيع مساحات التحرك في النقل لتعظيم الفوائد.

القرار بفتح الحدود البرية لنقل البضائع والأفراد وتأهيل تلك الحدود لذلك كان جاهزا للتنفيذ عشية عودة الملك من زيارته الواشنطونية، وهو ما كان لافتا أيضا في رد فعل فصائل المعارضة السورية الفوري بقطع الطريق بين عمان ودمشق من خلال أعمال مسلحة، وتثوير منطقة درعا في الجنوب السوري، المنطقة الأكثر تعقيدا في جغرافيا الأزمة السورية والتي تشكل ميدان نزاع إقليمي بين إيران وروسيا تحديدا، وصراع نفوذ بين مراكز قوى النظام السوري نفسه وبين كل هؤلاء وفصائل المعارضة المختلفة، وهو ما يعطل إلى حين عملية إصدار وتفعيل بطاقة العضوية السورية في نادي "المشرق الجديد".

--
..لكن.. جعبة الملك كانت لا تزال تحمل مزيدا من المفاجآت حين طرح أمام الأميركان الأزمة اللبنانية بصيغة قنبلة ذرية إقليمية قد يكون لتفجيرها تداعيات غير متوقعة ( الملك طرح القصة علنا في مقابلة فريد زكريا كنبوءة مفاجئة بلا تفسير).

اللغز الذي حملناه لأقرب نقطة ممكنة يمكن أن تفسر مقاصد العاهل الأردني كان تفكيكه بمفاجأة صادمة فحواها أن الدولة اللبنانية ككيان متهالك، ستنهار دفعة واحدة بكل مؤسساتها خلال فترة وجيزة، وأن انهيارا كاملا للدولة "المبنية طائفيا" في لبنان يعني انزياحات طائفية مرعبة، تتمثل في موجة هجرات مسيحية واسعة وتخندق سني في طرابلس والشمال يشكل بيئة خصبة لتيارات التطرف السلفي، وإفلات حزب الله في الجنوب "وكامل بيروت" والذي سيرى في نفسه وريثا "شرعيا" للدولة بحكم الأمر الواقع، وهو ما يعني ببساطة استكمال الحضور الإيراني بكامل "هلاله السياسي" في شرق المتوسط أو شرق أوسط هذا العالم.

حسب الوارد من واشنطن، فإن "الحل اللبناني" سيأخذ صيغة الاستعجال الفوري من خلال العمل على مستويين : تقوية ودعم مؤسسة الجيش اللبناني بصفتها المؤسسة الأكثر ضمانة بين اللبنانيين. والعمل على وضع مخطط نوعي لبرنامج مساعدات إقليمي ودولي بإشراف فرنسي وأمريكي وموزعة ادواره بعناية بين الدول المساهمة لإنعاش الاقتصاد اللبناني وبعث الحياة فيه.

الأردن سيكون مستفيدا بالضرورة من مشروع مارشال خاص بلبنان من خلال حضوره الجغرافي "المجهز مسبقا" كحاضن وسيط لكل قطاع النقل التجاري عبر سوريا والذي لا يزال يواجه مشاكله الأمنية.

حسب مصادر من واشنطن والعاصمة الأردنية، فإن الملك كان يتحدث بتفويض من الرئيس المصري ورئيس الوزراء العراقي، وحسب مصدر مقرب من القصر فإن اتصالات تنسيقية مكثفة بين أبوظبي وعمان سبقت زيارة الملك وحملت معها توافقات عديدة على رؤية إقليمية جديدة، وهي رؤية لم تستثن السعودية نفسها كما علمنا من واشنطن، بل إن الإشارة "العاتبة بنعومة " للسعودية في مقابلة الملك على "سي.أن.أن" كانت مختلفة تماما عن تفاصيل المحادثات المغلقة، وحسب مصدر من الحضور في واشنطن فإن الملك وطاقمه روجوا للقيادة السعودية كحالة إصلاحية نوعية مهمة وحاضرة في الإقليم، وخاض الملك كثيرا من المرافعات الدفاعية عن الرياض أمام إدارة بايدن المتحسسة من كل تحالفات إدارة ترمب.

حتى "محمود عباس" الذي فوض الملك في عمان بالتحدث باسمه "!" واسم سلطته المتهالكة، وجد مخرجا آمنا بتبني واشنطن فكرة إطالة حضور تلك السلطة لفترة زمنية أطول، وزيادة مدة "انتدابها" في مناطق نفوذها لحين الوصول إلى مرحلة ناضجة لابتكار الحلول وتأهيل الأطراف المشاركة، إما لصيغة جديدة من "حل دولتين" أو فكرة نوعية مناسبة ومن خارج الصندوق كله تتماشى مع عمليات فك وتركيب المنطقة من جديد، تركيب اقتصادي تنموي يقود التصورات السياسية وحسب ما قيل في واشنطن فهناك تصور مؤسس على شراكة إقليمية تعيد بناء المنطقة عبر الاندماج والتكامل.
لكن ستبقى فكرة الحل السلمي هي المجال الحيوي الوحيد الذي يمكن الحديث عنه وفيه والانطلاق منه لأي حلول قادمة، حتى من بينها ما أقره الحزب الديمقراطي الأميركي في برنامجه لعام 2020 (الذي انقضى) كدعوة لإنشاء دولة فلسطينية "قابلة للحياة" وأن للفلسطينيين "حرية حكم أنفسهم.

وكنا قد أسلفنا في مقالات سابقة قرأنا فيها إدارة بايدن، وخلصنا فيها إلى أن تلك الإدارة فعليا لا تحمل مبادرة سلام جدية، بل حزمة من إجراءات "فك التوتر" تساعد على إدارة الأزمات الراهنة لا حلها، لكنها في نفس الوقت تحمل "نوايا جدية" في البحث عن حلول بعيدة عبر مفاوضات مستمرة، قد لا تحمل أهدافا بين المتفاوضين إلا إعادة الثقة في الحوار نفسه.

وحسب ذات المصادر التي تواصلنا معها في واشنطن، فإن الإدارة الجديدة فعليا ومنذ أيامها الأولى كانت قد أرسلت إشارات طمأنة قوية للعاصمة الأردنية عمان، وتحديدا إلى القصر الملكي بضرورة إعادة تفعيل الدور الأردني التاريخي كحالة حيوية في أي تحرك في العملية السلمية.

فالأردن – حسب قراءات الإدارة الجديدة والواقعية جدا- يعد الأكثر عرضة لتأثيرات انسداد آفاق التسوية بين إسرائيل والفلسطينيين، وقد أظهرت عمان اهتمامًا مستمرا ولعبت دورًا بناء على مر السنين في محاولة إنهاء الصراع،  ما يحتم على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية لإعادة تنشيط تعاونها مع الأردن في معالجة الصراع، لا كطرف مشارك أو مراقب، بل كطرف فاعل قادر على صنع المبادرات الإقليمية بما يخدم العملية السلمية بمجملها.

--
 وفي جانب أكثر طغيانا في حضوره بلا ثرثرة الكلمات، ويتعلق في الشأن الأردني الداخلي نفسه، فإن الحميمية الدافئة بين إدارة الملك وإدارة بايدن والتي كتب عنها الجميع بتحليلات قرأت الخطابات والتصريحات بل حتى لغة الجسد والمصافحات الاستثنائية في زمن كورونا لم تكن وحدها اللافتة.

اللافت الأكبر كان في حضور الأمير الشاب نجل الملك وولي عهده في كل الاجتماعات بلا استثناء، والدفء البالغ في استقباله من قبل الإدارة.

كان القصر الملكي الأردني يرسل رسالة بالغة التكثيف والترميز والوضوح بأن الرد الحاسم على كل "قضية الفتنة" يتمثل في حضور الأمير لأهم محادثات سياسية في عالم العلاقات الدولية مشاركا فاعلا، في سياق تهيئته كمشروع ملك قادم ومنجز الأهلية. كانت إشارات الرئيس الأميركي نفسه ذات دلالات وهو يذكر لولي العهد بحضور والده الملك تواتر العلاقات من الجد إلى الحفيد.

كان حديث بايدن عاطفيا ومؤثرا لكن التركيز على حميمية العلاقة الواشنطونية مع الملك الأردني بلغت حد المبالغات في سياق ردود منامفة بأثر رجعي موجهة لإدارة ترمب السابقة وتجلى ذلك بالسيدة نانسي بيلوسي، التي نتذكر عداوتها الشرسة مع الرئيس السابق، وقد وقفت ترحب بالملك الأردني بتواضع مبالغ به كرسالة بأثر رجعي فترتكب خطأً بسيطاً في التسلسل التاريخي حين تقول إنها تعاملت سياسيا مع الملك منذ كان "وليا للعهد!!". تلك زلة طفيفة جعلت الملك نفسه يبتسم ويمررها بسرور ما دام المستهدف هو أيام ترمب العجاف. قضية الفتنة لم تكن حاضرة على جدول أعمال الفريقين إلا بأسئلة تشبه مجاملات استهلالية في الاجتماعات تشبه سؤال "كيف الحال والأحوال" من قبل واشنطن، وهذا ليس بمستغرب أمام معلومات موثوقة بأن واشنطن هي التي بادرت بكشف معلوماتها الأمنية وتقديمها للأجهزة الأردنية والقصر الملكي بخصوص تحركات الأمير حمزة وتفاصيل أمنية أكثر دقة عن "صفقة القرن ودور باسم عوض الله".

الزيارة الملكية "النوعية" سبقها ضجيج لم يتعد حدود وسائل التواصل الاجتماعي بما يسمى "المعارضة الخارجية" التي حاولت جاهدة وبيأس تجييش وقفة احتجاج أمام البيت الأبيض ضد زيارة الملك، محتجة على دعم الإدارة الأميركية له مبرزة عريضة من مطالب الإصلاح السياسي وقائمة بأسماء معتقلين أمنيين بتهم سياسية، لكن تلك الوقفات الاحتجاجية انتهت بعروض فيديو فردية لم تحدث تأثيرا على زيارة الملك، والذي صنع التأثير بنفسه حين أوقف موكبه في شوارع واشنطن أمام مسيرة "تأييد" لزيارته وله شخصيا، حمل فيها من قيل أنهم "نخب مثقفة" لافتات التبجيل والتمجيد للملك، ونزل من سيارته ليحييهم شخصيا، وهو المشهد "الاستثنائي والغريب" والذي كان الأردنيون يشاهدونه مثل غيرهم في زيارات الرئاسة المصرية في عهدي الراحل حسني مبارك والرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي.

التفسير الوحيد المنطقي لقرار الملك "الارتجالي ربما" لكن غير المسبوق بلا شك، إيقاف موكبه وتحية "مؤيديه" في واشنطن أن الملك أيضا كان تحت تأثير حماس زيارته التي أدرك أنها "ناجحة جدا جدا جدا".

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.