كالعادة انقسمت القنوات التلفزيونية بين من تروّج على أن هذا الحدث انقلاب على الديمقراطية، وأخرى وصفته تصحيحاً لمسار التحوّل الديمقراطي في تونس
كالعادة انقسمت القنوات التلفزيونية بين من تروّج على أن هذا الحدث انقلاب على الديمقراطية وأخرى وصفته تصحيحاً لمسار التحوّل الديمقراطي في تونس

في الأيام الماضية انشغلت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بالحدث التونسي، بعد إعلان الرئيس قيس سعيّد تعطيل البرلمان وحل الحكومة.

وكالعادة انقسمت القنوات التلفزيونية بين من تروّج على أن هذا الحدث انقلاب على الديمقراطية، وأخرى وصفته تصحيحاً لمسار التحوّل الديمقراطي. ويعد هذا الانقسام تعبيراً عن المواقف السياسية لدول الخليج العربي التي تهيمن على أهم قنوات الإعلام العربي، والتي تتعامل مع البلدان التي تشهد تحولاً نحو الديمقراطية بحسب مصالحها ورؤيتها للأحداث.

لكن ما لفت انتباهي في قراءة خطوة الرئيس التونسي، هو موقف النخب الثقافية والأكاديمية والإعلامية التي قرأت القرارات باعتبارها محاولة لإقصاء حزب النهضة بزعامة راشد الغنوشي من السلطة والحكم بعد أن وصلوا إليها من خلال صناديق الاقتراع. ومن ثم، يجب أن يكون الموقف مبدئياً من الديمقراطية ورفض أيّ محاولة للالتفاف أو الانقلاب على إرادة الناخبين بصرف النظر عن كون من تم إقصائهم من التيار الليبرالي أو الإسلامي!

وقد تكون هذه المواقف صحيحة من حيث المبدأ، وربما يعبّر بعضها عن قراءة موضوعية تعتبر أي خطوة نحو قطع الطريق أمام التقادم بالممارسة الديمقراطية هو إجهاض لها. لكن من زاوية أخرى، ومن دواعي الدهشة والاستغراب أن يكون بعض النخبويين، إسلاميين أكثر من الإسلاميين أنفسهم؛ كونهم يدافعون عن وصولهم للسلطة عن طريق الآليات الديمقراطية حتى وإن لم يكونوا مؤمنين بها!

قد تعبر بعض المواقف عن لحظات انفعالية ومصلحية أكثر من كونها تتحدّث عن مبدئية ومعيارية في التقييم، والتي ربما تكون كاشفة عن الكثير من الواجهات النخبوية التي تتحيز للتيارات الأصولية الإسلامية بدوافع براغماتية، أو ربما هي تمثل نوعاً من الازدواجية التي باتت رائجة في المشهد الثقافي العربي بين نموذج يجمع بين المتناقضات: عنوان نخبوي، لكن التفكير سلفي أو طائفي. وقد تكون تعبيراً عن الانقسام السياسي بين الدول التي ترعى هذه النخبة أو تلك التي تصدر آراءها من خلال صفحاتها الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر المنصات الإعلامية. 

لا أريد توجيه الاتهامات بشأن الدوافع التي تقف وراء تلك المواقف، وليس غايتي الدخول في نقاش مع قراءة ما حدث في تونس وأبعاده المستقبلية. لأنها أولاً وأخيراً لا يمكن أن تحجب الكثير من الأخطاء التي ارتكبتها قوى وأحزاب الإسلام السياسي في الحكم طوال فترة السنوات الماضية، والتي أنتجت الخراب والفوضى ورسخت الانقسامات الاجتماعية. ولو كانت اهتماماتها في الحكم والإدارة ومشاريع التنمية الاقتصادية مثل اهتمامها في الترويج لنظرية المؤامرة والبحث عن عدو وهمي يستهدف تجربة حكمهم، لكانت البلدان التي يحكمونها في أعلى مراتب تصنيفات مؤشرات التنمية والرفاهية.

تاريخياً، لا يوجد ترابط بين النضال من أجل الديمقراطية وأحزاب وتيارات الإسلام السياسي، حتّى على مستوى التنظير والخطاب السياسي لم يكن الإسلاميون يتبنون الديمقراطية ولا يؤمنون بالانتخابات. ومقولات الإسلاميين العَقَدية، كما يلخصها المفكر اللبناني رضوان السيّد تركز على قضيتين: الأولى، الشريعة (وليس الأمّة) هي أساس المشروعية في الدولة والمجتمع. والثانية، الدولة ضروريةٌ لحفظ الدين، ولها مهمة دينية أساسية وهي تطبيق الشريعة.

ولذلك كانوا يقولون ويكتبون عن الديمقراطية، "كيف نُقدّم حكم العامة على حكم الله في صناديق الاقتراع؟... ومن قال أن السيادة للشعب كما في الديمقراطيات الغربية، بل هي للهِ عزَّ وجلّ." ومن ثمَّ تغيّرت مواقفهم تجاه الديمقراطية، بناءً على مقتضيات المصلحة وليس المراجعة والتجديد الفكري، وحتى عندما حدثت الثورات العربية التي ركبوا أمواجها وتغيرت مواقفهم تجاه الديمقراطية كان يؤكد على أنها أداة وليس ومبدأ يؤمنون به. 

لا توجد علاقة تربط بين أحزاب الإسلام السياسي والديمقراطية غير الانتخابات، فمنذ تسعينات القرن الماضي كان تعامل الإسلاميين مع الديمقراطية تعاملاً براغماتياً، فهم يؤمنون بالانتخابات فقط. أمّا بقية المبادئ والمرتكزات التي تتعلق بالحقوق والحريّات فهي محلّ نقاش وجدل، وبعضها مرفوض جملةً وتفصيلاً. حتّى الموقف من الانتخابات لم يكن هو نفسه في ستينات القرن الماضي؛ لأنَّ حضورها في الشارع لم يكن يوازي أو ينافس حضور الإيديولوجيات التي كانت تهمين على الساحة السياسية والفكرية والثقافية. 

يقول (راشد الغنّوشي) زعيم حزب النهضة في كتابه الديمقراطية وحقوق الإنسان: "ليس في الإسلام ما يمنع من الترتيبات التي جاء بها النظام الديمقراطي." وهنا نحتاج أن نتوقف عند مفردة "الترتيبات"، لأنّها تمثّل الإشكالية الرئيسة في التصور الإسلامي للديمقراطية. فعلى وفق تصور الغنوشي-الذي تتفق معه أغلب الأحزاب الإسلامية- يختزل التعاطي الإسلامي مع الديمقراطية مِن منظور التصور الأداتي. وفي العراق مع بداية هيمنة تيارات الإسلام السياسي على مقاليد السلطة والحكم، كانت أصدق عبارة توصَف علاقتهم بالديمقراطية، وصفهم التعاطي مع الديمقراطية "كحم أكل الميتة، فمَن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه"!

إذاً، كيف يمكن لمن يدافع عن الديمقراطية أن يقنع الجمهور بأن أحزاب الإسلام السياسي مؤمنة بها، وهي تمارس عملها الحزبي على أساس مبدأ السمع والطاعة! ورأس الهرم التنظيمي إما يكون قد وصل إليه بانتخابات شكلية منذ بداية تأسيسها، أو أنه يستمد زعامته الحزبية باعتبارها من بقايا أرث العائلة الدينية أو السياسية. 

لقد انتهت صلاحية التعاطي البراغماتي والتعامل الانتقائي مع الديمقراطية في نموذج حكم الإسلام السياسي، فهم الآن في مواجهة مباشرة مع جمهورهم الذي يطالبهم بتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية بعد أن أوصلهم إلى السلطة.

ولذلك عندما باتت شعاراتهم وخطاباتهم التي كانوا يرفعونها في أيام المعارضة أمام اختبار التطبيق العملي، فشلوا فشلاً ذريعاً. ورغم عدم تخليهم عن خطاب الورع والتقوى، لكنّهم باتوا غارقين في نِعَم السلطة ومغانمها.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.