الأردنيون لا يثقون باللجان بحكم تجاربهم المرة معها
"الأردنيون لا يثقون باللجان بحكم تجاربهم المرة معها"

لم توفر المظلة الملكية سياجا يحمي لجنة تحديث المنظومة السياسية في الأردن، فرغم تباهي رئيس اللجنة سمير الرفاعي أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الضامن لنتائجها، فإن أعضاء وعضوات اللجنة تعرضوا خلال الأسابيع الماضية التي مرت على تشكيلها لأعنف هجمة مجتمعية على وسائل التواصل الاجتماعي، واستُبيح أعضاء وعضوات فيها؛ مما دفع بتدخل عاجل من الرئيس الرفاعي لإقالتهم لعل ذلك يفلح في امتصاص، أو توقف الهجمة التي يسود اعتقاد أنها مبرمجة ومنهجية.

الذين يعرفون اللعبة السياسية في الأردن يدركون بشكل بديهي أن "شيطنة" اللجنة الملكية حتى قبل أن تبدأ عملها ليس فعلا بريئا، ورئيسها جادله أعضاء فيها عن السر وراء استهداف "السستم" للجنة، فلم يؤكد هذه الانطباعات ولم يستبعدها، وكان أكثر شيء لافت أن التقى بالملك بعد عودته من واشنطن، وأخذ ضوءا أخضرَ بمنع سقوط واستهداف مزيد من الرؤوس في اللجنة، مما يعني باللهجة الشعبية تلافي "انفراط المسبحة".

يحاول الرفاعي أن يُبسّط أزمة اللجنة الملكية بالقول "بعض الأشخاص لا يريدون النجاح للجنة ويصطادون بعض الآراء الشخصية لأعضائها"، أو يقول "من لا يريد الإصلاح يهاجم اللجنة دون معرفة مخرجاتها"، والملك في لقائه مع رئيس اللجنة، ورؤساء ومقرري لجانها، ومكتبها التنفيذي سعى إلى دعمها لمواجهة العواصف التي تعرضت لها، وحاول أن يصنع لها قدمين لتُكمل مسيرتها، محذرا ومنبها من المعيقات التي توضع أمامها.

الحقيقة المعروفة أن الأردنيين لا يثقون باللجان بحكم تجاربهم المرة معها، ولهذا السبب فهم سلفا لا يعولون ولا يراهنون على نتائجها، ولا يتوقعون أنها ستنقذهم وستقدم لهم "ربيعا أردنيا" ينعمون خلاله بحقوقهم وحرياتهم، يضاف إلى ذلك أن الرفاعي يعرف قبل غيره أن سر بعض الهجوم على اللجنة يكمن فيه شخصيا، ووراء ذلك خصوم ومناوؤن كثر، والأسباب والمبررات والمرجعيات لذلك متعددة ومتنوعة، وأكثر ما يمكن أن يُقرأ في هذا السياق أنهم يقطعون الطريق على الرفاعي ليعود من الظل إلى صناعة القرار في البلاد.

بدأ العد العكسي لأعمال اللجنة، والمفترض قبل بداية شهر أكتوبر المقبل أن تكون اللجنة قد أنهت أعمالها، وقدمت كل ما في جعبتها إلى الحكومة لتحيل ما يمكن إحالته إلى مجلس النواب بالطرق الدستورية.

لن تخرج اللجنة عن المحددات التي وضعها الملك لعملها، ولهذا فإن الجدل الذي صاحبها استمر، وملخصه سؤال بسيط: كيف تريدون إصلاحا سياسيا وما زال الناس يتعرضون للتوقيف والسجن على آرائهم السياسية؟

تعرض الكثير من أعضاء اللجنة للإحراج، والإحباط، لكن الحكومة واللجنة لم تستطيعا فعل شيء إزاء ذلك، لأن الحكومة تجاهلت تساؤلاتهم، ولم تبذل جهدا لتحسين مناخ الحريات العامة لتحظى اللجنة بانفراج، وبفرصة للعمل بأريحية، وثقة شعبية بجدية مهمتها.

ستُنجز اللجنة تصورا لمشروعي قانون الانتخاب والأحزاب، وستقدم تصورات لتعديلات دستورية مرتبطة حكما بتعديل القانونين، وستقترح آليات لتطوير العمل البرلماني، وإدماج النساء والشباب بالحياة السياسية، وليس أكثر من ذلك.

اللجنة متنوعة ومتعددة، والتجاذبات في الآراء واضحة، ولكن "النصف المُعطّل" أو "الثلث المُعطّل" لأي توجهات خارج السياق المتوقع والمقبول موجودة، وحاضرة، كما يقال في الأدبيات السياسية اللبنانية.

قانون الانتخاب ربما يكون المفصل الأكثر أهمية الذي يمكن أن يحدث تحولات في المشهد السياسي، وقبل أن تتبلور الصورة النهائية تُطلق الاتهامات أن الهدف من وراء التعديلات زيادة التمثيل للأردنيين من أصل فلسطيني في البرلمان، وأن هذا نتاج ضغوط دولية، ويربط هذا الأمر بتغيير ما يسمى "الهوية الأردنية"، وتذهب بعض التحليلات إلى ربط ذلك بمشاريع "التوطين".

جدل المواطنة، هوية الدولة، وإشكالية العلاقة بين المكونات المجتمعية، والمخاوف من المستقبل السياسي كلها هواجس حاضرة، تطفو على السطح أكثر كلما فتح قانون الانتخاب، ودار حوار حول عدالة التمثيل الانتخابي، ويستشهد الإعلامي بسام بدارين في كلام لوزير البلاط الملكي الأسبق مروان المعشر "النص الدستوري يجعل كل حامل للرقم الوطني الأردني مواطن كامل الدسم" حسب تعبيره، ويطالب بتبديد المخاوف بين الشرق أردنيين، والأردنيين من المكون الفلسطيني، وتوقف الخلط بين المواطنة والتوطين.

يقترب وزير البلاط الملكي الأسبق، نائب رئيس مركز كارينغي، مروان المعشر، من هذه القضية الإشكالية دون مواربة، ويكسر "تابوه" الحديث والنقاش عنها، ويُفصح عن الهمس الذي يُقال أحيانا بالغرف المغلقة في مقال له بعنوان "الهوية الوطنية والمواطنة والإصلاح السياسي المنشود".

يقول المعشر "وحتى نُسمي الأشياء بأسمائها، فإن هناك هاجساً لدى الكثير من الأردنيين من أصول شرق أردنية، بأن الهوية الوطنية الأردنية اليوم بحاجة لأن تكون هوية شرق أردنية خالصة، وذلك بغض النظر عن مكون أردني كبير من أصل فلسطيني ضمن له الدستور الأردني مواطنة كاملة غير منقوصة حسب المادة السادسة منه، لهذه الفئة تفسير معلن أو مبطن لهذه المادة، مفاده أن المكون الأردني من أصل فلسطيني يستطيع التمتع بالحقوق المدنية، لكن ليس من حقه المطالبة بالحقوق السياسية الكاملة، قبل حل الصراع العربي الاسرائيلي وحل مشكلة اللاجئين (بشكل يسمح لعدد كبير من هؤلاء المواطنين بالعودة لفلسطين). وفي غياب ذلك، وفقاً للتعريف أعلاه، من شأن تساوي كل المكونات في الحقوق والواجبات، طمس الهوية الوطنية الأردنية وتحقيق الحلم الاسرائيلي في أن يكون الأردن هو فلسطين".

ويضيف المعشر في مقال ما زال يثير الجدل "يُهمل هذا التفسير عدة أمور، أهمها أن الدستور الأردني لم يضع موضوع حل الصراع العربي-الإسرائيلي شرطاً للمواطنة الكاملة لدى أي مكون، كما لا يتطرق هذا التفسير للسيناريو الأكثر احتمالاً، بأن فرص حل الصراع في المستقبل المنظور، وعودة عدد كبير من الأردنيين من أصل فلسطيني، هي ضعيفة على أحسن تقدير، ولا يتطرق أيضاً الى تطور الهوية الوطنية بين المكونين بعد أكثر من سبعين عاماً من التزاوج والتداخل الاجتماعي والسياسي. ويطرح سؤالاً في غاية الأهمية، وهو مدى نجاعة ربط تطور البلاد الضروري والذي لم يعد يحتمل التأجيل، بحل للصراع العربي الإسرائيلي الذي قد يطول وقد لا يأتي، وهل يستطيع الأردن تحمل تبعات تأجيل الإصلاح بشكل لا متناهي؟

 ويتابع "بالمقابل، هناك هاجس لدى الكثير من الأردنيين من أصل فلسطيني، يتم التعبير عنه صراحة أحياناً والسكوت عنه أحياناً أخرى، بأن المطلوب من هذا المكون انتماء لا تشوبه شائبة للدولة الأردنية، وذلك بالتوازي مع عدم عدالة التمثيل لا على مستوى مجلس الأمة أو الحكومة أو الجيش أو الأجهزة الأمنية، ويشعر هذا المكون بأن المطلوب منه التخلي عن مشاعره المشروعة نحو القضية الفلسطينية، ومعاملته معاملة تشكيكية تفترض أن تطلعاته الفلسطينية تتعارض مع تطلعاته نحو وطنه الأردن".

يحاول المعشر أن يصف واقع الحال، وسيجد هذا التحليل مخالفين له، وسيجد الكثير من المشككين بنوايا طرحه، لكن ما لا يمكن إنكاره أن هناك أزمة ليست محصورة داخل أسوار السلطة، وإنما تعمقت بين الناس، وتترك ندوبا وظنونا في بنية المجتمع.

رغم محاولات التحايل والالتفاف على هذه القضية بتنميق الكلام عن الوحدة الوطنية، فإنني أرى أن القصة برمتها مُصنعة، وجرى تغذيتها والضخ فيها على مر العقود الماضية، وأوهم قطاع لا يستهان به في المجتمع أنها الخطر القادم الذي يجب أن يتصدوا له.

أزمة مًصنعة تقتات على تعزيز العصبيات والهويات الفرعية، فحين كنا طلابا في جامعة اليرموك أواخر السبعينيات وأوائل الثمينينات من القرن الماضي، كان الجميع يعمل كتفا بكتف لبناء الديمقراطية فقط، والتصدي للاستبداد، كان ابن الرمثا، وابن رام الله يهتفان معا، ولم تكن هذه الهواجس حاضرة أبدا، ولم نكن نسمع بكلمات مثل الأصول والمنابت، أو المكون، ولم يكن هناك محاصصة في قيادة العمل الطلابي، وهذا كان أكثر جلاءً ووضوحا في المجالس النيابية والحكومات منذ وحدة الضفتين، فالتوزيع الديموغرافي، وسكين المحاصصة الجهوية لا مكان لها على الطاولة السياسية، وما لم تحدث استدارة مجتمعية للتوحد نحو هدف بناء الديمقراطية، فسنغرق في وحل صراعات الهوية، ويُستنزف الناس في عبث لا يبني وطنا ديمقراطيا.

وفقا لكلام رئيس اللجنة الملكية، فإن ما اتفق عليه حتى الآن ضرورة وجود قائمة وطنية حزبية، أو لتيارات سياسية في قانون الانتخاب تحكمها النسبية المغلقة، وتُحدد عتبة للحسم، ولم يصل تفاهم حتى الآن على عددها.

في الأردن 49 حزبا مرخصا، ولكن الجميع موقن أنها غير مؤثرة بالحياة السياسية، وأن الناس مستنكفة عن الانضمام لها، وإذا ما استثني حزب جبهة العمل الإسلامي "ذراع الاخوان المسلمين السياسي"، فإن باقي الأحزاب صوتها هامشي، ولا تحظى باهتمام مجتمعي.

أنصار القائمة الحزبية أو "الكوتا" يعتقدون أن بناء أحزاب يحتاج إلى حوافز لمواجهة الإقصاء المتعمد للعمل السياسي طوال العقود الماضية، والتحول لتنافس بين أحزاب برامجية يحتاج مرحلة انتقالية يدعمها القانون.

يتندر الأردنيون على مبدأ "الكوتا"، ويرونه محاصصة مهما صيغت بعبارات جميلة منمقة ومنها ما سُميّ "التمييز الإيجابي"، وإذا ما أقرت كوتا حزبية، فإن البرلمان الأردني سيصبح حسب أراء على السوشيل ميديا برلمان للكوتا، فالكلام يجري عن 40-50 مقعدا تحجز للأحزاب، وهناك من يطالب بزيادة كوتا النساء المعمول بها منذ سنوات إلى 30 بالمئة، وأصوات تطالب بكوتا للشباب، ولا ننسى الكوتا المخصصة للمسيحيين، والشيشان والشركس، ومقاعد فقط لدوائر البدو.

هناك مقاربات إقليمية ودولية معمول بها في قوانين الانتخاب ولا تحظى بالنقاش والاهتمام، وقد تخدم العمل الحزبي دون النص على مقاعد محددة، وتفتح باب التنافس بشكل أكثر عدالة.

المقترح أن ينص في الدستور على أن الانتخابات يسمح بالترشح فيها بقوائم أو ائتلافات حزبية فقط، والمقاعد للأحزاب والائتلافات وليس للأشخاص، ومن يخرج من الحزب يفقد مقعده، وفي التفاصيل يمكن النص على أن القوائم الحزبية أو التيارات يشترط أن تُرتب بالتناوب رجالا ونساء، وبهذا يضمن التوازن الجندري، ويمكن القول ألا يقل نسبة من لا تزيد أعمارهم عن 35 عاما عن 20 بالمئة، أو أي نسبة أخرى بالقائمة، وبذلك يمثل الشباب، وهكذا نضع حلولا للتحديات، ونراعي الإشكاليات المجتمعية.

كل ما يخرج من تصورات عن اللجنة الملكية لا يُبهج كثيرا المعارضون، فهم يرون أن ما يحدث ليس أكثر من شراء للوقت، وسعي لتجميل المشهد، وأن المطالب الحقيقية بحكومات برلمانية منتخبة، وملكية دستورية لن ترى النور.

الفكرة السائدة داخل النظام أن الإصلاح السياسي يجب أن يمر بمخاض وتحولات تدريجية قد تتطلب عشر سنوات على الأقل، وخلال هذه الفترة يجري مراجعة دورية لقانوني الأحزاب والانتخاب لتتوائم مع التطورات التي تشهدها الحياة السياسية.

سمير الرفاعي يقول صراحة بحديثه لتلفزيون المملكة أنه أبلغ الملك بالحاجة لـ 20 عاما للوصول إلى حكومات برلمانية، والملك أمهله 10 سنوات.

كثيرون يتجاهلون عن عمد، أو يسقطون من ذاكرتهم أن عام 1957 شُكلت حكومة حزبية في الأردن، وأن الأحزاب ما قبل مرحلة الأحكام العرفية وحتى خلالها، كانت تحظى بزخم جماهيري، قبل أن يتم "إخصائها" بمقاربات أمنية، وبتعظيم الهويات الفرعية في البلاد.

قبل نهاية هذا الصيف ستكون مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية قد تبلورت، وستصبح أعمالها شاهدا، وستتحول إلى أداة للقياس، واختبار صدقية السلطة في تعهداتها، وعندها يصبح مُلحا وضروريا البدء بمحاكمة سياسية لجدية نهج الإصلاح في الأردن.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.