في ذكرى اليوم الكارثي
في ذكرى اليوم الكارثي

تمنى كثيرون أن يكون انفجار المرفأ، الذي هزّ العاصمة اللبنانية وأثار التفاتة صادقة من العالم تجاه هذا الوطن المنهك، النقطة التي يطفح معها الكيل، وألا يكون ما بعد الانفجار شبيهاً بما كان قبله.

ما بعد الانفجار لم يكن صفحة جديدة، لا في أداء الطبقة الحاكمة، ولا في تفاعل الجمهور معها، ولا في الإجراءات القضائية المحلية أو السياسية الدولية المتخذة بحقّ المسؤولين عن الحادثة، المباشرين منهم والمعنويين.

اليوم، وبعد مرور عام كامل على الجريمة، ورغم الحاجة إلى استيعاب هذه الذكرى وتمريرها بما ينفّس الاحتقان الموضعي الذي قد يصاحبها، فإن الموقف السائد لدى كل من كاد الانفجار أن يهدد مواقعه ومكاسبه، هو التحلي بالمزيد من الصبر، إذ أن المعادلة التي مكّنته من الاستفادة من مصاب الآخرين ما زالت قائمة ومستقرّة، بل إن ما جرى قبل عام في المرفأ يؤكد ثباتها.

يمكن بالطبع الإمعان بالطعن بالطبقة السياسية اللبنانية، وهي بمجملها جديرة بذلك، ولا بد من التنبّه إلى تجنّب إلقاء اللوم على الضحايا الأبرياء كي لا يظلموا بذلك مرتين. غير أن الوجه الآخر للعملة، الذي يشكّل بدوره تضييعاً لإمكانية الخروج من المأساة ببعض الإيجابيات هو حصر المسؤولية بأشخاص تسمح رداءتهم باستسهال التجريح بهم، أو تبرئة المجتمع اللبناني من الحاجة إلى مراجعات بالعمق.

ليس غريباً أن تكون كارثة بحجم انفجار المرفأ قبل عام قد مرّت دون أن يشعر المسؤولون السياسيون بأن فشل المؤسسات التي يتولون قيادتها، بهذا الشكل الذريع، يستوجب عند الحد الأدنى أن يقدّموا استقالاتهم وأن يضعوا سجلّاتهم بتصرّف القضاء. بل هم أمضوا العام الكامل منذ الكارثة في هزليات التبرؤ وتدافع التبعات، وتمنية النفس بأنهم، كل على حدة، منزّهون عن الحقارة الملازمة لخصومهم.

هم بذلك لا يدجلّون على سائر اللبنانيين، بل ينضمون إليهم في ما يحدّث به العديد من هؤلاء أنفسهم. شعار ثورة أكتوبر 2019 كان «كلّن يعني كلّن»، في محاولة لتجاوز حالة الاستثناءات الانتقائية المتكاملة، والتي تشكل في حصيلتها الضمانة الأساسية لتمكين الطبقة السياسية اللبنانية.

لا يجهل اللبنانيون تورط زعمائهم بالفساد والاستهتار بالمسؤوليات، أو افتقاد هؤلاء الزعماء للكفاءة حيث الحاجة إليها ماسة. على أن العديد من اللبنانيين ملتزمون بالتسامح، كل إزاء زعيمه دون غيره، انطلاقاً من اعتبارات فئوية، طائفية الخلفية في معظمها، تكاد أن تكون حميمية الطابع.

هذا المسؤول تولّى ملفا حساسا على مدى أعوام طويلة وفشل في تحقيق النتائج الموعودة، وأهدر من المال العام ما يلقي بالمديونية الباهظة على الأجيال القادمة، بل تشير القرائن الوفيرة والأدلة القاطعة إلى أنه أمعن بالفساد، تمكيناً ومشاركة، في حين أن جمهوره يعاني شظف العيش وبلاده التي كانت القدوة والمثال في التطور تنحدر إلى الحضيض؟ رد الفعل لدى من يؤيّد هذا المسؤول هي: لا بأس، ولمَ التركيز عليه دون غيره، وتجاوزاته ضئيلة جداً بالمقارنة مع تلك التي ارتكبها الزعماء اللصوص الآخرين. ثم أنه طيّب المعالم لطيف الابتسامة ولا يستحق إلا المودة. "كلّن يعني كلّن" بالتأكيد، ولكن إلا هو. وصف حالة "هذا المسؤول" هنا ينطبق على جميع كبار المسؤولين، ولا يقتصر على واحد وحسب.

العلاقة بين الزعيم ومؤيديه علاقة مصلحية في العديد من أوجهها. استنسابية ومحسوبية وزبائنية ومطلبية وخدماتية. ولكنها أيضاً علاقة "عائلية" الطابع.

اللبنانيون، على الغالب، لا يخافون زعماءهم أو يخشون بطشهم، بل هم يتبنّونهم، ويؤيدونهم في خصوماتهم السياسية سواء كانوا بموقع الظالم أو بموقع المظلوم. وإذ يرجون منهم رد الجميل، بشكل خدمات أو هبات أو وظائف في دوائر الدولة مثلاً، فإن الراجح أنهم لا يشترطون ذلك، أي إذا حصل، فإن التأييد يتأكّد، ولكن إن لم يحصل، فإن التماهي لا يتلاشى.

حين يتكرّر هذا المنطق على كامل الفضاء السياسي في لبنان، يتبدّى بوضوح الأساس الأول لاستمرارية نظام النهب الممنهج. وما حدث في أعقاب انفجار المرفأ لا يخرج عن هذه القاعدة.

نظرياً، انفجار المرفأ جريمة تفضح الاستهتار والفساد، إن لم تخفِ الإرهاب والعمالة. أما عملياً، فالمسألة على قدر من الدقة. إذ في حين يبدو أن كافة الأطراف السياسية الرئيسية كان لها حضور في المرفأ، فإنه فيما يتعدى أهالي الضحايا وبعض النشطاء، الهمّ الأول لدى معظم المتابعين يمسي ألا ينجح "الآخرون" بإلقاء اللوم على المحسوبين على "زعيمنا"، ولا بأس بالتالي أن لجأ "زعيمنا" هذا إلى ما يبدو وكأنه تنصّل أو تملّص أو تهرّب، فالأخرون ليسوا برّاء من هذه المناورات، بل هم يسعون إلى تحميل "طرفنا" أقداراً من المسؤولية ليست له.

بل إن المنطق الذاتي الفئوي يجد منافذ ومخارج عديدة ليرتاح إلى الخروج من الموضوعية المجرّدة. لمَ استدع المحقق العدلي هؤلاء ولم يستدعِ أولئك؟ ألا يبدو أن الدوافع فئوية حزبية طائفية؟ بل لمَ يتحمّس الناشطون في جمعيات المجتمع المدني إلى المطالبة بإسقاط الحصانة عن النواب والوزراء؟ ما هي الانتماءات الطائفية لهؤلاء الناشطين، وما هي الانتماءات الطائفية للمطالبين بإسقاط الحصانة عنهم؟ وحتى ابتداءً، وهل أن الاهتمام بهذه الكارثة دون غيرها له دوافع تتعلق بهوية المتضررين؟ والمقاربة هنا طائفية، إلى أن يظهر أن "التوزيع الطائفي" للضحايا كان "متوازناً"، فتنتقل التهمة إلى "الهوية الطائفية" للمنطقة المتضررة، سلباً وإيجاباً.

في الأمس القريب، كان أحد الفطاحل السياسيين في لبنان، بعد أن أشهر مطلق علمانيته، قد تساءل، على أساس انطباعه الذاتي ودون العودة إلى المعطيات، عن السبب الذي يجعل من الحرائق تستهدف أحراج بلدات أكثرية سكانها من طائفته. أي أن القاعدة في الذهن السياسي اللبناني، بالوصف الإجمالي القابل للاختلاف التفصيلي لا التعميم المطلق، هي افتراض وجود الدوافع الطائفية. وإن لم يثبت ذلك، فإن المزيد من البحث قد يجدد ما يبرر بقاء الشبهة.

قد تستحق هذه االذهنية الفئوية الطائفية الإدانة من موقع المطالبة بالمواطنة والمساواة والأخوة الإنسانية. وليست هذه المفاهيم مستعصية على اللبنانيين، بل إن التزامهم النظري بها قائم ومتكرر في الخطاب العام. على أن القراءة الموضوعية لهذا السلوك السياسي، والذي يبدو ليس متنافياً مع القيم وحسب، ولكن مع المصالح كذلك، لا تدل على أنه ناجم عن جهل أو غباء، كما تريد له التصورات النخبوية "التنويرية"، بل عن موازنة ضمنية للمصالح، حيث أن النظام السياسي اللبناني الحداثي الموعود، الذي يفترض معه أن يكون لبنان وطناً لمواطنيه، لم يتحقق يوماً، بل أنيط تحقيقه منذ إعلان قيامه بمن هو مستفيد من المحاصصة الطائفية.

وفي حين أن الأجيال المتعاقبة شهدت بروز حركات وتوجهات تريد بإخلاص تجاوز الإطار الطائفي، فإن مواجهتها مع المنظومة الطائفية كانت صعبة، لتآلف القوى ذات المنحى الطائفي، رغم ما كانت وتزال عليه من خصومة، ضدها. أما عامل الفشل الأول فأنه لا يمكن مطالبة المواطن بإهدار حاضر متحقق، فيه الكثير من المساوئ، ولكن ربما فيه أيضاً ما يفي بمقتضى الحال، ومقايضته بمستقبل لا تبدو إمكانيات تطبيقه قائمة، ولا يوحي أي من الذين يدعون إليه بالثقة، من حيث القدرات بالتأكيد، والنوايا ربما.

المسألة أمام القوى الساعية فعلاً إلى التغيير ليست بإفادة المواطن حول نجاعة الرؤية التي تطرحها وقصور الفائدة من النظام الإقطاعي الطائفي الحالي، بقدر ما هي إقناعه بأنه لديها القدرة الفعلية على إنجاز التغيير، وأنها صادقة في مسعاها إليه، وليست بدورها مناورة طائفية مقنّعة.

والصراع بين الإقطاعية الطائفية وجهود إقامة الدولة الحديثة ليس جديداً، وتعويل كل أطراف هذا الصراع على شركاء أو حلفاء أو أسياد خارجيين بدوره ليس جديداً. وتوريط لبنان بالاحتلالات المتعاقبة، الفلسطينية والسورية والإسرائيلية والإيرانية، وإن تحفّظ البعض عن التوصيف، كان النتيجة التلقائية، إما للخلافات بين أطراف الإقطاعية الطائفية، أو في إطار محاولة هذه الأطراف تجيير نفوذ الجهات الخارجية لمنع قيام البدائل.

الجديد أن الاحتلال الأخير، أي السطوة الإيرانية على لبنان من خلال حزب الله، غير قابلة للتفكيك بالمناورات السياسية المعتادة، وهنا جانب الترهيب، فيما هي توفّر للإقطاع السياسي ككل إمكانية المحافظة على النفوذ ضمن دائرة ضيقة، بما يرافقه من فساد ونهب ممنهج، مقابل الرضوخ لوجودها، وهنا جانب الترهيب. والحصيلة هي تشكيل منظومة، وإن افتقدت التجانس شكلاً ومضموناً، فإنها تحظى في الظاهر بسِمة التوازن المستقر، أي أن أطراف الإقطاع السياسي المتناحرة من جهة تبقى متوافقة على المحافظة على هذه المنظومة، التي يتسيدها حزب الله، الخاضع جهاراً للولي الفقيه في طهران.

كيف للمواطن اللبناني، أمام هذا الصرح الضخم من الإقطاع والتبعية، الفساد والسلاح، أن ينقل أي قدر من ثقته لمجموعات شابة، لا تبدو قادرة على الاستمرار بتوجهاتها المعلنة دون التشظي والانقسام، ودون الرؤى الواضحة لخارطة طريق تنقذ لبنان الغارق في تبعات عقود من النهب الممنهج والخضوع لقوى الأمر الواقع؟

السؤال الموازي، على المستوى الموضعي في قضية انفجار المرفأ، كيف للمحقق العدلي، بإمكانياته المتواضعة، وصلاحياته العرضة للتبديل والعبث، أن يواجه المنظومة الحاكمة، بتشعباتها المتداخلة ومصالحها المستقرة، لانتزاع حقيقة من شأنها بأحسن الأحوال إحراج أطراف المنظومة، إن لم تدينهم صراحة؟

في موضوع انفجار المرفأ، كما في أوضاع لبنان الذي يضاعف من أوجه الانهيار، يبدو من الخيال انتظار جلاء الحقيقة كاملة أو حصول الحل الشامل الذي يعيد للبنانيين حقهم بالوطن الوافي لمواطنيه. ذلك لا يعني إطلاقاً وجوب الاستسلام للأمر الواقع.

ولكن، في حين أنه لا بد من التحضير ليوم الحساب الفعلي لكافة المتورطين بدمار الوطن بأكمله بما في ذلك تفجير مرفأ عاصمته، وذلك من خلال التحقيق الدقيق والتوثيق العميق لما جرى، فإن الواقعية تقتضي الإقرار بأن الأحوال الدولية لا تنبئ بخلاص قريب، لا من الاحتلال ولا من الإقطاع. في لبنان أصوات، شابة بمعظمها، ترى أن السبيل إلى نهاية تليق بهذا الوطن ووعده هو العمل الدؤوب لبناء بدائل منهجية ذاتية على كافة المستويات، ساعية لتحقيق الوعي وتعميمه بشأنين، الأول أن هذا المصاب ليس أمراً محتوماً وجبروت المنظومة ليس قدراً، والثاني هو أن المقدرات الذاتية هي الكفيلة بأن تباشر بالتحضير لبدائل فعلية، وإن كانت البدايات متواضعة. يبدو الأمر غريباً عن طبائع اللبنانيين، أو على الأقل بعيداً عن توقعاتهم المعتادة وتجربتهم المعاصرة، بما حملته من أوجه اتكالية وفوضوية، ولكن الخيارات المتاحة لم تعد متعددة، أما الاستسلام لسطوة السلاح والمال والرضي بمنطق إدارة النهاية للوطن في آخر مراحل تآكله، أو الرحيل واختصار المخاض، أو التمسك بالأمل مهما تضاءل والعمل مهما بدت حظوظه قليلة، لتحرير المواطن والوطن من "جهنم"، التي لا تعبأ الطبقة الحاكمة من أن يسقط لبنان فيها.

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.