الشرطة بمواجهة تظاهرة كردية في إسطنبول
الشرطة بمواجهة تظاهرة كردية في إسطنبول

قبل أيام، قُتلت عائلة كُردية بكامل أفرادها في ريف مدينة قونيا التركية وسط الأناضول، على يد مجموعة من المُتطرفين القوميين الأتراك.

الساسة الأتراك، سلطة ومعارضة، ووسائل الإعلام بمختلف توجهاتها، وحتى المثقفين ومؤسسات البحث العلمي، وضعوا سيلاً ضخماً من التعليقات والتفسيرات والقراءات المتعلقة بالحادثة، قالت كل شيء، خلا تفصيل واضح: "إنها جريمة كراهية أساسها استقواء وعنصرية قومية"، هذه الحقيقة التي لا تحتاج لأي تمحيص وذكاء وعُمق، لأن القتلة نطقوا بها جهاراً أثناء فعلتهم "لا نريد أكراداً هنا.. هذا مصير من يسعى لتقسيم بلادنا".

لكن ما الجديد في الأمر..؟!

سجلات الحياة العامة التركية تكاد أن تكون صورة متكررة عن هذه الحادثة، حتى أن الجرائم يُستحال إحصاؤها وأرشفتها. ففي كُل مرة ثمة مواطنون أكراد يتعرضون لاعتداءات من قِبل من يعتبرون أنفسهم أصحاب السُلطة والقوة والدولة والمؤسسات والمال والجيش في تلك البلاد، بينما ثمة "آلة غولية" ضخمة، تتألف من الإعلام والساسة ومؤسسات الدولة والكلام العام، تفعل كل شيء يخدم تمييع ذلك الأمر، تغطي الفاعلين وتمدهم بكل أدوات الحياة والاستمرارية.

بهذا المعنى، ولهذه الكثافة والوضوح والاستمرارية، يغدو الافتراض بأن الفاعل الحقيقي هو فرد أو جماعة أو حزب أو حتى أيديولوجية مُجرد سذاجة مُسطحة. لأنه، لو كان أياً من هؤلاء، فقد كان من المفترض أن ينتهي ويضمحل، ولو بفعل الزمن، طوال قرن كامل من أحداث مثل هذه.

 في العمق، ثمة نواة صلبة تُنتج كل هؤلاء المنفذين، هي الهيكل التأسيسي للدولة التركية الحديثة، التي تملك روحاً كلية ومؤسسات سيادية وأدوات فاعلة، تشكل إبادة الأكراد اجتماعياً وسياسياً ومادياً ورمزياً أهم منتجاتها، هذا غير أنه المُنتج الوحيد غير المُختلف عليه أبداً بين جميع المنخرطين في هذا الهيكل.

***

خلال عشرينيات القرن المنصرم، حينما تأسست هذه الدولة التركية الحديثة على يد أتاتورك والضُباط المُقربين منه، فأنها انبثقت عن رُهابين:

رُهاب أول يتعلق بفقدان الماضي العتيد، الإمبراطورية التي كانت، روح الغزوات الكُبرى وملامحها الساحرة التي كانت تعطي الذات الجمعية للأتراك مكانة واعتداداً، وفخراً لا يوصف.

كانت الأتاتوركية لحظة مفصلية للقطع مع ذلك الماضي، والقبول بتركيا حسب حجمها ودورها ومكانتها الحالية. في ذلك الوقت، حدثت مساومة كُبرى بين الأتاتوركيين وبين كُل المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، إلى أن توافق الأتاتوركيون معهم على هذه الثنائية، يتخلون عن الإمبراطورية وأمجادهم، مقابل الاعتراف والقبول بهم كممثلين شرعيين لدولة تركيا الحديثة.

في تلك اللحظة بالذات، حجز الأكراد مكانة فردية في الذات الجمعية لمؤسسي دولة تركيا الحديثة ومؤسساتها وروحها الكلية. فالأكراد بقوا الجماعة القومية الوحيدة، من غير الأتراك، التي استمر الأتراك بحكمها، الجماعة التي تذكرهم بماضيهم العتيد وروحهم الإمبراطورية، التي خاضوا حروباً مُدمرة في سبيل الحفاظ عليها، وما نجحوا، ولم يحافظوا من تلك التركة العتيدة إلا على الأكراد.

لذا صار الأكراد عنصراً تعويضياً لحكايتهم العظمى عن أنفسهم، وصاروا مستعدين للتخلي عن أي شيء، خلا ما قد يأخذ منهم آخر دلائل ذاتهم الإمبراطورية، حُكم الأكراد بروح الإمبراطورية المتسلطة.

الرُهاب الآخر كان التقسيم.. فالإمبراطورية العثمانية تحطمت، وقُزمت إلى تركيا الحديثة، نتيجة ما يعتقد الأتراك في ذاكرتهم الجمعية بأنه "غدر الشركاء المحليين". فكل ثورات اليونان وقوميات البلقان وما تلاها من نزعات الأرمن الاستقلالية ورغبة المصريين في حُكم أنفسهم وما تبعها من ثورة عربية كُبرى، تقرأها الذات التركية على شكل سلسلة من "الخيانات" المتتالية المبرمجة والمُخطط لها، بين هؤلاء والقوى العالمية، شيء يشبه حكايات الآباء المُسنين عن غدر الأبناء بالأب الحنون والعطوف، غدر حطم إمبراطوريتهم وموقعهم المُتصدر على سدرة العالم والأمم.

لسوء طالع آخر، كان الأكراد الجماعة الوحيدة التي تُعيد للذهن الجمعي التركي ذلك الرُهاب المرضي بشكل يومي. فالكُرد خُمس سُكان تركيا الحديثة، ولديهم لغة خاصة وتاريخ سياسي وثقافي مشترك، فوق ذلك يمتدون على بقعة جغرافية محددة الملامح، ويشتركون بروح تضامن قومي عالٍ فيما بينهم.

كل ذلك كان ولا يزال يُرهب ذلك الهيكل الذي قامت عليه الدولة التركية الحديثة، حيث تحول "الحفاظ على وحدة تركيا" إلى ما يشبه العبارات الساحرة في الحكايات الأسطورية القديمة، عبارة يستخدمها ويقولها كُل تركي لنفسه كُل صباح، كأنها تعويذة حماية من قدر مشؤوم يلاحقهم.

***

لم يكن الرُهابان التأسيسيان مُجرد فكرتين أو أيديولوجيتين عاديتين ضمن أفكار وأيديولوجيات كثيرة أخرى تنضح بها مختلف دول العالم التي تملك سيراً وسياقات مشابهة لما قامت عليه الدولة التركية. بل كانا الأرض الصلبة التي قام عليها كُل شيء آخر في تلك البلاد: عقيدة الجيش وروح نُخبة جنرالاته المتتابعين، الذين تحسهم من نسل وتربية شخص واحد فحسب، مؤسسات التعليم وأيديولوجيتها ومناهجها ونظامها العام ورموزها المكرسة بكثافة وحرص لا يوصف، محددات القضاء وطبقات عالم الحقوقيين، المنتجات الثقافية وعبارات المتن العام وحساسيات قادة الرأي، الاقتصاد وشكل النقابات المهنية وبنية مؤسسة الشؤون الدينية وحتى أسماء الشوارع وألقاب لاعبي كُرة القدم، وكل شيء آخر قد يخطر بالبال، بما في ذلك النُكات وحكايات الجدات وأسماء الطبخات الشعبية.

كل ذلك أودى بالأكراد إلى ما هُم عليه في سجلات الحياة العامة لتركيا. فلأنهم أكثر المُهددين لذلكم الرُهابين، صارت تلك الآلة العظمى، المؤلفة من كل شيء، تدفعهم لأن يشغلوا مكانة الطرف الأكثر ضعفاً وفقراً والأقل حضوراً ومكانة ودوراً وحقوقاً وقدراً في البلاد، جماعة بقيت لأكثر من قرن كامل غير مُعترف بها، تُقتلع قراهم، ومئات الآلاف منهم، كما يقتلع فلاح حبة بطاطا من الأرض، تُفرض على مناطقهم الأحكام العرفية لعشرات السنوات، تمارس الدولة القتل العام بحقهم كما يشرب القادة السياسيون قهوتهم الصباحية، يُشكك بولائهم وجدارتهم وحُبهم وقيمتهم وعلاقتهم مع أرضهم ودولتهم، كما يربط مذيعو نشرات الأخبار ياقاتهم قُمصانهم، يُفعل كُل شيء بحقلهم، ليقال لهم وليستسلموا لشعور بائس: "أنتم لا شيء".

لكن ما علاقة كُل ذلك بـ"دُمية بوبو"..؟!

قبل ستين عاماً من الآن، أخذ عالم النفس الأميركي الشهير ألبرت باندورا دُميتين كبيرتين متطابقتين إلى مكانين منفصلين، وأحضر مجموعتين من الأطفال إلى القاعتين. في القاعة الأولى جاء شخص بالغ وتعامل بلطف مع الدُمية، فبادر كُل الأطفال بعد خروج الشخص إلى التعامل الحسن واللطيف مع الدُمية. في القاعة الثانية، أقدم شخص بالغ آخر على لكم الدُمية وركلها، وحينما خرج فعل جميع الأطفال ذلك، وزادوا من كمية العنف التي قام بها ذلك الشخص. كانت تجربة باندورا واحدة من أهم منجزات القرن العشرين في نظريات عدوى العنف والنبذ والكراهية والتحطيم النفسي، الذي قد يمارسه بعض الناس فقط تقليداً لأناس أو مؤسسة أو حزب ما.

في ما يجري في تركيا، فأن الأكراد هُم "الدُمية بوبو"، بينما الدولة بكل أركانها وأفعالها الشخص البالغ العنيف، الذي يقلده ويفعل مثله كُل شخص آخر يستطيع.

الفاعل الحقيقي في جريمة العائلة الكُردية هو الدولة، أما القاتل الأرعن فأنه مجرد طفل ساذج مثل أطفال باندورا.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.