لبنان.. انفجارأعقبه انهيار
لبنان.. انفجارأعقبه انهيار

قبل سنة زار الخراب الكبير بيروت عبر أكبر انفجار غير نووي في العالم في مرفأ المدينة، قتل أكثر من 200 مدني وجرح الألاف، وحوّل مساحات واسعة من أحياء بيروت السكنية إلى ركام.

ومع اقتراب الذكرى الأولى لهذه الكارثة، التي تسبب بها الإهمال الحكومي والتقصير الإجرامي في أداء الواجب، التهمت حرائق غير معهودة الغابات والأحراج الواسعة المحيطة بقرية القبيات ومناطق أخرى في محافظة عكّار، التي تشكل ثروة طبيعية وبيئية فريدة في لبنان.

هذه الحرائق كشفت، بشكل مخز، إخفاق الأجهزة الحكومية والإسعاف المدني في التصدي الفعّال للحرائق، إما بسبب عدم توفر الطوافات المصممة لمكافحة الحرائق أو غيرها من الآليات بسبب عدم توفر المحروقات، أو بسبب غياب الأجهزة الإدارية التي يفترض أن تنسق الجهود اللوجستية لمكافحة الحرائق الكارثية.

واستنادا إلى المعارضة الرسمية لأي تحقيق شفاف في انفجار مرفأ بيروت، ونظرا لإخفاق الدولة اللبنانية أو استهتارها التقليدي بالتحقيق في أي جريمة سياسية، من ارتكاب المجازر إلى اغتيال السياسيين والإعلاميين، إلى قتل البيئة، وحده الساذج يعتقد أن أي حكومة لبنانية مؤلفة من أفراد الطبقة السياسية –الأوليغارشية التي وضعت لبنان على أبواب الجحيم، قادرة أو مستعدة لإجراء تحقيق جدي في الانفجار ام في الحرائق، ناهيك عن اجراء اصلاح اقتصادي حقيقي.

بين انفجار المرفأ، الذي لم يحاسب عليه أي مسؤول أمني أو سياسي، والذي وصل فيه التحقيق فور بدايته إلى طريق مسدود بسبب مقاومة الطبقة السياسية لرفع الحصانة القانونية التي يتمتع بها النواب والمسؤولين للتحقيق معهم، وبين حرائق القبيات وعكّار تفاقمت حدة الأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية وتعرض مئات الألاف من اللبنانيين إلى الجوع للمرة الأولى منذ المجاعة الكبيرة التي اجتاحت لبنان إبان الحرب العالمية الأولى. وهناك أيضا مئات الألاف من اللبنانيين الذين يقتربون من المجاعة ويعانون مما يسميه الخبراء "انعدام الأمن الغذائي"، وهي عبارة ملطفة لاقتراب الانسان من حافة المجاعة.

الإحصائيات في هذا السياق مروّعة، ويعرفها العديد من اللبنانيين، ولكن من الضروري التذكير بها دوما لأنها تتفاقم مع مرور كل يوم، ويجب النظر إليها بمجملها لفهم فداحة خطورتها.

الليرة اللبنانية فقدت أكثر من 90 بالمئة من قيمتها منذ انتفاضة أكتوبر 2019.  منذ ذلك التاريخ وحتى الآن سحب أفراد الطبقة السياسية-الأوليغارشية أكثر من 20 مليار دولار من المصارف اللبنانية، وأودعوها في حسابات معظمها في أوروبا. وصاحب ذلك ارتفاع حاد في معدلات التضخم، إذ ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية الضرورية وأسعار الأدوية (إذا توفرت) بأكثر من 600 بالمئة.

ووصل معدل انكماش الاقتصاد اللبناني في 2020 إلى 20 بالمئة، ومن المتوقع أن ينكمش هذه السنة بأكثر من 10 بالمئة، ونحن لا نزال في نصفها تقريبا. وخلال الأسابيع الماضية اقتبست الصحافة العالمية واللبنانية فقرة من تقرير للبنك الدولي وصف فيها الانهيار الاقتصادي اللبناني بأنه أحد أسوأ ثلاثة كوارث اقتصادية في العالم منذ أكثر من 150 سنة. هذا الإحصاء وحده يضع لبنان في خانة كارثية مروّعة.

خلال السنتين الماضيتين ارتفع عدد اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر الى أكثر من 60 بالمئة، بينهم 25 بالمئة في حالة فقر مدقع. إحصائيات الأمم المتحدة تشير إلى أن مليون ومئتي ألف لبناني لا يستطيعون البقاء على قيد الحياة دون تلقي مساعدات غذائية.

الانهيار الاقتصادي، وجائحة كورونا التي أرهقت الأجهزة الصحية في البلاد، أرغمت أكثر من مليون طفل لبناني على وقف تحصيلهم الدراسي. إضافة الى ذلك، ساهم انقطاع التيار الكهربائي باستثناء ساعات قليلة في اليوم، في تعطيل التعليم في لبنان على مختلف مستوياته. توقف الصيدليات والمستشفيات عن استيراد الأدوية، خلق أزمة أدوية لم يشهدها لبنان حتى في أحلك مراحل النزاع الأهلي الدموي او خلال اجتياحات الجيوش الأجنبية. تعطيل التحصيل العلمي، وارتفاع معدلات هجرة المحترفين والاخصائيين، سوف يخلق خللا اجتماعيا وإنسانيا واقتصاديا، ستبرز ملامحه الخطيرة والبشعة بعد 10 أو 20 سنة.

وإذا لم يكن الانهيار الاقتصادي وانفجار المرفأ وحرائق القبيات وغيرها من الكوارث التي شهدها لبنان في السنة الماضية كافيا، يعاني لبنان من شلل سياسي تمثل في عجز الطبقة الحاكمة عن الحكم بسبب فشلها في تشكيل حكومة جديدة بعد استقالة حكومتين منذ أكتوبر 2019 وتخلف رئيس حكومة مكلف (سعد الحريري) عن مساعيه لتشكيل حكومة، وتعيين نجيب ميقاتي رئيس حكومة مكلف للمرة الثانية خلال سنة.

وانعكست الازمة الاقتصادية بشكل صارخ على مؤسسة القوات المسلحة، التي تبقى، على الرغم من ضعفها التقليدي، القوة الوحيدة القادرة على حفظ ما تبقى من الأمن في بلاد بدأت مسيرتها باتجاه الانهيار والفوضى. رواتب العسكريين، مثلهم مثل بقية اللبنانيين تبخرت عمليا. الجيش يفتقر الى المؤن والمحروقات والبذاّت العسكرية وقطع الغيار.

قبل أسابيع عقدت الدول الأوروبية المعنية بأمن لبنان مؤتمرا دوليا لبحث سبل توفير الدعم للجيش اللبناني، لأنها تخشى انهياره الذي سيؤدي الى انهيار لبنان وغرقه في الفوضى التي ستهدد أمن منطقة الساحل الشرقي للبحر المتوسط وأوروبا الجنوبية بموجة جديدة من اللاجئين.

وهناك ارتفاع ملحوظ في عدد الجنود الذين يتخلفون عن العودة إلى الخدمة بعد انتهاء إجازاتهم، كما أن أعدادا متزايدة من العسكريين اللبنانيين يضطرون للبحث عن وظائف ثانية، أو حتى ثالثة، لإعالة عائلاتهم، ما يؤثر سلبا على جاهزية الجيش. في هذا السياق أعلنت حكومة قطر عن تقديم هبة شهرية من 70 طنا من مختلف المواد الغذائية للجيش اللبناني، الذي توقف أفراده عن تناول اللحوم منذ أشهر.

خلال زيارته الاخيرة لواشنطن حذّر العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، بحضور الرئيس الأميركي جوزيف بايدن من المضاعفات الإقليمية لانهيار الوضع في لبنان " حيث يعاني الناس من أزمة، هناك مجاعة وشيكة، والمستشفيات لا تعمل، وهذا تم طرحه في الكثير من النقاشات التي أجريناها هنا"، وأضاف العاهل الأردني: "أعلم أن الولايات المتحدة تعمل مع فرنسا على هذا الملف. ولكن عندما تصل الأزمة إلى أسوأ حالاتها، وهو ما سيحصل في غضون أسابيع، ماذا يمكننا أن نفعل كمجتمع دولي للتدخل؟"؟

هذا السؤال سوف يزداد الحاحا مع مرور الأيام والأسابيع المقبلة على الأكثر، عندما "تصل الأزمة إلى أسوأ حالاتها"، كما حّذر الملك عبدالله. المؤشرات حول الانفلات الأمني عديدة. ارتفاع معدلات السرقة (السيارات تحديدا)، والنهب، وازدياد أعمال العنف في طوابير السيارات أمام محطات الوقود، وحتى ارتفاع معدلات الانتحار.

ولكن أخطر أنواع الانهيار الامني هو الذي يكتسب أبعادا طائفية ومذهبية، كما يتبين من الاشتباكات الاخيرة في منطقة خلدة جنوب العاصمة اللبنانية بين عناصر من حزب الله (الشيعي) وشبان من "عشائر عربية" (سنية) تقطن المنطقة، مما أدى إلى مقتل خمسة مسلحين من الطرفين.

تضافر استمرار الانهيار الاقتصادي، والفراغ السياسي يعني أن الاقتتال الطائفي في خلدة مؤشر لما تحمله الأيام والأسابيع المقبلة من كوارث للبنان.

انهيار الوضع الأمني شبه محتم، لأن الرئيس ميقاتي، حتى ولو شكّل حكومة جديدة، لن يكون قادرا على قبول الإصلاحات الاقتصادية والمالية الجدية التي تطالب بها الدول المانحة أو المؤسسات المالية الدولية، لأن الرئيس ميقاتي، وهو ملياردير ارتبط اسمه بالفساد، هو جزء لا يتجزأ من الطبقة السياسية-الأوليغارشية التي لا تزال تصر على إدارة الأزمة اللبنانية، وحتى إدارة الانهيار اللبناني بدلا من قبول الإصلاحات البنيوية التي قد تكشف مدى فسادها ومسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن الكارثة اللبنانية.

قرار تشكيل الحكومة يتخطى صلاحيات أو قدرات ميقاتي، الذي لن يستطيع تشكيل الحكومة دون موافقة أو شروط حزب الله، وهو من الأطراف الأساسية التي دعمت ترشيحه. لا حزب الله، ولا حليفه "التيار الوطني الحر" أو القوى السياسية الرئيسية في البلاد تريد تطبيق الإصلاحات الجدية التي تدعو لها فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهذا يعني أن ميقاتي لا يختلف نوعيا عن سعد الحريري الذي أخفق بعد أقل من سنة في تشكيل حكومة جديدة.

وفي حال شكّل ميقاتي حكومة جديدة، فإنها من المرجح أن تكون خطوة استباقية لتجميد أو تأجيل قيام الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات اقتصادية ضد الشخصيات السياسية التي تعرقل تشكيل الحكومة أو تعارض الاصلاحات الجدية.

انهيار الوضع الأمني يعني أن حزب الله، وهو اليوم الطرف السياسي-العسكري الأقوى في لبنان، سوف يحّكم سيطرته الأمنية والسياسية على مناطق واسعة من لبنان. ويقوم حزب الله منذ أشهر بتحضير كوادره لمثل هذا الانهيار الاقتصادي والأمني من خلال إصدار بطاقات تموينية خاصة لأنصاره لاستخدامها في المؤسسات والمحلات التجارية التي يملكها. الانهيار الأمني يعني أن بعض المناطق التي تعاني من الفراغ الأمني سوف تخضع لسيطرة جماعات مسلحة أو حزبية محلية، بما في ذلك تنظيمات إسلامية مسلحة متطرفة كما حدث في شمال لبنان في السابق.

يوم الجمعة الماضي أعلن الاتحاد الأوروبي أنه وضع إطارا قانونيا لفرض عقوبات على قادة لبنانيين يعتبرهم مسؤولين عن تعطيل العملية السياسية في لبنان، وذلك في محاولة منه للضغط باتجاه بتشكيل حكومة لبنانية تتبنى إصلاحات بنيوية جدية قابلة للتنفيذ، لوقف الانهيار الاقتصادي. هذا الإطار القانوني يوفر للاتحاد القدرة "على فرض عقوبات على الأشخاص والكيانات المسؤولة عن التعرّض للديمقراطية أو لسيادة القانون في لبنان".

وكان من اللافت أن الولايات المتحدة سارعت إلى الترحيب بقرار الاتحاد الأوروبي الهادف إلى "دعم المحاسبة والإصلاح في لبنان.. واستخدام هذه الأداة المهمة لمحاسبة المسؤولين على نطاق عالمي". وجاء في بيان مشترك لوزيري الخارجية أنطوني بلينكن، والخزانة جانيت يلين، إنّ "العقوبات تهدف، من بين أشياء أخرى، إلى فرض تغييرات في السلوك ومحاسبة القادة الفاسدين"، في لبنان.

يوم الأربعاء سوف يتجمع عشرات الآلاف من اللبنانيين في منطقة مرفأ بيروت، لإحياء الذكرى الاولى لفاجعة انفجار المرفأ، وذلك بعد تظاهرات واعتصامات احتجاجية جرت خلال الأيام السابقة للذكرى.

هذا التجمع يمكن أن يكون مناسبة لمختلف قوى المجتمع المدني ولتلك الفعاليات التي نظمت أو شاركت في انتفاضة أكتوبر 2019 لكي توفر غطاء شعبيا لفرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لكي تبدأ بتنفيذ إطارها القانوني الجديد لفرض عقوبات اقتصادية وحظر سفر يشمل السياسيين والمصرفيين اللبنانيين الذين يعرقلون العملية السياسية، والذين نهبوا ثروات الشعب اللبناني وإيداعاته في المصارف اللبنانية وحولوها إلى المصارف الأوروبية.

كشف هوية هؤلاء السياسيين والمصرفيين وكشف حساباتهم، تمهيدا لتجميدها، سيمثل ربما أول نكسة حقيقية لأفراد هذه الطبقة المفترسة التي تتحكم بلبنان منذ عقود، والتي أذلت اللبنانيين ونهبت ثرواتهم كما لم يذلهم او ينهبهم محتل أجنبي.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.