الشرطة التونسية تغلق مقر البرلمان
الشرطة التونسية تغلق مقر البرلمان

عندما انتهى الصديق الراحل قصي الصالح درويش من تحرير مؤلفه حول ما يجري في تونس زمن الحبيب بورقيبة، لم يجد أحسن من عبارة "يحدث في تونس" عنوانا لكتابه الجريء. لا زلت أتذكر يوم سلمني صديقي القاص والناقد السينمائي الراحل مصطفى المسناوي نسخة من الكتاب، وكانت الرقابة حالت دون وصوله إلى العموم، ليس في تونس وحدها التي كانت تعيش آخر سنوات "الزعيم والمجاهد الأكبر"، ولكن منع من التداول في بقية البلدان العربية باستثناء لبنان، هكذا حرمت الرقابة في المغرب القراء من الاطلاع على محتواه، إذ لم تكن سنوات الرصاص قد خف لهيبها بعد. تداولنا الكتاب بينا كمنشور سري. خصوصا أنه تضمن قصصا مغربية، منها قصة مدير الأمن الوطني التونسي في السبعينيات الذي تم تعيينه ملحقا في سفارة تونس بالرباط، وكانت له جولات "حميمية" رصدتها أجهزة مخابرات الحسن الثاني الذي لم يحترم قط زين العابدين بن علي.

الممنوع من الصرف 

لم يرتد قصي الصالح الدرويش، السوري المقيم في باريس معطف الأكاديمي، بل كان أديبا وصحفيا ألمعيا، خسرته الصحافة العربية بوفاته (2014). لهذا جاء كتابه عبارة عن تحقيق ميداني غير مسبوق، نقل فيه الكثير مما رأى وسمع وما تجمع لديه عن فساد نظام آيل للانهيار، بل إنه توقع في كتابه كثيرا من الأحداث، في مقدمتها استيلاء الجنرال "الزين" على دواليب الدولة، وغيرها من الوقائع والأحداث التي حدثت في تونس بعد ثلاثة عقود.
نعرف أن المكتبة العربية تفتقر كثيرا لهذا النوع من الكتب، والتي يمكن أن تقرأ في جلسة واحدة، مهما تعددت صفحاتها، لامتلائها بالتشويق وبما يمكن أن نطلق عليه النميمة السياسية الصادمة، خصوصا في مناخ يتسم بقمع حرية التعبير والرأي ومنع الوصول إلى المعلومة.

بعدها اهتم كتاب آخرون بالمنطقة العربية، لنقرأ كتبا من الصنف نفسه حول تونس والسعودية والإمارات وقطر والمغرب، كتب وقعها صحفيون أغلبهم فرنسيون. وما يجمع بين هذه المؤلفات أنها محررة بأسلوب خفيف وتعتمد على قصاصات الصحف وأقوال وتصريحات نشطاء المجتمع المدني وتقارير المنظمات الحقوقية، وعلى ما تسرب من أحاديث سرية لأهل السياسة المعارضين بالخصوص، والأكثر منها نميمة صالونات المجتمعات الراقية.
لنعد إلى كتاب قصي الصالح الدرويش الذي يعد من أبرز الصحفيين والخبراء العرب في الشؤون المغاربية، وإلى عنوانه المصيب عن تونس. فهذا البلد الصغير مساحة، الثقيل وزنا والكبير بتاريخه وأحداثه، بلد لا يتوقف عن صنع الأحداث المثيرة، وأن فعل "حدث" فعل ممنوع من الصرف بخصوص ما يعتمل داخل تونس، إلا في "الحاضر" و"الآن".
وإذا رغبنا في الاختصار، لنبدأ من بداية 2011، السنة التي تؤرخ لاندلاع ثورات "الربيع العربي"، والتي يعرف العالم أجمع أنها انطلقت من تونس، التي ظلت أخبارها دائما تتصدر الأحداث بوصفها نموذجا في الديمقراطية على المنطقة الاقتداء به في التداول على السلطة بواسطة انتخابات نزيهة وشفافة من أجل البناء الديمقراطي.

لا أزهار ولا نسائم

تابع الناس كيف انتقلت النيران الحارقة التي أضرمها في جسده الشاب التونسي محمد بوعزيزي ليصيب لهيبها المضطرم أنظمة تهالك المسيطرون عليها فوق كراسي الحكم كالخالدين، بدءا من مصر حسني مبارك، وليبيا معمر القدافي، إلى سوريا بشار الأسد، الذي رغم أن مهنته الأصلية هي طب العيون فإنه لم يُحدِّق جيدا في ما يَحْدِق بالبلد من ويلات أغرقتها في مآسٍ وفظاعات تناهز العقدين من الأعوام.

إن الربيع العربي لم يكن ربيعا حقيقيا، فلا أزهار وورود ولا ياسمين ورياحين في حدائقه، ولا نسائم عطرة. نستحضر هنا مصطلح "الربيع العربي" الذي ذاع، كان أول من صاغه تونسي، هو الكاتب الصحفي الصافي سعيد، الذي رأى أن واجبه يفرض عليه أن لا يبقى خلف مكتبه يدبج الكلمات، بل المساهمة في إنقاذ بلده، هكذا قدم الصافي سعيد نفسه للبرلمان وللانتخابات الرئاسية كمرشح مستقل، ولما لم يحالفه الفوز مرتين، لم يتراجع وظل حريصا على الحضور من خلال الإعلام، يسعى باستمرار لتقديم موقفه ورأيه في ما يحدث في تونس، لا يتوقف عن عرض نفسه كخبير ومستشار على الحاكمين، وهي عملية لم ينس خصومه أنه قام بها على عهد زين العابدين، إلا أن الأخير رفضه، كما يزعمون. 

رقم 17 يصل أولا

منذ وصول الرئيس قيس سعيد، وتونس تحت المجهر. كان صعود المرشح رقم 17 ضمن 26 مرشحا حدثا غير منتظر، فقبل الدور الأول من انتخابات 15 سبتمبر 2019 لم يكن واردا احتمال فوز مرشح مغمور، مستقل، لا حزب ولا جماعة وراءه غير زمرة من شباب الجامعة والثانويات والعاطلين، من كانوا يعرفونه جيدا، لأنه كان دائما معهم في تظاهراتهم واعتصاماتهم. كانوا يتحلقون حوله كجمهور حكواتي، يرفع من معنوياتهم ويمتعهم بتحليلاته السياسية والقانونية، ولكن أيضا برطانته الخطابية العالية، بلغته وطريقة نطقه للكلمات وضغطه على الحروف.
لما بقي قيس سعيد وجها لوجه أمام رجل الأعمال نبيل القروي في الدور الثاني، لم يكن هناك أي احتمال آخر غير صعوده ليكون الرئيس السابع لتونس.

أيامها كنتُ في تونس، في بدايات الحملة الانتخابية الرئاسية، وتابعتُ المناظرات التلفزيونية الثلاث بين المرشحين، كما تحدثت مع مواطنين من مختلف الفئات والشرائح والمهن، ثم كتبت مقالات أعلنت في إحداها الفوز الساحق للمرشح قيس سعيد بالرئاسة قبل موعد الاقتراع بأكثر من أسبوعين وإعلان النتائج.
لم أكن هنا عرّافا أو متنبئا يزعم معرفة الغيب، بل إن كل شيء كان واضحا أكثر من وضوح الشمس. ومما كتبته أن قيس سعيد كان بمثابة مرشح احتياطي لحزب النهضة الإسلامي، فخطابه يتماهى مع خطاب حركة النهضة، به الكثير من الاندفاع القومي والديني. لذلك أشار الغنوشي لأتباعه بالنزول للتصويت بكثافة على قيس سعيد بعد خروج مرشح النهضة عبد الفتاح مورو من الدور الأول. وكذلك الشأن جرى بالنسبة لفعاليات وأحزاب أخرى ولشخصيات مستقلة، كلهم وجهوا بوصلة تونس تجاه أستاذ الجامعة المختص في القانون الدستوري، ومن بينهم المرشح الخارج من الدور الأول الصافي سعيد.

لا أحد من هؤلاء ومن المتتبعين في تونس وخارجها كان يعتقد أن قيس سعيد ذو الملامح الجامدة حد السذاجة، والمنشغل بتدوير الكلمات في فمه أكثر من التفكير في المضامين، أنه سيفعلها، بالرغم من أن سيناريو الأحداث صار شيئا فشيئا باتجاه التباعد والفرقة بين رئيس البرلمان والرئيس وبقية حلفائه.
كما أن الإصلاح الانتخابي الذي جرت وفقه انتخابات الرئاسة لم يخول لمؤسسة الرئيس صلاحيات أوسع، بل إن منصب رئيس الحكومة ورئيس البرلمان حظيا بصلاحيات أكبر. 
الجميع اعتقد أن قيس سعيد ليس سوى كائن بيولوجي لا يتجاوز أن تكون لديه سمعة محترمة، رجل بسيط المظهر لكن كلماته تشي بالصدق، وأكاديمي ذو تكوين قانوني رائع. مرشح غير ملوث بالسياسة ولا بأخطاء وخطايا زبانية نظام الرئيس المخلوع، ولا بتبييض الأموال والتهرب الضريبي كما هو الشأن بمنافسه في الدور الثاني رجل الأعمال نبيل القروي. لذلك كان الخيار على قيس سعيد هدية غير متوقعة. 

سيرك.. جرائم وفطور ولا عشاء

وعلى امتداد ما يقارب العامين، تابع الناس كيف تحولت جلسات البرلمان التونسي إلى حلبات عراك وملاكمة، والفيديوهات موجودة على اليوتيوب، شاهدنا فيها نائبا إسلاميا يركل زميلته النائبة الليبرالية عبير موسي، وهي بالمناسبة رئيسة الحزب الدستوري وريث حزب بورقيبة وحزب بن علي. وكيف كانت الكلمات غير اللائقة تتطاير تحت صرح البرلمان، وتابعنا كيفية تسيير الجلسات من الرئيس الغنوشي ونظراته الغامضة من خلف نظارات طبية يتعمد أحيانا إنزالها فوق منتصف أنفه...
كلها أمور لا ينفرد بها البرلمان التونسي، بل تجد مقابلها في جل برلمانات الواجهة بالمنطقة العربية.

في عهد حكم حزب النهضة تراجعت الحريات العامة، وتراجع الاقتصاد لتتدهور أحوال التونسيين أكثر، ثم جاءت الضربة القاضية بانتشار جائحة كورونا، فجرى العصف بتونس نحو مهاوي الدول الفاشلة، صارت تونس الخضراء بلدا منكوبا يقف على أبواب الدول والهيئات العالمية المحسنة لتلقي المساعدات الغذائية والطبية. 
ووسط هذه اللجة المهولة لم يتوقف اللغط وتبادل الاتهامات في البرلمان بين النواب. ولا خف التراشق بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، بل اتخذ المشهد شكل مقدمات تنبئ بحرب أهلية. إننا أمام "لبْنَنَة" تونس كما كتبت مجلة "لوبوان" الفرنسية. ألا نسمي تونس "لبنان المغرب العربي"؟

كل هذا ورئيس البرلمان، زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي يحاول أن يظهر دائما بمالك رباطة جأش وقوة شكيمة، وكصاحب صبر وطول أناة، فهو لا يهتم بشتائم البرلمانية عبير موسي ضده وتنقيصها من مكانته، وتطاولها عليه بكون "تونس أكبر منه ولا تستحق رئيس برلمان من حجمه وصنفه الظلامي الإخونجي". لا يعبأ الغنوشي بكلام المرأة، خاصة وأن محاولات عدة لإسقاطه باءت بالفشل. وعندما قيل له إن قيس سعيد سيفعلها، تبسم وأجاب بأنه "شخص جبان ولن يجرؤ"...

غاب عن راشد الغنوشي المتمرس أن تونس لم تعد قاب قوسين أو أدنى من الكارثة، بل إنها أضحت بين كماشة القوسين. وأنها فوق الحافة لتصبح بعد خطوة واحدة من الهلاك المبين، وأن الأخطار أفدح مما يعتقد، وان تونس بلغت المأزق الحرج فعلا، وأن العواقب كانت ستكون جد مروعة لو لم يتخذ الإجراء بتطبيق المادة 80 من الدستور. 
ما لم يستحضره الغنوشي أن بلدا مثل تونس لا يحكم فقط من ذوي الشأن داخله، بل إن العالم والدول ذات المصالح عيونها بالمرصاد. إن تونس تحت رعاية الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية التي تراقب بدقة ما يجري، وأن قرار "تجميد" المؤسسات الذي اتخذته الرئاسة ليس قرارا انفراديا لقيس سعيد، بل هو قرار أمني تونسي وإقليمي ودولي. ومخطئ من يرى خلاف ذلك. 

إن تونس التي أطلقت صافرة هبَّة الربيع العربي قبل عقد، هي من ستطلق صافرة النهاية وبداية الشتاء. والدنيا دول، من سرّه زمن ساءته أزمان.
أما الباكون الآن على أطلال الديمقراطية وتجاوز المؤسسات، فيمكن القول "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"، و"رب ضارة نافعة"- يقول إسلامي منشق عن حركة النهضة.
ما حدث أن قيس سعيّد فطر بالغنوشي قبل أن يتعشى به الأخير. ولا خوف على تونس من تحول قيس إلى سيسي جديد، حتى وإن تردد أن أنف الجنرال المصري عبد الفتاح السيسي في "المَرْميطة" التونسية، وأن الإمارات والسعودية غير بعيدتين عما جرى ويحدث.

غفلة الغنوشي 

وعودة إلى صديقنا الراحل قصي الصالح الدرويش، فقد رجع مرة أخرى إلى الموضوع التونسي بنشر حوارات كان أجراها مع زعيم الإسلاميين المنفي وقتها في لندن، حيث جمعها في كتاب: "حوارات قصي الصالح الدرويش: راشد الغنوشي" (1990). وقد سارعت حركة النهضة بحذف هذا الكتاب من موقعها الرسمي بعد الاعتراف القانوني بالحركة ثم وصولها إلى الحكم والمشاركة السياسية.

فالغنوشي قام بمراجعة فكرية وسياسية، كما تقتضي في نظره التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت بتونس، لكنه فاته أن يستوعب جيدا ما يتحرك حواليه. 
فهل كان الغنوشي يتوقع الوصول إلى السلطة بهذه السرعة؟ ربما. لكن بالتأكيد لم يضع الرجل في حسبانه نزوله بهذه الطريقة لحظة وقوفه أمام باب البرلمان فمنعه رجال الأمن من الدخول. وبعد محاولته الاستقواء برئيس الحكومة (المشيشي) ثم بالشارع، سيكتشف الغنوشي أنه لا يملك ما يدعيه، وليس لديه سوى أتباعه وقد انقلب السحر على الساحر. وأن بعض ما يتم تجميده يصبح عصيا على التسخين. وإعفاءات مسؤولين كبار مع اتهام المئات بنهب المال العام خير دليل.

دكتاتورية وترطيب لُحى
هل خرق قيس سعيد الدستور؟ 
وهل انتهك حرمة المؤسسات وألغى الديمقراطية؟
هل سيتجه سعيّد بتونس إلى الوراء ودكتاتورية زين العابدين أو السيسي؟
أسئلة من بين أخرى تتناسل بسرعة، تجد أجوبتها في التاريخ وفي المستقبل، خاصة وجل القوى الخارجية تتابع بترقب وحذر ما يحدث وتطالب بالعودة السريعة إلى سكة القويمة للديمقراطية.
*** 
أما إخوان النهضة بالمنطقة، مثل العدالة والتنمية في المغرب، الذي حملتهم بالصدفة نيران تونسية (البوعزيزي) إلى الحكومة، فلم يكونوا بانتظار هزيمة الغنوشي وخيبته، إنهم يستعدون من فترة للنزول في سبتمبر المقبل، بعد أن أعد لهم مقلب "القاسم الانتخابي" الذي سيزيحهم طوعا أو كرها. فقد ضاق بهم صدر القصر قبل الشعب، رغم ما قدموه من تنازلات كبيرة. إن العثماني يستعد بترطيب زغب لحيته بعد أن شاهدهم يحلقون، ليس لحية سلفه بنكيران، بل لُحى الإخوان الأشداء في مصر ثم تونس.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.