مستقبل التدين.. تساؤلات عدة
مستقبل التدين.. تساؤلات عدة

تتعدّد وتتنوّع وتتباين أشكال/ أنماط التديّن في العالم العربي، كما هي ـ في الوقت نفسه ـ تَتَحوّل وتَتغيّر وتَتَخفَّى ـ بمستويات مختلفة ـ في مسار تفاعلاتها الجدلية مع الواقع. وإذ هي كذلك؛ فلا يمكن القبض عليها ـ بَحثيًّا ـ في لحظةٍ واحدةٍ جامعةٍ، ولا في لحظة ثابتة، بحيث يمكن إطلاق بعض الأحكام ـ تَوْصيفًا ـ على مساراتها المُتحَقّقة، وـ توقَّعًا ـ على مصائرها المُتوقّعة.

غير أن تعذّر هذا وذاك على مستوى تَوّفر الشرط البحثي الدقيق؛ لا يمنعنا من مقاربة المشهد المُعَقَّد بِرَسمِ ملامح لا تحمل قطعية الجواب؛ بقدر ما تحمل قلق السؤال.

واضح- اليوم- أن وعود الإسلام السياسي تبخّرت، بل وعادت بأسوأ من المتوقّع/ من الفشل في كثير من الأحيان. لا يهم: هل فشلت، كما هو واقع الحال، أم أُفْشِلت، كما تدّعي، ويَدّعي أنصارُها، إذ النتيجة واحدة في كلا الحالين: العجز على الاشتغال الإيجابي من خلال الواقع الذي يتضمن بالضرورة خُصَماء وأعداء ومتآمرين، فضلا عن الواقع ذاته الذي تراكمت مشكلاته على مدى عقود، وأصبح يحتاج إلى ما يشبه المعجزة لتجاوزه. وبالتالي، فإن مَن يتقدّم كصاحب حَلّ خلاصي (مُحَمّلا بالوعود الإلهية ذات الطابع اليقيني)، ثم لا يَعجز عن إدارة كل هذه المشكلات فحسب، بل نراه إذ يعجز عنها؛ يزيدها تعقيدا، ويبتعد بها مسافات أخرى، حتى لَيَتعذّر عليها الإمساك ولو بطرفٍ من طوق نجاة، فهو عنوان الفشل التام.

وحيث إن الإسلام السياسي هو فرع على أصل اتساع ونمو حالة التدين العام خلال العقود الأربعة أو الخمسة الماضية، فلا شك أن فشل الإسلام السياسي لن يقف عند حدود الدين في حالة السياسة فقط، بل سيتجاوزه ـ بآثاره السلبية ـ إلى الخطاب الديني/ الدعوي في قاعدته الجماهيرية. فنمو حالة التديّن هذه لم تكن في الأصل استجابة لحالة فراغ روحي، أو هي لم تكن كذلك بالأساس/ بالدرجة الأولى، بل كانت استجابة لفراغ تنموي/ حضاري ناتج عن فشل الدولة القومية في تحقيق وعودها، أو حتى تحقيق بعض وعودها، تلك الوعود الحالمة التي رفع من سقفها الصخبُ الشعاراتي المجاني لأحلام النضال ضد الاستعمار.

هذا يعني أن فشل التنمية، والفشل في مداواة جرح الهزائم العسكرية القومية (رد الاعتبار للذات)، وحالات النزاع البَيْني العربي، إضافة إلى حالات الانحطاط الاجتماعي في أكثر من رقعة جغرافية عربية، كل هذه كانت مُبرّر طرح الخطاب الديني لنفسه كبديل في الساحة، كبديل عسكري نضالي، وكبديل حضاري تنموي، وكدواء ناجع لكل أمراض الاجتماعي، وكضامن للسلام البَيْني بتعزيز مبادئ الائتلاف الأخوي الإيماني (وحدة المجتمع الإسلامي). وإذ فشل ويفشل في كل هذه البدائل التي كانت هي قنواته في عملية الاستقطاب الجماهيري، فإن الانفضاض الجماهيري عنه سيمتد على طول مسافات الفشل في هذه البدائل، وستتعاضد كلها في النهاية؛ لتؤكد أن "الدين ليس هو الحل"، ردًّا على الشعار الأكبر الرائج في مرحلة الاستقطاب: "الدين هو الحل".

ولعل العامل الثاني في تراجع مستويات التديّن يتجلى في سقوط الشخصيات الدعوية الاعتبارية التي رافقت صعود المد الديني، وكانت ـ حسب تباين موقعها منه ـ رموزا له؛ صُنْعا وتأكيدا، أو من راكبي موجته العاتية على سبيل الاستثمار في "سوق" المرحلة: المسلك الانتهازي.

إن هذا السقوط المُدوّي لكثير من الشخصيات الدعوية الاعتبارية كان هو الإعلان الصريح عن سقوط المشروع: مشروع توظيف الدين كأيديولوجيا. فهذه الشخصيات الدعوية لم تؤسس لنفسها في سياق البحث/ الدرس العلمي المجرّد، بل كان حضورها يتقوى بلغة العلم؛ لتأكيد الرمزية/ النجومية القادرة على استقطاب أكبر عدد من الجماهير. ما يعني أن سقوط النجم/ الداعية علميا أو أخلاقيا كفيل بزعزعة ثقة الجماهير في الخطاب ذاته؛ فكيف إذا كان السقوط/ الافتضاح على المستويين جميعا: العلمي والأخلاقي؟!

لقد تهاوت الصور المُنَمْذَجَة لكثير من الشخصيات الدعوية البارزة/ نجوم الدعوة، التي عززّت الفضائياتُ في العقدين الأخيرين من حضورها في مجال "إسلام السوق"، كنجومٍ تُنَافس نجومَ الفن ثراءً وتأثيرا واستقطابا جماهيريا عريضا. وكان السقوط لا يحتاج أكثر من ردم المسافة الفاصلة بين الصورة المُنَمْذَجَة التي تكوّنت في المخيال الجماهيري الديني عن هذه النجوم الدعوية، وبين واقع حالها الذي يكاد يكون على النقيض تماما من ذلك النموذج المتألق في المخيال: مخيال جماهير المُتَدينين.

الداعية/ الواعظ قدّم نفسه، وقدّمه إعلامُه، ومِن وَراء ذلك جماهيرُه/ مُرِيدُوه على أنه يتوفّر على "عِلمٍ واسع بالدين" من جهة، وعلى "إخلاص تَقَويٍّ أخلاقيٍّ" من جهة أخرى. العلم والأخلاق، هما ثنائية أساسية هنا، لا يمكن أن يكون للداعية شيء من حضور رمزي/ نجومية؛ ما لم يتوفّر عليها جميعا، على سبيل الحقيقة أو على سبيل الادعاء المحظوظ بقدر لا بأس به من التصديق الجماهيري الساذج.

في السنوات الأخيرة، توالى السقوط الرمزي لهذه النجوم: الدعاة. جزء كبير من هذا السقوط/ الافتضاح أسهم به الدعاةُ أنفسهم في سياق التنافس البيني/ التحاسد المهني الذي قاد إلى فتح كثير من الملفات المتعلقة بالجدارة العلمية أو بالسلامة الأخلاقية للداعية. ولعل أقرب صور هذا السقوط إلينا زمنيًّا هو المشهد الأخير لشيخ سلفي كبير يعترف فيه بالمحكمة أنه "ليس بعالم"، بل مجرد واعظ، لا حقَّ له في التصدي للفتوى (بينما كان طوال السنوات الماضية يَتصدّر للفتوى بكل ثقة، ويُصْدِر الفتاوى بلا حساب!)، ثم يشهد كاذبا (ظهر ينفي مقولات له، بينما هي مسجلة عليه صوتا وصورة!) بعد يمين القسم؛ مع أن الكذب في عُرْف السياق "الحَديثي" (نسبة إلى علم الحديث) يُسْقِط مصداقية الواعظ/ الداعية/ الراوي من الأساس !

اليوم، عرفت الجماهير أن كثيرا من نجوم الوعظ الدعوي لم يَتَحلّوا، لا بالعلم حقيقة، ولا بالصدق، ولا بالنزاهة. لقد غضب منهم كثيرٌ من مُرِيدِيهم بعدما اكتشفوا أنهم كانوا يُصَدِّرُون لهم/ للمريدين خطابَ "الزهد"، بينما هم/ الوعاظ يشتغلون ـ من خلال تصدير هذا الخطاب المتزهد ـ على الثراء. اكتشاف هؤلاء المُريدين لحجم ثروات دعاتهم/ علمائهم المفضلين رغم كل دعوات الزهد، أحدث صدمة ثقةٍ واسعة النطاق، خاصة عندما بدأ هؤلاء يتتبعون بقية أخبار الدعاة، وتحديدا، ما يخص "المال" و"النساء". ولك أن تتصور شابا متدينا مشدودا إلى المثالية الأخلاقية، يفترض "الزهد" و"النزاهة" و "الاستقامة الأخلاقية" في شيخه الداعية/ النجم، إذ به يُفَاجَئ ـ مكتشفا على سبيل اليقين ـ بأن شيخه "الزاهد" يكتنز الملايين، وأنه يكذب في التعاملات، وأنه يتلاعب بالزّيجات (أحدهم تزوّج أكثر من 22 مرة، بعضهن فتيات صغار/ مراهقات، يقضي معها شهرا أو شهرين ثم يُطلّقها كما يخلع نعله، ويعدّ هذا "التلاعب" من الحلال/ المباح!)، فما المتوقع ـ حينئذٍ ـ من هذا الشاب، ومن ورائه ملايين الشباب الذين أخذوا يتداولون أخبار هذا الداعية المِزْواج الذي كان يُحدّثهم ـ واعظًا ـ بأن "نساء الدنيا" لا ينبغي الالتفات لهن ولا الانسياق وراء إغرائهن، بل الواجب الزهد بهن؛ لأن "النساء بحق" هن حُورُ الجِنان !.

أما العامل الثالث المُتَسبّب في تراجع مستويات التدين في العالم العربي فهو متعلق بطبيعة الخطاب الديني الذي احتل الساحة، وأصبح يُشَكِّل ـ في وعي الأغلبية الساحقة من جماهير المسلمين ـ حقيقة الدين. فهذا الخطاب الديني مُتَهافت معرفيا، وهو أيضا محشو بالروايات المتناقضة، فضلا عن الحكايات الخرافية التي صحّحها علماء الإسناد، فضلا عن بعض الأحكام المُتضمّنة التي قَرّرها كثيرٌ من الفقهاء، بينما هي تتعارض مع بديهيات حقوق الإنسان.

قبل عصر الفضائيات وعصر الإعلام التواصلي المفتوح بلا حدود، كان مثل هذا الخطاب ينتشر ويتأكّد في صلب القناعات؛ دون أن يتعرّض لاختبار أو مساءلة. لكن اليوم، وعلى امتداد العشرين سنة الماضية، أصبحت التفاهات المعرفية في هذا الخطاب الديني التقليدي مَحلّ تَندّر وسخرية الجيل الجديد، وأصبحت الروايات الخرافية واللاّإنسانية تُسَاق في كل آن إلى مَحْكَمَةِ العلم والأخلاق: تُوضَع في كل لحظة على محك الاختبار العلمي وعلى حدّ مساءلة الضمير الأخلاقي.

هكذا نجد أن التديّن كحالة أيديولوجية في تراجع واضح على امتداد العالم العربي اليوم. وهو تراجع مُسْتمر/ نامٍ، وأسباب هذا التراجع في ازدياد وفي تأكّد أيضا. ما يعني أن لا مستقبل لهذا النوع من التديّن في حدود المستقبل القريب والمتوسط. لكن هذا لا يعني أن التديّن من حيث هو تِرياق عَزائي لأسئلة الميتافيزيقيا/ الما وراء، وكرفيق موثوق في رحلة البحث عن المعنى، سيتراجع أو سينحسر، بل على العكس، قد يكون فشل وتراجع التديّن الأيديولوجي دافعا لكثيرين نحو استحضار الدين كحالة روحانية واسعة الأمداء، لا تقيّدهم ولا تحدّ من خياراتهم، وإنما تمنحهم الثقة المطلوبة/ الاطمئنان الوجودي لتجاوز مرحلة تاريخية صعبة ومُحَمّلة بأعبائها وذكرياتها المرّة، إلى مرحلة تاريخية أخرى؛ مفتوحة الآفاق على رحابة عالم الإنسان.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.