قيس سعيد أثناء أداء القسم
قيس سعيد أثناء أداء القسم

ما أن وقعت "الواقعة" في تونس، حتى بدأت "سيناريوهات" مستقبل ثورة الياسمين تتطاير عبر أثير محطات التلفزة والإذاعات، وتتقافز على صدر صفحات الجرائد وزوايا الرأي والتعليقات، في مختلف أرجاء العالم، وبالأخص في هذه الرقعة منه. 

ولقد غلب على ردود الأفعال المتصلة بالحدث التونسي وقرارات الرئيس قيس سعيد، الطابع الأيديولوجي للجهات والتيارات الصادرة عنها، إذ عاود إسلاميو المنطقة، إنتاج سرديات "المؤامرة" وأحاديث "المظلومية"، في الوقت الذي أخفق فيه علمانيون متطرفون، في إخفاء مشاعر "الشماتة" ونوازع "الانتقام الثأرية"، حيال قوى الإسلام السياسي، الإخواني منها بخاصة. 

وكان جلياً، أن أغلب ردود الأفعال هذه، إنما جاءت محكومة بحسابات الانقسام السياسي والإيديولوجي في الدول والمجتمعات العربية، فمن كان له حسابٌ ثقيل مع إسلاميي بلاده، خرج شامتاً ومتشفياً، ومن كان له حساب أثقل مع "دولته العميقة"، خرج متضامناً ومندداً بـ"الانقلاب على الثورة والدستور"...قلة قليلة، احتكمت لقواعد الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير ومبادئ حقوق الانسان، التي لا تتجزأ، فكان صعباً عليها أن تنتصر لحركة النهضة بعد كل ما أظهرته من غطرسة واستعلاء ونزوع انتقامي مع "البورقيبية"، والأصعب منه، إسناد ميل استبدادي قد يأخذ ثورة تونس إلى ضفاف لا يشتهيها أحد، حتى وإن تظلل برداء "المستبد العادل"...هذه القلة انتصرت لمبادئ وقيم الثورة التونسية، وشددت على الحاجة لاستئناف مسار الانتقال الديمقراطي ومعالجة ما اعتوره من ضعف وإخفاقات ميزت عشريته الأولى. 

ومما زاد الطين بلّةً أن عواصم الإقليم و"محاوره"، لم تتأخر عن إظهار دعمها وانحيازها لهذا الفريق التونسي أو ذاك، وعاود إعلام هذه العواصم الفاعل والمقتدر، نشاطه المعتاد طيلة عشرية الربيع العربي، مسهماً في توتير المشهد، وغير متورع عن بث الغث والسمين، الزائف والحقيقي، من المعطيات والمعلومات التي تخدم سياساته التحريرية، أو بالأحرى سياسات الحكومات التي يتبع لها ويتلقى توجيهاته منها. 

ثلاثة سيناريوهات 

ثلاثة سيناريوهات جرى تداولها منذ اللحظة الأولى لاشتعال الحدث التونسي: تركيا 2016، مصر 2013، الجزائر زمن العشرية السوداء...مع أن هذه السيناريوهات جميعها، سيفقد أرجحيته، بعد أيام قلائل فقط، انقضت على قرارات سعيّد الاستثنائية. 

أولاً؛ في السيناريو التركي، إذ بدا للوهلة الأولى، أن "شيئاً ما" قد دار في خلد زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي في الساعات الأولى لانقلاب سعيّد، عندما دعا أنصار حركته والشعب التونسي، للنزول إلى الشوارع لحماية الثورة والدستور، ولاذ معتصماً ببوابة البرلمان التونسي المغلق والمجمّد...بيد أن الصدمة الأولى لزعيم النهضة وأنصاره، جاءت مزدوجة: فلم تلق نداءاته الاستجابة الشعبية المأمولة، فيما غالبية وزانة من الشعب التونسي، آثرت الاحتفال بقرارات سعيّد وإجراءاته...هنا وقعت الخيبة الأولى، وبدا أن إعادة انتاج سيناريو الانتفاضة الشعبية ضد محاولة الانقلاب العسكري على رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية في العام 2016، تبدو متعذرة، إن لم نقل مستحيلة. 

والحقيقة التي غابت عن ذهن زعيم النهضة على ما يبدو، أن حركته اليوم لم تعد بالقدر ذاته من الصدقية والجماهيرية الذي كانت عليه زمن الإطاحة بزين العابدين بن علي، ومع أن الأرقام والمعطيات سبق وأن أعطت ما يكفي من مؤشرات على تآكل شعبية النهضة، لكن يبدو أن "التفكير الرغائبي" يُلقي بأصحابه إلى قارعة "حالة إنكار" شديدة الغرابة والخطورة...والأرقام قالت أن النهضة خسرت ثلثي طاقتها التصويتية (مليون صوت تقريباً) ما بين أول وآخر انتخابات جرت في تونس في العقد الأخير، ثم أن الحركة التي ظلت تتقدم صفوف الأحزاب في كل الانتخابات، برغم تراجع حصتها من أصوات الناخبين ومقاعد البرلمان، لا بد وأن تتحمل القسط الأوفر من المسؤولية عن إخفاقات السنوات العشر الماضية، اقتصادياً واجتماعياً وصحياً (كورونا مؤخراً)، والحركة أصابها ما أصاب أي حزب سياسي من أمراض البقاء في السلطة وعوارضها، دع عنك تداعيات نظرية "التمكين" الإخوانية، التي تؤثر الجماعة على المجتمع، والحزب على الدولة. 

وثمة اعتقاد بأن فرص إعادة إنتاج سيناريو تركيا – 2016 في تونس، تتراجع مع كل يوم يمر على إجراءات الرئيس سعيّد، ومع كل حزب أو نقابة أو منظمة، تعيد تقييم وتقويم موقفها من "الانقلاب"، وليس مستبعداً أبداً أن تجد النهضة نفسها، وحيدة ومعزولة في مواجهة طوفان القرارات والإجراءات الاستثنائية التي يتخذها الرئيس سعيّد، سيما وأن قوى شعبية ونقابية وحقوقية وحزبية تونسية وازنة، ما انفكت تراجع مواقفها وتتراجع عن ردة فعلها الأولى. 

هنا أيضاً نفتح قوسين، لنورد ملاحظة هامة في سياق هذا التحليل، وهي أن الرئيس سعيّد، بخلاف جنرالات الجيش التركي، جاء إلى سدة موقعه عبر صناديق الاقتراع، وهو في الأصل رجل دستور وحقوق، وجاء انتخابه من خارج المنظومة الحزبية والطبقة السياسية التونسية، بمثابة صفعة للمنظومة والطبقة سواء بسواء، وهو بخطواته الاستثنائية، حظي بتأييد الجيش والمنظومة الأمنية وقطاعات واسعة من الشعب التونسي، قبل أن يلقى تفهماً (وتأييداً في كثير من الأحيان) من كبريات المنظمات المدنية التي لعبت دور "شبكة الأمان" لتونس ما بعد ابن علي، واستحقت جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودها. 

والجيش في تونس، بخلاف التجربة التركية، ليس له تاريخ في التدخل بالسياسة وتنظيم الانقلابات، وهو وإن محض الرئيس تأييده المُضمر، إلا أنه يفعل ما يفعل من منظور "تفويضه" في حفظ أمن البلاد وسيادتها واستقلالها وسلامة حدودها، وهو يحظى بتقدير وثقة غالبية التونسيين، على اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم. 

ثانياً؛ في السيناريو المصري (2013)، منذ الإطاحة بالملكية في مصر قبل سبعة عقود، ظلت المؤسسة العسكرية المصرية في قلب دائرة الفعل السياسي، قبل أن تصبح في صميم المعادلة الاقتصادية المصرية كما حصل مؤخراً...هذه الحالة لم تعرفها تونس بعد الاستقلال (ولا قبله بالطبع)، والجيش التونسي أقرب إلى مفهوم "الجيش المهني" الملتزم ثكناته...وإذا كانت العلاقة بين "الدولة العميقة" في مصر، وإخوانها، هي في التحليل الأخير، تجسيد للعلاقة بين الجيش والإخوان، فإن المعادلة في تونس تبدو مختلفة نوعاً. 

بخلاف مصر، تجذرت العلمانية – البورقيبية في الدولة والمجتمع والمدرسة الوطنية، ولعب المجتمع المدني التونسي دور "المعادل الموضوعي" لنفوذ الإخوان (النهضة) وشعبيتهم، لم تكن هناك حاجة للدولة العميقة وجيشها لخلق هذا "المعادل الموضوعي" كما في التجربة المصرية...مصر دولة قوية ومجتمع ضعيف، بخلاف تونس حيث تتفوق قوة المجتمع على قوة الدولة...الأمر الذي تنتفي معه الحاجة لتكرار سيناريو الانقلاب العسكري المتدثر بلبوس "ثورة شعبية"...إن تأثير "رباعي الوساطة" بقيادة الاتحاد التونسي للشغل، كان أبلغ وأفعل من التأثير الذي لعبه المجلس العسكري المصري في مرحلة الانتقال، ولعل هذا – من بين عوامل أخرى – هو ما جعل تونس تمثل "الاستثناء" في عشرية الربيع العربي، وأكسبها كل هذا العطف والتضامن على المستويين الإقليمي والدولي...ولا حاجة لتونس بسيناريو مصر – 2013، ولا فرص جدية لرجحان كفّة هذا السيناريو. 

ثالثاً؛ عشرية الجزائر السوداء، حين استجر "الانقلاب" على فوز الإسلاميين في الانتخابات العامة، بحراً من الدماء والضحايا (150-200 ألف قتيل)، وعشر سنوات من الرصاص والدم، وهو السيناريو الذي خشيه البعض، إذ ظنّ بأن النهضة قد تقتفي أثر الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، مدشنة مرحلة من العنف والاقتتال الأهليين في البلاد. 

مثل هذه "النبوءة السوداء"، لم تلحظ الفوارق الجوهرية بين زمنين وتجربتين، فلا النهضة تنتمي إلى مدرسة "الإنقاذ" ذاتها، برغم قواسمهما "الاسلاموية" المشتركة...ولا تونس ما بعد الاستقلال، هي جزائر ما بعد حرب التحرير، إن لجهة طبيعة الدولة ومستوى علمنتها، أو لجهة أدوار المجتمع المدني وأوزانه، ثم أن السياق الإقليمي والدولي بين تونس اليوم وجزائر ما قبل ثلاثة عقود، يظهر قدراً أقل من التسامح مع حركات إسلاموية مدججة بالسلاح والكراهية، سيما بعد أن اكتوى الإقليم والعالم، بنيران داعش والقاعدة، طيلة عشريتين من السنين. 

لقد أدركت النهضة الحدود الضيقة لما يمكن أن تفعله، وآثرت "النجاة" و"السلامة"، مع أن خطاب "المظلومية" الذي تستحضره بقوة هذه الأيام، قد يفسح في المجال أمام فئات منها أو أمام إسلاميين متشددين من خارجها، للتفكير (وربما العمل) باللجوء إلى خيارات القوة والعنف...لكن وبفرض أن أمراً كهذا، قد يحدث، إلا أنه في جميع الأحوال، لن يبلغ ضفاف "السيناريو الجزائري". 

"الاستثناء التونسي"..."كلاكيت 2" 

أغلب الظن، أن "الاستثناء التونسي" سيعاود اجتراح طريق خاص بتونس للخروج من مأزقها، وأغلب الظن، أن ثمة قدر كبير من المبالغة في الخشية والقلق على المسار الانتقالي التونسي...فالعطف الدولي على تونس، نجح بعد أيام قلائل من قرارات الرئيس سعيد وإجراءات الاستثنائية، في "تدوير الزوايا" في مواقف الرئيس والنهضة سواء بسواء...الأول، لا يتوقف عن إطلاق الالتزامات بالعودة إلى المسار الديمقراطي – المؤسسي في أقرب الآجال، متراجعاً خطوة للوراء عن "وضع يده" على القضاء التونسي، ومُرغَماً على تنسيق خطوات مع أبرز مؤسسات المجتمع المدني...والنهضة، تبدي الاستعداد لتقديم "تنازلات مؤلمة" إن تطلب الأمر، لاستئناف هذا المسار، بعد أن وجدت الجَمعَ آخذ في الانفضاض من حولها، وبعد أن أدركت أن تونس 2021 ليست تونس 2011. 

وأياً كانت مضامين خريطة الطريق التي سيتقدم بها سعيّد أو غيره من منظمات المجتمع المدني وأحزاب تونس، وأياً كانت آجالها الزمنية، فإن ثمة "كتلة تاريخية"، قادرة على حماية الثورة وحفز مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، وتصحيح ما اعتور التجربة من شقوق وثقوب، وتحديداً في ميادين الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي والصحي. 

فلا المجتمع المدني، بمنظماته العمالية والنسائية والشبابية والحقوقية وقطاع الأعمال في وارد المقامرة بإعادة تونس إلى زمن زين العابدين بن علي، ولا الإسلام السياسي التونسي، الذي سجل تباعداً عن نظيره "المشرقي" بوارد امتشاق السلاح، أو المقامرة بما حققه من مكتسبات وسمعة إقليمية ودولية، بوصفه الأقرب إلى الخطاب المدني – الديمقراطي...ولا الجيش في تونس، يقف متربصاً بانتظار لحظة الانقضاض على السلطة، كما هو حال الجيوش في دول أخرى، فليس ذلك من إرثه وتقاليده. 

ثم أن التونسيين على اختلاف مرجعياتهم ومشاربهم الفكرية والسياسية، يدركون أتم الإدراك، أن طريقهم للتعافي الاقتصادي والاجتماعي والصحي، إنما تمر عبر تعزيز خياراتهم الديمقراطية، فمظلة الأمان الدولية، ستُثقب في مقتل، إن ذهبت تونس في اتجاه مغاير، وهذا ما أجمعت عليه – تقريباً – مختلف ردود الأفعال الدولية على الحدث التونسي. 

ومن حسن حظ تونس، أن أزمتها الراهنة تفاقمت، في ظل انحسار أدوار عواصم ومراكز عربية وإقليمية نافذة، بعد مسلسل الفشل والخيبات الذي ألم بها، في كل من ليبيا واليمن والخليج والعراق وسوريا، فالعواصم التي اعتادت العبث بوحدة الشعوب وتماسك المجتمعات وقيادة ثورات مضادة لثورات الربيع العربي، تشكو حالة انحسار لأدوارها الإقليمية، وتحديداً بعد مجيء إدارة بايدن للبيت الأبيض، وهي وإن كانت لا تخفي انحيازاتها لهذا الفريق التونسي أو ذاك، إلا أن قدرتها على "التخريب"، باتت محدودة للغاية، وتحت أضواء كاشفة من المجتمع الدولي، بخلاف سنوات ترامب الأربع، التي تمتعت فيه هذه القوى، بحرية حركة غير مسبوقة، مكنتها من تعظيم تدخلاتها الضارة في مواجهة الثورات والانتفاضات العربية. 

تونس على الطريق القويم، وإن كان طريقاً متعرجاً، و"الاستثناء" التونسي، سيتغلب مرة ثانية على صعوبات الولادة القسرية، مهما تعاظم الألم. 

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.