في حقيقة الأمر ليست مشكلة معضلة الكهرباء هي ماينغص الحياة فقط بل تفاقم الشعور السلبي وانسداد الأفق
في حقيقة الأمر ليست مشكلة معضلة الكهرباء هي ماينغص الحياة فقط بل تفاقم الشعور السلبي وانسداد الأفق

يحكى أن سؤالا موحداً وجه ذات يوم إلى ياباني وأفريقي وعربي حول رأي كل منهم في انقطاع الكهرباء. الياباني الذي أصيب بما يشبه الصدمة الحضارية أجاب: "ماذا يعني انقطاع الكهرباء؟. أما الأفريقي الذي بدا وكأنه يسمع بالكلمة للمرة الأولى أجاب: "ماذا يعني كهرباء"؟. فيما ارتبك العربي وأجاب بصوت هامس ومذعور: "ماذا يعني ماهو رأيك؟!".  

تحضرني هذه الطرفة السوداء في مثل هذه الأيام العسيرة التي تهيمن فيها جائحة كورونا وفي ظل أجواء مناخية شديدة الحرارة تغطي معظم الدول العربية، وأنا أتصفح منشورات بعض الأصدقاء في فيسبوك، حيث أتوقف عند غضب صديقتي الليبية وحنقها الشديدين، ليس بسبب انقطاع الكهرباء فقط، بل مما نشرته هيئة الأوقاف في بلادها تعقيباً على أزمة الكهرباء ودعوتها الليبيين إلى عدم الغضب أو الضجر واعتبار الصبر على مثل هذه المصائب يُؤجَر عليه. 

أنتقل إلى صفحات الأصدقاء العراقيين، لأجد أن منسوب الغضب أكثر ارتفاعاً، والشتائم ذات العيار الثقيل تكال إلى جميع المعنيين بهذه المشكلة دون تفرقة.

أما أحوال الأصدقاء في لبنان والسودان، فلا تبدو متشابهة فحسب، بل يمكن وصفها بالكارثية، وبخاصة في لبنان الذي يعتمد مواطنوه على التغذية التي توفرها المولدات الخاصة المكلفة شهرياً، والتي انقطعت بدورها أو قننت خدماتها بسبب أزمة المحروقات وارتباطها بسلسلة نكبات لبنانية ذات صلة وأكثر سوداوية. 

وسط هذا المشهد العربي المحتقن و"المكهرب" عصبياً، سيبدو السوريون وكأنهم باتوا الأكثر استرخاء بعد أن اعتادوا وتأقلموا مع هذه المعضلة المتفاقمة منذ أكثر من عشر سنوات وكأنها أبدية. يجربون من جانبهم بما اكتسبوه من خبرات في هذا الصدد، تقديم النصائح لأصدقائهم العرب من الضحايا الجدد لأزمات الكهرباء، وإرشادهم حول كيفية الالتفاف على المشكلة، عبر اللجوء إلى بعض البدائل والحلول البسيطة التي يمكنها التخفيف من الآثار الكارثية لغياب التيار الكهربائي عن الحياة.

نصائح وبدائل يمكن تلخيصها بخارطة طريق العودة إلى الحلول البدائية التي اتبعها الأجداد قبل وجود الكهرباء وكأنها لم تكن. من مثل استبدال بعض الأطعمة المبردة في الثلاجات بأخرى تعتمد على التجفيف الحراري تحت الشمس أو التيبيس أو حفظها لسنوات باستخدام المواد الطبيعية الحافظة مثل الزيت والملح والسكر. وهي حلول أثبتت جدواها عبر آلاف السنين وينصح بها لقيمتها الغذائية العالية، مع أهمية التوجه نحو الأطعمة الطازجة وتقنين الكميات بما يكفي كفاف يوم واحد.

أضف إلى محاولات تجميل الكارثة ومنحها بعض خفة الظل حول ما يوفره غياب الكهرباء من فوائد صحية افتقدها الإنسان المعاصر، مثل النوم والاستيقاظ المبكر، أو إضفاء بعض اللمسات الرومانسية على السهرات ببعض الشموع، والتخلص من زعيق محطات التلفزيون وإزعاجاتها، وإفساح المجال للحوارات المفتقدة، وأهمية العودة للقراءة، والتخلص ما أمكن من الاحتلال الكهربائي وهيمنته على كافة تفاصيل حياة الأفراد.

كأن يتم الاستغناء عن الكماليات الكهربائية مثل المكيفات والمكانس الكهربائية ومجففات الشعر، والحرص على ارتداء الملابس القطنية الصحية التي لاتحتاج إلى كيّ، وتنمية عضلات الجسد بالتمرين اليومي لصعود الدرج دون الحاجة إلى مصعد، مع التشديد على ضرورة الاحتفاظ ببطاريات مشحونة جيداً تحسباً لأي طارىء، ولأجل خدمة الإنترنت و"فش الخلق" على وسائل التواصل الاجتماعي تجنباً للانهيار العصبي.

يبدو الحديث عن هذا الأمر مضحكاً-مبكياً، وكل محاولات مداراة المعاناة بالسخرية وبعض الهزل ليست أكثر من محاولات لترميم النفس ومحاربة الكآبة، وأنت تراقب العالم وهو يتجاوز عشرينيته الأولى من القرن الواحد والعشرين، وتراقب المركبات الفضائية تحط على القمر والمريخ وتسبر باقي الكواكب وإمكانية الحياة فيها، وتجرب بنفس مقهورة أن تيسّر تفاصيل يومياتك لتتوافق مع شروط العيش قبل مائة عام.

وفي حقيقة الأمر، ليست معضلة الكهرباء هي ماينغص الحياة فقط، بل تفاقم الشعور السلبي وانسداد الأفق بإمكانية الحصول على إجابات شافية ومقنعة حول أسباب استمرار فشل الحكومات المعنية بالعثور على حلول جذرية لمواطنيها تعالج أزمات الكهرباء ومليون مشكلة أخرى عالقة في السياق. فإن سلّمنا بتأثير الحروب والعقوبات على بعض الدول مثل سوريا، والفساد المخزي الذي التهم حيوات اللبنانيين، فما هي أسباب دول ثرية بالنفط والموارد مثل ليبيا والسودان والعراق سوى العبث؟؟

وهل علينا أن نصدق حقاً تلك الأكاذيب الكبرى حول عدم الاستقرار السياسي والاضطرابات المتكررة والممتدة من العراق إلى لبنان إلى السودان وليبيا والتي أصابت بضررها قطاع الكهرباء الحيوي وتسببت بكل هذا الإظلام وفرض التمرين المستمر على العيش في الجحيم العربي؟. ببساطة شديدة، يكمن الجواب في جوهر تلك الطرفة السوداء:" ماذا يعني ماهو رأيك؟". 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.