الإطار القانوني الذي أقره الاتحاد الأوروبي يتيح إمكانية فرض عقوبات على الأشخاص والكيانات المسؤولة عن التعرّض للديموقراطية أو لسيادة القانون في لبنان
"عمليا السعودية قد عبرت عن موقفها باللا موقف، وظلت مصرة على عدم التدخل بالشأن الداخلي اللبناني"

في اليوم الثاني للتكليف غادر السفير السعودي الأستاذ وليد البخاري بيروت متوجها إلى الرياض. توقيت المغادرة يقطع الشك باليقين بأن الرياض أدارت ظهرها للتكليف والتأليف معا، كما أن قرار سفر البخاري يمكن تفسيره أو وضعه في إطار رفع الحرج عن السفارة السعودية بسبب كثرة المتصلين، والاتصلات من قبل المعنيين مباشرة بالتكليف ومن قبل طرف ثالث يحاول التوسط بين الجهتين، حيث يظهر أن من هندس عملية التكليف بات معنيا بانتزاع موقف سعودي يمكن أن يطمئن المكلف في مهمته التي باتت شبه مستحيلة.

عمليا السعودية قد عبرت عن موقفها باللا موقف، وظلت مصرة على عدم التدخل بالشأن الداخلي اللبناني. فمن الواضح أن اللقاء الثلاثي الذي جمع وزير خارجيتها الأمير فيصل فرحان مع نظيريه الفرنسي جون إيف لودريان والأميركي توني بلنكين لم يخرج بتفاهمات يمكن أن تتحول إلى مشروع عربي دولي يساعد لبنان على الخروج من أزمته، وهذا ما يعزز الاعتقاد بأن زيارة السفيرة الفرنسية آن غريو والأميركية دورثي شيا إلى الرياض لم تتجاوز حدود استطلاع وجهات النظر ولن تقترب إلى مستوى إجرائي.

بين الغياب السعودي عن مشهد التكليف والتأليف وتأثيره الثقيل على الموقف الخليجي والعربي، إضافة إلى الصمت الأميركي الغريب من عملية التأليف، يبدو أن الموقف الدولي من المسألة اللبنانية أكثر تعقيدا من العقد التي تواجه الرئيس ميقاتي في عملية التأليف، وهذا ما يؤكد أن الاندفاعة الفرنسية في التكليف والتأليف بدأت ترواح مكانها وبأن التفاؤل الداخلي الذي ترافق مع لحظة التكليف بدأ بالتخبر.

بعد أقل من 48 ساعة على التكليف، ظهرت إلى العلن متاهة التأليف، فعلى ما يبدو أن المكلف بُلغ سريعا بشروط التأليف، والواضح أن جنرال بعبدا وصهره ليسا بوارد التخفيف من شروطهما التي وضعاها بوجه الرئيس السابق سعد الحريري. فجبران باسيل ليس بوارد التنازل عن الثلث المعطل، ولا القبول بأن يسمي ميقاتي الوزراء المسيحيين، كما أن التيار الوطني الحر يراهن على حقيبة الداخلية إذا كانت هذه الحكومة ستشرف على الانتخابات المقبلة، أما ميشال عون فيصر على معركة تصفية الحسابات مع خصومه في السلطة لذلك يريد من ميقاتي تعهدا بإجراء التدقيق الجنائي، والشرط الأغرب أن يلتزم ميقاتي بمهلة الشهر للتأليف وإلا عليه الاعتذار.

لن يأبه فريق عون لمخالفاته الدستورية وخصوصا بنود الطائف، لذلك من الطبيعي أن يعتبر المكلف مهلة التأليف تحتاج إلى تعديل دستوري، وأنه لا يستطيع أن يعطي عون وباسيل ما رفض سعد أن يعطيه، فهو بحاجة إلى داعمين؛ الأول كتلة سعد الحريري البرلمانية وتحالفاتها السياسية، أما الثاني ضرورة إرضاء الشارع السني وخصوصا الطرابلسي الذي لن يتسامح مع أي تنازل لصالح الثنائي (عون_باسيل).  فيمقاتي الذي قبل بمهمة التأليف يبحث أيضا عن أرباح انتخابية.  

يبدو أن هذا الثنائي الغريق لا يخشى من بلل جديد، فهو غير مستعد للتراجع أمام التهديدات الأوروبية بفرض عقوبات عليه، وبالنسبة له لن تكون أشد صعوبة من العقوبات الأميركية، كما أنه يلعب بحرفة في المنطقة الرمادية التي تركها حزب الله بين حلفائه المتخاصمين. فالحزب الذي ليس بوارد خسارة غطاء رئيس الجمهورية ولن يضغط عليه من أجل تسهيل مهمة ميقاتي، يستطيع التخلي عن ميقاتي وغيره ولكن لا يريد إضعاف عون.

وعليه، فمع معركة " الربحان" دائما التي يخوضها الثنائي عون باسيل ويقابلها معركة من أجل ربح حقيقي يخوضها ميقاتي، فإن هوة التأليف تتسع، ومعها يتوسع القلق المعيشي والتخوفات من سقوط حاد للعملة الوطنية مقابل الدولار ابتداء من الاثنين، إذا استمر تعثر التكليف وصعوبة الوصول إلى حل وسط بين الطرفين، خصوصا أن الخارج الذي غض الطرف عن المبادرة الفرنسية لن يمنحها وقتا إضافيا.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.