في ذكرى اليوم الكارثي
في ذكرى اليوم الكارثي

تمنى كثيرون أن يكون انفجار المرفأ، الذي هزّ العاصمة اللبنانية وأثار التفاتة صادقة من العالم تجاه هذا الوطن المنهك، النقطة التي يطفح معها الكيل، وألا يكون ما بعد الانفجار شبيهاً بما كان قبله.

ما بعد الانفجار لم يكن صفحة جديدة، لا في أداء الطبقة الحاكمة، ولا في تفاعل الجمهور معها، ولا في الإجراءات القضائية المحلية أو السياسية الدولية المتخذة بحقّ المسؤولين عن الحادثة، المباشرين منهم والمعنويين.

اليوم، وبعد مرور عام كامل على الجريمة، ورغم الحاجة إلى استيعاب هذه الذكرى وتمريرها بما ينفّس الاحتقان الموضعي الذي قد يصاحبها، فإن الموقف السائد لدى كل من كاد الانفجار أن يهدد مواقعه ومكاسبه، هو التحلي بالمزيد من الصبر، إذ أن المعادلة التي مكّنته من الاستفادة من مصاب الآخرين ما زالت قائمة ومستقرّة، بل إن ما جرى قبل عام في المرفأ يؤكد ثباتها.

يمكن بالطبع الإمعان بالطعن بالطبقة السياسية اللبنانية، وهي بمجملها جديرة بذلك، ولا بد من التنبّه إلى تجنّب إلقاء اللوم على الضحايا الأبرياء كي لا يظلموا بذلك مرتين. غير أن الوجه الآخر للعملة، الذي يشكّل بدوره تضييعاً لإمكانية الخروج من المأساة ببعض الإيجابيات هو حصر المسؤولية بأشخاص تسمح رداءتهم باستسهال التجريح بهم، أو تبرئة المجتمع اللبناني من الحاجة إلى مراجعات بالعمق.

ليس غريباً أن تكون كارثة بحجم انفجار المرفأ قبل عام قد مرّت دون أن يشعر المسؤولون السياسيون بأن فشل المؤسسات التي يتولون قيادتها، بهذا الشكل الذريع، يستوجب عند الحد الأدنى أن يقدّموا استقالاتهم وأن يضعوا سجلّاتهم بتصرّف القضاء. بل هم أمضوا العام الكامل منذ الكارثة في هزليات التبرؤ وتدافع التبعات، وتمنية النفس بأنهم، كل على حدة، منزّهون عن الحقارة الملازمة لخصومهم.

هم بذلك لا يدجلّون على سائر اللبنانيين، بل ينضمون إليهم في ما يحدّث به العديد من هؤلاء أنفسهم. شعار ثورة أكتوبر 2019 كان «كلّن يعني كلّن»، في محاولة لتجاوز حالة الاستثناءات الانتقائية المتكاملة، والتي تشكل في حصيلتها الضمانة الأساسية لتمكين الطبقة السياسية اللبنانية.

لا يجهل اللبنانيون تورط زعمائهم بالفساد والاستهتار بالمسؤوليات، أو افتقاد هؤلاء الزعماء للكفاءة حيث الحاجة إليها ماسة. على أن العديد من اللبنانيين ملتزمون بالتسامح، كل إزاء زعيمه دون غيره، انطلاقاً من اعتبارات فئوية، طائفية الخلفية في معظمها، تكاد أن تكون حميمية الطابع.

هذا المسؤول تولّى ملفا حساسا على مدى أعوام طويلة وفشل في تحقيق النتائج الموعودة، وأهدر من المال العام ما يلقي بالمديونية الباهظة على الأجيال القادمة، بل تشير القرائن الوفيرة والأدلة القاطعة إلى أنه أمعن بالفساد، تمكيناً ومشاركة، في حين أن جمهوره يعاني شظف العيش وبلاده التي كانت القدوة والمثال في التطور تنحدر إلى الحضيض؟ رد الفعل لدى من يؤيّد هذا المسؤول هي: لا بأس، ولمَ التركيز عليه دون غيره، وتجاوزاته ضئيلة جداً بالمقارنة مع تلك التي ارتكبها الزعماء اللصوص الآخرين. ثم أنه طيّب المعالم لطيف الابتسامة ولا يستحق إلا المودة. "كلّن يعني كلّن" بالتأكيد، ولكن إلا هو. وصف حالة "هذا المسؤول" هنا ينطبق على جميع كبار المسؤولين، ولا يقتصر على واحد وحسب.

العلاقة بين الزعيم ومؤيديه علاقة مصلحية في العديد من أوجهها. استنسابية ومحسوبية وزبائنية ومطلبية وخدماتية. ولكنها أيضاً علاقة "عائلية" الطابع.

اللبنانيون، على الغالب، لا يخافون زعماءهم أو يخشون بطشهم، بل هم يتبنّونهم، ويؤيدونهم في خصوماتهم السياسية سواء كانوا بموقع الظالم أو بموقع المظلوم. وإذ يرجون منهم رد الجميل، بشكل خدمات أو هبات أو وظائف في دوائر الدولة مثلاً، فإن الراجح أنهم لا يشترطون ذلك، أي إذا حصل، فإن التأييد يتأكّد، ولكن إن لم يحصل، فإن التماهي لا يتلاشى.

حين يتكرّر هذا المنطق على كامل الفضاء السياسي في لبنان، يتبدّى بوضوح الأساس الأول لاستمرارية نظام النهب الممنهج. وما حدث في أعقاب انفجار المرفأ لا يخرج عن هذه القاعدة.

نظرياً، انفجار المرفأ جريمة تفضح الاستهتار والفساد، إن لم تخفِ الإرهاب والعمالة. أما عملياً، فالمسألة على قدر من الدقة. إذ في حين يبدو أن كافة الأطراف السياسية الرئيسية كان لها حضور في المرفأ، فإنه فيما يتعدى أهالي الضحايا وبعض النشطاء، الهمّ الأول لدى معظم المتابعين يمسي ألا ينجح "الآخرون" بإلقاء اللوم على المحسوبين على "زعيمنا"، ولا بأس بالتالي أن لجأ "زعيمنا" هذا إلى ما يبدو وكأنه تنصّل أو تملّص أو تهرّب، فالأخرون ليسوا برّاء من هذه المناورات، بل هم يسعون إلى تحميل "طرفنا" أقداراً من المسؤولية ليست له.

بل إن المنطق الذاتي الفئوي يجد منافذ ومخارج عديدة ليرتاح إلى الخروج من الموضوعية المجرّدة. لمَ استدع المحقق العدلي هؤلاء ولم يستدعِ أولئك؟ ألا يبدو أن الدوافع فئوية حزبية طائفية؟ بل لمَ يتحمّس الناشطون في جمعيات المجتمع المدني إلى المطالبة بإسقاط الحصانة عن النواب والوزراء؟ ما هي الانتماءات الطائفية لهؤلاء الناشطين، وما هي الانتماءات الطائفية للمطالبين بإسقاط الحصانة عنهم؟ وحتى ابتداءً، وهل أن الاهتمام بهذه الكارثة دون غيرها له دوافع تتعلق بهوية المتضررين؟ والمقاربة هنا طائفية، إلى أن يظهر أن "التوزيع الطائفي" للضحايا كان "متوازناً"، فتنتقل التهمة إلى "الهوية الطائفية" للمنطقة المتضررة، سلباً وإيجاباً.

في الأمس القريب، كان أحد الفطاحل السياسيين في لبنان، بعد أن أشهر مطلق علمانيته، قد تساءل، على أساس انطباعه الذاتي ودون العودة إلى المعطيات، عن السبب الذي يجعل من الحرائق تستهدف أحراج بلدات أكثرية سكانها من طائفته. أي أن القاعدة في الذهن السياسي اللبناني، بالوصف الإجمالي القابل للاختلاف التفصيلي لا التعميم المطلق، هي افتراض وجود الدوافع الطائفية. وإن لم يثبت ذلك، فإن المزيد من البحث قد يجدد ما يبرر بقاء الشبهة.

قد تستحق هذه االذهنية الفئوية الطائفية الإدانة من موقع المطالبة بالمواطنة والمساواة والأخوة الإنسانية. وليست هذه المفاهيم مستعصية على اللبنانيين، بل إن التزامهم النظري بها قائم ومتكرر في الخطاب العام. على أن القراءة الموضوعية لهذا السلوك السياسي، والذي يبدو ليس متنافياً مع القيم وحسب، ولكن مع المصالح كذلك، لا تدل على أنه ناجم عن جهل أو غباء، كما تريد له التصورات النخبوية "التنويرية"، بل عن موازنة ضمنية للمصالح، حيث أن النظام السياسي اللبناني الحداثي الموعود، الذي يفترض معه أن يكون لبنان وطناً لمواطنيه، لم يتحقق يوماً، بل أنيط تحقيقه منذ إعلان قيامه بمن هو مستفيد من المحاصصة الطائفية.

وفي حين أن الأجيال المتعاقبة شهدت بروز حركات وتوجهات تريد بإخلاص تجاوز الإطار الطائفي، فإن مواجهتها مع المنظومة الطائفية كانت صعبة، لتآلف القوى ذات المنحى الطائفي، رغم ما كانت وتزال عليه من خصومة، ضدها. أما عامل الفشل الأول فأنه لا يمكن مطالبة المواطن بإهدار حاضر متحقق، فيه الكثير من المساوئ، ولكن ربما فيه أيضاً ما يفي بمقتضى الحال، ومقايضته بمستقبل لا تبدو إمكانيات تطبيقه قائمة، ولا يوحي أي من الذين يدعون إليه بالثقة، من حيث القدرات بالتأكيد، والنوايا ربما.

المسألة أمام القوى الساعية فعلاً إلى التغيير ليست بإفادة المواطن حول نجاعة الرؤية التي تطرحها وقصور الفائدة من النظام الإقطاعي الطائفي الحالي، بقدر ما هي إقناعه بأنه لديها القدرة الفعلية على إنجاز التغيير، وأنها صادقة في مسعاها إليه، وليست بدورها مناورة طائفية مقنّعة.

والصراع بين الإقطاعية الطائفية وجهود إقامة الدولة الحديثة ليس جديداً، وتعويل كل أطراف هذا الصراع على شركاء أو حلفاء أو أسياد خارجيين بدوره ليس جديداً. وتوريط لبنان بالاحتلالات المتعاقبة، الفلسطينية والسورية والإسرائيلية والإيرانية، وإن تحفّظ البعض عن التوصيف، كان النتيجة التلقائية، إما للخلافات بين أطراف الإقطاعية الطائفية، أو في إطار محاولة هذه الأطراف تجيير نفوذ الجهات الخارجية لمنع قيام البدائل.

الجديد أن الاحتلال الأخير، أي السطوة الإيرانية على لبنان من خلال حزب الله، غير قابلة للتفكيك بالمناورات السياسية المعتادة، وهنا جانب الترهيب، فيما هي توفّر للإقطاع السياسي ككل إمكانية المحافظة على النفوذ ضمن دائرة ضيقة، بما يرافقه من فساد ونهب ممنهج، مقابل الرضوخ لوجودها، وهنا جانب الترهيب. والحصيلة هي تشكيل منظومة، وإن افتقدت التجانس شكلاً ومضموناً، فإنها تحظى في الظاهر بسِمة التوازن المستقر، أي أن أطراف الإقطاع السياسي المتناحرة من جهة تبقى متوافقة على المحافظة على هذه المنظومة، التي يتسيدها حزب الله، الخاضع جهاراً للولي الفقيه في طهران.

كيف للمواطن اللبناني، أمام هذا الصرح الضخم من الإقطاع والتبعية، الفساد والسلاح، أن ينقل أي قدر من ثقته لمجموعات شابة، لا تبدو قادرة على الاستمرار بتوجهاتها المعلنة دون التشظي والانقسام، ودون الرؤى الواضحة لخارطة طريق تنقذ لبنان الغارق في تبعات عقود من النهب الممنهج والخضوع لقوى الأمر الواقع؟

السؤال الموازي، على المستوى الموضعي في قضية انفجار المرفأ، كيف للمحقق العدلي، بإمكانياته المتواضعة، وصلاحياته العرضة للتبديل والعبث، أن يواجه المنظومة الحاكمة، بتشعباتها المتداخلة ومصالحها المستقرة، لانتزاع حقيقة من شأنها بأحسن الأحوال إحراج أطراف المنظومة، إن لم تدينهم صراحة؟

في موضوع انفجار المرفأ، كما في أوضاع لبنان الذي يضاعف من أوجه الانهيار، يبدو من الخيال انتظار جلاء الحقيقة كاملة أو حصول الحل الشامل الذي يعيد للبنانيين حقهم بالوطن الوافي لمواطنيه. ذلك لا يعني إطلاقاً وجوب الاستسلام للأمر الواقع.

ولكن، في حين أنه لا بد من التحضير ليوم الحساب الفعلي لكافة المتورطين بدمار الوطن بأكمله بما في ذلك تفجير مرفأ عاصمته، وذلك من خلال التحقيق الدقيق والتوثيق العميق لما جرى، فإن الواقعية تقتضي الإقرار بأن الأحوال الدولية لا تنبئ بخلاص قريب، لا من الاحتلال ولا من الإقطاع. في لبنان أصوات، شابة بمعظمها، ترى أن السبيل إلى نهاية تليق بهذا الوطن ووعده هو العمل الدؤوب لبناء بدائل منهجية ذاتية على كافة المستويات، ساعية لتحقيق الوعي وتعميمه بشأنين، الأول أن هذا المصاب ليس أمراً محتوماً وجبروت المنظومة ليس قدراً، والثاني هو أن المقدرات الذاتية هي الكفيلة بأن تباشر بالتحضير لبدائل فعلية، وإن كانت البدايات متواضعة. يبدو الأمر غريباً عن طبائع اللبنانيين، أو على الأقل بعيداً عن توقعاتهم المعتادة وتجربتهم المعاصرة، بما حملته من أوجه اتكالية وفوضوية، ولكن الخيارات المتاحة لم تعد متعددة، أما الاستسلام لسطوة السلاح والمال والرضي بمنطق إدارة النهاية للوطن في آخر مراحل تآكله، أو الرحيل واختصار المخاض، أو التمسك بالأمل مهما تضاءل والعمل مهما بدت حظوظه قليلة، لتحرير المواطن والوطن من "جهنم"، التي لا تعبأ الطبقة الحاكمة من أن يسقط لبنان فيها.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.