الشرطة التونسية تغلق مقر البرلمان
الشرطة التونسية تغلق مقر البرلمان

عندما انتهى الصديق الراحل قصي الصالح درويش من تحرير مؤلفه حول ما يجري في تونس زمن الحبيب بورقيبة، لم يجد أحسن من عبارة "يحدث في تونس" عنوانا لكتابه الجريء. لا زلت أتذكر يوم سلمني صديقي القاص والناقد السينمائي الراحل مصطفى المسناوي نسخة من الكتاب، وكانت الرقابة حالت دون وصوله إلى العموم، ليس في تونس وحدها التي كانت تعيش آخر سنوات "الزعيم والمجاهد الأكبر"، ولكن منع من التداول في بقية البلدان العربية باستثناء لبنان، هكذا حرمت الرقابة في المغرب القراء من الاطلاع على محتواه، إذ لم تكن سنوات الرصاص قد خف لهيبها بعد. تداولنا الكتاب بينا كمنشور سري. خصوصا أنه تضمن قصصا مغربية، منها قصة مدير الأمن الوطني التونسي في السبعينيات الذي تم تعيينه ملحقا في سفارة تونس بالرباط، وكانت له جولات "حميمية" رصدتها أجهزة مخابرات الحسن الثاني الذي لم يحترم قط زين العابدين بن علي.

الممنوع من الصرف 

لم يرتد قصي الصالح الدرويش، السوري المقيم في باريس معطف الأكاديمي، بل كان أديبا وصحفيا ألمعيا، خسرته الصحافة العربية بوفاته (2014). لهذا جاء كتابه عبارة عن تحقيق ميداني غير مسبوق، نقل فيه الكثير مما رأى وسمع وما تجمع لديه عن فساد نظام آيل للانهيار، بل إنه توقع في كتابه كثيرا من الأحداث، في مقدمتها استيلاء الجنرال "الزين" على دواليب الدولة، وغيرها من الوقائع والأحداث التي حدثت في تونس بعد ثلاثة عقود.
نعرف أن المكتبة العربية تفتقر كثيرا لهذا النوع من الكتب، والتي يمكن أن تقرأ في جلسة واحدة، مهما تعددت صفحاتها، لامتلائها بالتشويق وبما يمكن أن نطلق عليه النميمة السياسية الصادمة، خصوصا في مناخ يتسم بقمع حرية التعبير والرأي ومنع الوصول إلى المعلومة.

بعدها اهتم كتاب آخرون بالمنطقة العربية، لنقرأ كتبا من الصنف نفسه حول تونس والسعودية والإمارات وقطر والمغرب، كتب وقعها صحفيون أغلبهم فرنسيون. وما يجمع بين هذه المؤلفات أنها محررة بأسلوب خفيف وتعتمد على قصاصات الصحف وأقوال وتصريحات نشطاء المجتمع المدني وتقارير المنظمات الحقوقية، وعلى ما تسرب من أحاديث سرية لأهل السياسة المعارضين بالخصوص، والأكثر منها نميمة صالونات المجتمعات الراقية.
لنعد إلى كتاب قصي الصالح الدرويش الذي يعد من أبرز الصحفيين والخبراء العرب في الشؤون المغاربية، وإلى عنوانه المصيب عن تونس. فهذا البلد الصغير مساحة، الثقيل وزنا والكبير بتاريخه وأحداثه، بلد لا يتوقف عن صنع الأحداث المثيرة، وأن فعل "حدث" فعل ممنوع من الصرف بخصوص ما يعتمل داخل تونس، إلا في "الحاضر" و"الآن".
وإذا رغبنا في الاختصار، لنبدأ من بداية 2011، السنة التي تؤرخ لاندلاع ثورات "الربيع العربي"، والتي يعرف العالم أجمع أنها انطلقت من تونس، التي ظلت أخبارها دائما تتصدر الأحداث بوصفها نموذجا في الديمقراطية على المنطقة الاقتداء به في التداول على السلطة بواسطة انتخابات نزيهة وشفافة من أجل البناء الديمقراطي.

لا أزهار ولا نسائم

تابع الناس كيف انتقلت النيران الحارقة التي أضرمها في جسده الشاب التونسي محمد بوعزيزي ليصيب لهيبها المضطرم أنظمة تهالك المسيطرون عليها فوق كراسي الحكم كالخالدين، بدءا من مصر حسني مبارك، وليبيا معمر القدافي، إلى سوريا بشار الأسد، الذي رغم أن مهنته الأصلية هي طب العيون فإنه لم يُحدِّق جيدا في ما يَحْدِق بالبلد من ويلات أغرقتها في مآسٍ وفظاعات تناهز العقدين من الأعوام.

إن الربيع العربي لم يكن ربيعا حقيقيا، فلا أزهار وورود ولا ياسمين ورياحين في حدائقه، ولا نسائم عطرة. نستحضر هنا مصطلح "الربيع العربي" الذي ذاع، كان أول من صاغه تونسي، هو الكاتب الصحفي الصافي سعيد، الذي رأى أن واجبه يفرض عليه أن لا يبقى خلف مكتبه يدبج الكلمات، بل المساهمة في إنقاذ بلده، هكذا قدم الصافي سعيد نفسه للبرلمان وللانتخابات الرئاسية كمرشح مستقل، ولما لم يحالفه الفوز مرتين، لم يتراجع وظل حريصا على الحضور من خلال الإعلام، يسعى باستمرار لتقديم موقفه ورأيه في ما يحدث في تونس، لا يتوقف عن عرض نفسه كخبير ومستشار على الحاكمين، وهي عملية لم ينس خصومه أنه قام بها على عهد زين العابدين، إلا أن الأخير رفضه، كما يزعمون. 

رقم 17 يصل أولا

منذ وصول الرئيس قيس سعيد، وتونس تحت المجهر. كان صعود المرشح رقم 17 ضمن 26 مرشحا حدثا غير منتظر، فقبل الدور الأول من انتخابات 15 سبتمبر 2019 لم يكن واردا احتمال فوز مرشح مغمور، مستقل، لا حزب ولا جماعة وراءه غير زمرة من شباب الجامعة والثانويات والعاطلين، من كانوا يعرفونه جيدا، لأنه كان دائما معهم في تظاهراتهم واعتصاماتهم. كانوا يتحلقون حوله كجمهور حكواتي، يرفع من معنوياتهم ويمتعهم بتحليلاته السياسية والقانونية، ولكن أيضا برطانته الخطابية العالية، بلغته وطريقة نطقه للكلمات وضغطه على الحروف.
لما بقي قيس سعيد وجها لوجه أمام رجل الأعمال نبيل القروي في الدور الثاني، لم يكن هناك أي احتمال آخر غير صعوده ليكون الرئيس السابع لتونس.

أيامها كنتُ في تونس، في بدايات الحملة الانتخابية الرئاسية، وتابعتُ المناظرات التلفزيونية الثلاث بين المرشحين، كما تحدثت مع مواطنين من مختلف الفئات والشرائح والمهن، ثم كتبت مقالات أعلنت في إحداها الفوز الساحق للمرشح قيس سعيد بالرئاسة قبل موعد الاقتراع بأكثر من أسبوعين وإعلان النتائج.
لم أكن هنا عرّافا أو متنبئا يزعم معرفة الغيب، بل إن كل شيء كان واضحا أكثر من وضوح الشمس. ومما كتبته أن قيس سعيد كان بمثابة مرشح احتياطي لحزب النهضة الإسلامي، فخطابه يتماهى مع خطاب حركة النهضة، به الكثير من الاندفاع القومي والديني. لذلك أشار الغنوشي لأتباعه بالنزول للتصويت بكثافة على قيس سعيد بعد خروج مرشح النهضة عبد الفتاح مورو من الدور الأول. وكذلك الشأن جرى بالنسبة لفعاليات وأحزاب أخرى ولشخصيات مستقلة، كلهم وجهوا بوصلة تونس تجاه أستاذ الجامعة المختص في القانون الدستوري، ومن بينهم المرشح الخارج من الدور الأول الصافي سعيد.

لا أحد من هؤلاء ومن المتتبعين في تونس وخارجها كان يعتقد أن قيس سعيد ذو الملامح الجامدة حد السذاجة، والمنشغل بتدوير الكلمات في فمه أكثر من التفكير في المضامين، أنه سيفعلها، بالرغم من أن سيناريو الأحداث صار شيئا فشيئا باتجاه التباعد والفرقة بين رئيس البرلمان والرئيس وبقية حلفائه.
كما أن الإصلاح الانتخابي الذي جرت وفقه انتخابات الرئاسة لم يخول لمؤسسة الرئيس صلاحيات أوسع، بل إن منصب رئيس الحكومة ورئيس البرلمان حظيا بصلاحيات أكبر. 
الجميع اعتقد أن قيس سعيد ليس سوى كائن بيولوجي لا يتجاوز أن تكون لديه سمعة محترمة، رجل بسيط المظهر لكن كلماته تشي بالصدق، وأكاديمي ذو تكوين قانوني رائع. مرشح غير ملوث بالسياسة ولا بأخطاء وخطايا زبانية نظام الرئيس المخلوع، ولا بتبييض الأموال والتهرب الضريبي كما هو الشأن بمنافسه في الدور الثاني رجل الأعمال نبيل القروي. لذلك كان الخيار على قيس سعيد هدية غير متوقعة. 

سيرك.. جرائم وفطور ولا عشاء

وعلى امتداد ما يقارب العامين، تابع الناس كيف تحولت جلسات البرلمان التونسي إلى حلبات عراك وملاكمة، والفيديوهات موجودة على اليوتيوب، شاهدنا فيها نائبا إسلاميا يركل زميلته النائبة الليبرالية عبير موسي، وهي بالمناسبة رئيسة الحزب الدستوري وريث حزب بورقيبة وحزب بن علي. وكيف كانت الكلمات غير اللائقة تتطاير تحت صرح البرلمان، وتابعنا كيفية تسيير الجلسات من الرئيس الغنوشي ونظراته الغامضة من خلف نظارات طبية يتعمد أحيانا إنزالها فوق منتصف أنفه...
كلها أمور لا ينفرد بها البرلمان التونسي، بل تجد مقابلها في جل برلمانات الواجهة بالمنطقة العربية.

في عهد حكم حزب النهضة تراجعت الحريات العامة، وتراجع الاقتصاد لتتدهور أحوال التونسيين أكثر، ثم جاءت الضربة القاضية بانتشار جائحة كورونا، فجرى العصف بتونس نحو مهاوي الدول الفاشلة، صارت تونس الخضراء بلدا منكوبا يقف على أبواب الدول والهيئات العالمية المحسنة لتلقي المساعدات الغذائية والطبية. 
ووسط هذه اللجة المهولة لم يتوقف اللغط وتبادل الاتهامات في البرلمان بين النواب. ولا خف التراشق بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، بل اتخذ المشهد شكل مقدمات تنبئ بحرب أهلية. إننا أمام "لبْنَنَة" تونس كما كتبت مجلة "لوبوان" الفرنسية. ألا نسمي تونس "لبنان المغرب العربي"؟

كل هذا ورئيس البرلمان، زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي يحاول أن يظهر دائما بمالك رباطة جأش وقوة شكيمة، وكصاحب صبر وطول أناة، فهو لا يهتم بشتائم البرلمانية عبير موسي ضده وتنقيصها من مكانته، وتطاولها عليه بكون "تونس أكبر منه ولا تستحق رئيس برلمان من حجمه وصنفه الظلامي الإخونجي". لا يعبأ الغنوشي بكلام المرأة، خاصة وأن محاولات عدة لإسقاطه باءت بالفشل. وعندما قيل له إن قيس سعيد سيفعلها، تبسم وأجاب بأنه "شخص جبان ولن يجرؤ"...

غاب عن راشد الغنوشي المتمرس أن تونس لم تعد قاب قوسين أو أدنى من الكارثة، بل إنها أضحت بين كماشة القوسين. وأنها فوق الحافة لتصبح بعد خطوة واحدة من الهلاك المبين، وأن الأخطار أفدح مما يعتقد، وان تونس بلغت المأزق الحرج فعلا، وأن العواقب كانت ستكون جد مروعة لو لم يتخذ الإجراء بتطبيق المادة 80 من الدستور. 
ما لم يستحضره الغنوشي أن بلدا مثل تونس لا يحكم فقط من ذوي الشأن داخله، بل إن العالم والدول ذات المصالح عيونها بالمرصاد. إن تونس تحت رعاية الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية التي تراقب بدقة ما يجري، وأن قرار "تجميد" المؤسسات الذي اتخذته الرئاسة ليس قرارا انفراديا لقيس سعيد، بل هو قرار أمني تونسي وإقليمي ودولي. ومخطئ من يرى خلاف ذلك. 

إن تونس التي أطلقت صافرة هبَّة الربيع العربي قبل عقد، هي من ستطلق صافرة النهاية وبداية الشتاء. والدنيا دول، من سرّه زمن ساءته أزمان.
أما الباكون الآن على أطلال الديمقراطية وتجاوز المؤسسات، فيمكن القول "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"، و"رب ضارة نافعة"- يقول إسلامي منشق عن حركة النهضة.
ما حدث أن قيس سعيّد فطر بالغنوشي قبل أن يتعشى به الأخير. ولا خوف على تونس من تحول قيس إلى سيسي جديد، حتى وإن تردد أن أنف الجنرال المصري عبد الفتاح السيسي في "المَرْميطة" التونسية، وأن الإمارات والسعودية غير بعيدتين عما جرى ويحدث.

غفلة الغنوشي 

وعودة إلى صديقنا الراحل قصي الصالح الدرويش، فقد رجع مرة أخرى إلى الموضوع التونسي بنشر حوارات كان أجراها مع زعيم الإسلاميين المنفي وقتها في لندن، حيث جمعها في كتاب: "حوارات قصي الصالح الدرويش: راشد الغنوشي" (1990). وقد سارعت حركة النهضة بحذف هذا الكتاب من موقعها الرسمي بعد الاعتراف القانوني بالحركة ثم وصولها إلى الحكم والمشاركة السياسية.

فالغنوشي قام بمراجعة فكرية وسياسية، كما تقتضي في نظره التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت بتونس، لكنه فاته أن يستوعب جيدا ما يتحرك حواليه. 
فهل كان الغنوشي يتوقع الوصول إلى السلطة بهذه السرعة؟ ربما. لكن بالتأكيد لم يضع الرجل في حسبانه نزوله بهذه الطريقة لحظة وقوفه أمام باب البرلمان فمنعه رجال الأمن من الدخول. وبعد محاولته الاستقواء برئيس الحكومة (المشيشي) ثم بالشارع، سيكتشف الغنوشي أنه لا يملك ما يدعيه، وليس لديه سوى أتباعه وقد انقلب السحر على الساحر. وأن بعض ما يتم تجميده يصبح عصيا على التسخين. وإعفاءات مسؤولين كبار مع اتهام المئات بنهب المال العام خير دليل.

دكتاتورية وترطيب لُحى
هل خرق قيس سعيد الدستور؟ 
وهل انتهك حرمة المؤسسات وألغى الديمقراطية؟
هل سيتجه سعيّد بتونس إلى الوراء ودكتاتورية زين العابدين أو السيسي؟
أسئلة من بين أخرى تتناسل بسرعة، تجد أجوبتها في التاريخ وفي المستقبل، خاصة وجل القوى الخارجية تتابع بترقب وحذر ما يحدث وتطالب بالعودة السريعة إلى سكة القويمة للديمقراطية.
*** 
أما إخوان النهضة بالمنطقة، مثل العدالة والتنمية في المغرب، الذي حملتهم بالصدفة نيران تونسية (البوعزيزي) إلى الحكومة، فلم يكونوا بانتظار هزيمة الغنوشي وخيبته، إنهم يستعدون من فترة للنزول في سبتمبر المقبل، بعد أن أعد لهم مقلب "القاسم الانتخابي" الذي سيزيحهم طوعا أو كرها. فقد ضاق بهم صدر القصر قبل الشعب، رغم ما قدموه من تنازلات كبيرة. إن العثماني يستعد بترطيب زغب لحيته بعد أن شاهدهم يحلقون، ليس لحية سلفه بنكيران، بل لُحى الإخوان الأشداء في مصر ثم تونس.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.