قيس سعيد أثناء أداء القسم
قيس سعيد أثناء أداء القسم

ما أن وقعت "الواقعة" في تونس، حتى بدأت "سيناريوهات" مستقبل ثورة الياسمين تتطاير عبر أثير محطات التلفزة والإذاعات، وتتقافز على صدر صفحات الجرائد وزوايا الرأي والتعليقات، في مختلف أرجاء العالم، وبالأخص في هذه الرقعة منه. 

ولقد غلب على ردود الأفعال المتصلة بالحدث التونسي وقرارات الرئيس قيس سعيد، الطابع الأيديولوجي للجهات والتيارات الصادرة عنها، إذ عاود إسلاميو المنطقة، إنتاج سرديات "المؤامرة" وأحاديث "المظلومية"، في الوقت الذي أخفق فيه علمانيون متطرفون، في إخفاء مشاعر "الشماتة" ونوازع "الانتقام الثأرية"، حيال قوى الإسلام السياسي، الإخواني منها بخاصة. 

وكان جلياً، أن أغلب ردود الأفعال هذه، إنما جاءت محكومة بحسابات الانقسام السياسي والإيديولوجي في الدول والمجتمعات العربية، فمن كان له حسابٌ ثقيل مع إسلاميي بلاده، خرج شامتاً ومتشفياً، ومن كان له حساب أثقل مع "دولته العميقة"، خرج متضامناً ومندداً بـ"الانقلاب على الثورة والدستور"...قلة قليلة، احتكمت لقواعد الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير ومبادئ حقوق الانسان، التي لا تتجزأ، فكان صعباً عليها أن تنتصر لحركة النهضة بعد كل ما أظهرته من غطرسة واستعلاء ونزوع انتقامي مع "البورقيبية"، والأصعب منه، إسناد ميل استبدادي قد يأخذ ثورة تونس إلى ضفاف لا يشتهيها أحد، حتى وإن تظلل برداء "المستبد العادل"...هذه القلة انتصرت لمبادئ وقيم الثورة التونسية، وشددت على الحاجة لاستئناف مسار الانتقال الديمقراطي ومعالجة ما اعتوره من ضعف وإخفاقات ميزت عشريته الأولى. 

ومما زاد الطين بلّةً أن عواصم الإقليم و"محاوره"، لم تتأخر عن إظهار دعمها وانحيازها لهذا الفريق التونسي أو ذاك، وعاود إعلام هذه العواصم الفاعل والمقتدر، نشاطه المعتاد طيلة عشرية الربيع العربي، مسهماً في توتير المشهد، وغير متورع عن بث الغث والسمين، الزائف والحقيقي، من المعطيات والمعلومات التي تخدم سياساته التحريرية، أو بالأحرى سياسات الحكومات التي يتبع لها ويتلقى توجيهاته منها. 

ثلاثة سيناريوهات 

ثلاثة سيناريوهات جرى تداولها منذ اللحظة الأولى لاشتعال الحدث التونسي: تركيا 2016، مصر 2013، الجزائر زمن العشرية السوداء...مع أن هذه السيناريوهات جميعها، سيفقد أرجحيته، بعد أيام قلائل فقط، انقضت على قرارات سعيّد الاستثنائية. 

أولاً؛ في السيناريو التركي، إذ بدا للوهلة الأولى، أن "شيئاً ما" قد دار في خلد زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي في الساعات الأولى لانقلاب سعيّد، عندما دعا أنصار حركته والشعب التونسي، للنزول إلى الشوارع لحماية الثورة والدستور، ولاذ معتصماً ببوابة البرلمان التونسي المغلق والمجمّد...بيد أن الصدمة الأولى لزعيم النهضة وأنصاره، جاءت مزدوجة: فلم تلق نداءاته الاستجابة الشعبية المأمولة، فيما غالبية وزانة من الشعب التونسي، آثرت الاحتفال بقرارات سعيّد وإجراءاته...هنا وقعت الخيبة الأولى، وبدا أن إعادة انتاج سيناريو الانتفاضة الشعبية ضد محاولة الانقلاب العسكري على رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية في العام 2016، تبدو متعذرة، إن لم نقل مستحيلة. 

والحقيقة التي غابت عن ذهن زعيم النهضة على ما يبدو، أن حركته اليوم لم تعد بالقدر ذاته من الصدقية والجماهيرية الذي كانت عليه زمن الإطاحة بزين العابدين بن علي، ومع أن الأرقام والمعطيات سبق وأن أعطت ما يكفي من مؤشرات على تآكل شعبية النهضة، لكن يبدو أن "التفكير الرغائبي" يُلقي بأصحابه إلى قارعة "حالة إنكار" شديدة الغرابة والخطورة...والأرقام قالت أن النهضة خسرت ثلثي طاقتها التصويتية (مليون صوت تقريباً) ما بين أول وآخر انتخابات جرت في تونس في العقد الأخير، ثم أن الحركة التي ظلت تتقدم صفوف الأحزاب في كل الانتخابات، برغم تراجع حصتها من أصوات الناخبين ومقاعد البرلمان، لا بد وأن تتحمل القسط الأوفر من المسؤولية عن إخفاقات السنوات العشر الماضية، اقتصادياً واجتماعياً وصحياً (كورونا مؤخراً)، والحركة أصابها ما أصاب أي حزب سياسي من أمراض البقاء في السلطة وعوارضها، دع عنك تداعيات نظرية "التمكين" الإخوانية، التي تؤثر الجماعة على المجتمع، والحزب على الدولة. 

وثمة اعتقاد بأن فرص إعادة إنتاج سيناريو تركيا – 2016 في تونس، تتراجع مع كل يوم يمر على إجراءات الرئيس سعيّد، ومع كل حزب أو نقابة أو منظمة، تعيد تقييم وتقويم موقفها من "الانقلاب"، وليس مستبعداً أبداً أن تجد النهضة نفسها، وحيدة ومعزولة في مواجهة طوفان القرارات والإجراءات الاستثنائية التي يتخذها الرئيس سعيّد، سيما وأن قوى شعبية ونقابية وحقوقية وحزبية تونسية وازنة، ما انفكت تراجع مواقفها وتتراجع عن ردة فعلها الأولى. 

هنا أيضاً نفتح قوسين، لنورد ملاحظة هامة في سياق هذا التحليل، وهي أن الرئيس سعيّد، بخلاف جنرالات الجيش التركي، جاء إلى سدة موقعه عبر صناديق الاقتراع، وهو في الأصل رجل دستور وحقوق، وجاء انتخابه من خارج المنظومة الحزبية والطبقة السياسية التونسية، بمثابة صفعة للمنظومة والطبقة سواء بسواء، وهو بخطواته الاستثنائية، حظي بتأييد الجيش والمنظومة الأمنية وقطاعات واسعة من الشعب التونسي، قبل أن يلقى تفهماً (وتأييداً في كثير من الأحيان) من كبريات المنظمات المدنية التي لعبت دور "شبكة الأمان" لتونس ما بعد ابن علي، واستحقت جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودها. 

والجيش في تونس، بخلاف التجربة التركية، ليس له تاريخ في التدخل بالسياسة وتنظيم الانقلابات، وهو وإن محض الرئيس تأييده المُضمر، إلا أنه يفعل ما يفعل من منظور "تفويضه" في حفظ أمن البلاد وسيادتها واستقلالها وسلامة حدودها، وهو يحظى بتقدير وثقة غالبية التونسيين، على اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم. 

ثانياً؛ في السيناريو المصري (2013)، منذ الإطاحة بالملكية في مصر قبل سبعة عقود، ظلت المؤسسة العسكرية المصرية في قلب دائرة الفعل السياسي، قبل أن تصبح في صميم المعادلة الاقتصادية المصرية كما حصل مؤخراً...هذه الحالة لم تعرفها تونس بعد الاستقلال (ولا قبله بالطبع)، والجيش التونسي أقرب إلى مفهوم "الجيش المهني" الملتزم ثكناته...وإذا كانت العلاقة بين "الدولة العميقة" في مصر، وإخوانها، هي في التحليل الأخير، تجسيد للعلاقة بين الجيش والإخوان، فإن المعادلة في تونس تبدو مختلفة نوعاً. 

بخلاف مصر، تجذرت العلمانية – البورقيبية في الدولة والمجتمع والمدرسة الوطنية، ولعب المجتمع المدني التونسي دور "المعادل الموضوعي" لنفوذ الإخوان (النهضة) وشعبيتهم، لم تكن هناك حاجة للدولة العميقة وجيشها لخلق هذا "المعادل الموضوعي" كما في التجربة المصرية...مصر دولة قوية ومجتمع ضعيف، بخلاف تونس حيث تتفوق قوة المجتمع على قوة الدولة...الأمر الذي تنتفي معه الحاجة لتكرار سيناريو الانقلاب العسكري المتدثر بلبوس "ثورة شعبية"...إن تأثير "رباعي الوساطة" بقيادة الاتحاد التونسي للشغل، كان أبلغ وأفعل من التأثير الذي لعبه المجلس العسكري المصري في مرحلة الانتقال، ولعل هذا – من بين عوامل أخرى – هو ما جعل تونس تمثل "الاستثناء" في عشرية الربيع العربي، وأكسبها كل هذا العطف والتضامن على المستويين الإقليمي والدولي...ولا حاجة لتونس بسيناريو مصر – 2013، ولا فرص جدية لرجحان كفّة هذا السيناريو. 

ثالثاً؛ عشرية الجزائر السوداء، حين استجر "الانقلاب" على فوز الإسلاميين في الانتخابات العامة، بحراً من الدماء والضحايا (150-200 ألف قتيل)، وعشر سنوات من الرصاص والدم، وهو السيناريو الذي خشيه البعض، إذ ظنّ بأن النهضة قد تقتفي أثر الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، مدشنة مرحلة من العنف والاقتتال الأهليين في البلاد. 

مثل هذه "النبوءة السوداء"، لم تلحظ الفوارق الجوهرية بين زمنين وتجربتين، فلا النهضة تنتمي إلى مدرسة "الإنقاذ" ذاتها، برغم قواسمهما "الاسلاموية" المشتركة...ولا تونس ما بعد الاستقلال، هي جزائر ما بعد حرب التحرير، إن لجهة طبيعة الدولة ومستوى علمنتها، أو لجهة أدوار المجتمع المدني وأوزانه، ثم أن السياق الإقليمي والدولي بين تونس اليوم وجزائر ما قبل ثلاثة عقود، يظهر قدراً أقل من التسامح مع حركات إسلاموية مدججة بالسلاح والكراهية، سيما بعد أن اكتوى الإقليم والعالم، بنيران داعش والقاعدة، طيلة عشريتين من السنين. 

لقد أدركت النهضة الحدود الضيقة لما يمكن أن تفعله، وآثرت "النجاة" و"السلامة"، مع أن خطاب "المظلومية" الذي تستحضره بقوة هذه الأيام، قد يفسح في المجال أمام فئات منها أو أمام إسلاميين متشددين من خارجها، للتفكير (وربما العمل) باللجوء إلى خيارات القوة والعنف...لكن وبفرض أن أمراً كهذا، قد يحدث، إلا أنه في جميع الأحوال، لن يبلغ ضفاف "السيناريو الجزائري". 

"الاستثناء التونسي"..."كلاكيت 2" 

أغلب الظن، أن "الاستثناء التونسي" سيعاود اجتراح طريق خاص بتونس للخروج من مأزقها، وأغلب الظن، أن ثمة قدر كبير من المبالغة في الخشية والقلق على المسار الانتقالي التونسي...فالعطف الدولي على تونس، نجح بعد أيام قلائل من قرارات الرئيس سعيد وإجراءات الاستثنائية، في "تدوير الزوايا" في مواقف الرئيس والنهضة سواء بسواء...الأول، لا يتوقف عن إطلاق الالتزامات بالعودة إلى المسار الديمقراطي – المؤسسي في أقرب الآجال، متراجعاً خطوة للوراء عن "وضع يده" على القضاء التونسي، ومُرغَماً على تنسيق خطوات مع أبرز مؤسسات المجتمع المدني...والنهضة، تبدي الاستعداد لتقديم "تنازلات مؤلمة" إن تطلب الأمر، لاستئناف هذا المسار، بعد أن وجدت الجَمعَ آخذ في الانفضاض من حولها، وبعد أن أدركت أن تونس 2021 ليست تونس 2011. 

وأياً كانت مضامين خريطة الطريق التي سيتقدم بها سعيّد أو غيره من منظمات المجتمع المدني وأحزاب تونس، وأياً كانت آجالها الزمنية، فإن ثمة "كتلة تاريخية"، قادرة على حماية الثورة وحفز مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، وتصحيح ما اعتور التجربة من شقوق وثقوب، وتحديداً في ميادين الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي والصحي. 

فلا المجتمع المدني، بمنظماته العمالية والنسائية والشبابية والحقوقية وقطاع الأعمال في وارد المقامرة بإعادة تونس إلى زمن زين العابدين بن علي، ولا الإسلام السياسي التونسي، الذي سجل تباعداً عن نظيره "المشرقي" بوارد امتشاق السلاح، أو المقامرة بما حققه من مكتسبات وسمعة إقليمية ودولية، بوصفه الأقرب إلى الخطاب المدني – الديمقراطي...ولا الجيش في تونس، يقف متربصاً بانتظار لحظة الانقضاض على السلطة، كما هو حال الجيوش في دول أخرى، فليس ذلك من إرثه وتقاليده. 

ثم أن التونسيين على اختلاف مرجعياتهم ومشاربهم الفكرية والسياسية، يدركون أتم الإدراك، أن طريقهم للتعافي الاقتصادي والاجتماعي والصحي، إنما تمر عبر تعزيز خياراتهم الديمقراطية، فمظلة الأمان الدولية، ستُثقب في مقتل، إن ذهبت تونس في اتجاه مغاير، وهذا ما أجمعت عليه – تقريباً – مختلف ردود الأفعال الدولية على الحدث التونسي. 

ومن حسن حظ تونس، أن أزمتها الراهنة تفاقمت، في ظل انحسار أدوار عواصم ومراكز عربية وإقليمية نافذة، بعد مسلسل الفشل والخيبات الذي ألم بها، في كل من ليبيا واليمن والخليج والعراق وسوريا، فالعواصم التي اعتادت العبث بوحدة الشعوب وتماسك المجتمعات وقيادة ثورات مضادة لثورات الربيع العربي، تشكو حالة انحسار لأدوارها الإقليمية، وتحديداً بعد مجيء إدارة بايدن للبيت الأبيض، وهي وإن كانت لا تخفي انحيازاتها لهذا الفريق التونسي أو ذاك، إلا أن قدرتها على "التخريب"، باتت محدودة للغاية، وتحت أضواء كاشفة من المجتمع الدولي، بخلاف سنوات ترامب الأربع، التي تمتعت فيه هذه القوى، بحرية حركة غير مسبوقة، مكنتها من تعظيم تدخلاتها الضارة في مواجهة الثورات والانتفاضات العربية. 

تونس على الطريق القويم، وإن كان طريقاً متعرجاً، و"الاستثناء" التونسي، سيتغلب مرة ثانية على صعوبات الولادة القسرية، مهما تعاظم الألم. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.