الدين والإنسان.. اختلاف التعاطي
الدين والإنسان.. اختلاف التعاطي

في أزمة الرسوم الكاريكاتورية، وفي غيرها من الأزمات المشابهة، وحيثما تعلق الأمر بالعلاقة بين حرية التعبير وبين انتقاد الأديان أو معاداتها، يمكن للإنسان أن يلاحظ بوضوح الاختلاف العميق في التعاطي وفي ردة الفعل بين المجتمعات الغربية والمجتمعات المسلمة. وهو اختلاف يجد الكثير من مواطني المجتمعات الأخيرة بالذات صعوبة في فهمه أو تبريره.

ولو كان الأمر محصورا في الموقف من الإسلام وحده، لكان مفهوما، لكن المجتمعات الغربية تتساوى في مواقفها تقريبا من جميع الأديان والاعتقادات. فهي تسمح بالانتقاد وتعتبره حرية تعبير، مهما بولغ في ذلك. غير أنها في الوقت نفسه لا تتسامح مع الإساءة للبشر المعاصرين المنتسبين لهذا الدين أو ذاك. فالانتقاد هو من نصيب العقائد والأفكار أما البشر فهم محميون بقوة القانون.

في المقابل تفعل المجتمعات المسلمة العكس، فهي قد تتسامح مع الضرر الواقع على الأشخاص المؤمنين بهذا المعتقد أو ذاك، لكنها تبدي حساسية مفرطة تجاه المساس بالمعتقدات أو المقدسات. وبالنسبة لها لا توجد حرية تعبير أو اعتقاد حينما يتعلق الأمر بالدين.

لذلك يشيع استخدام مصطلحات مثل ازدراء الأديان أو المساس بالذات الإلهية وما شابه.

وقد يخيل للإنسان أن السبب في ذلك يعود إلى أن المجتمعات المسلمة أكثر تدينا أو أكثر تمسكا وإخلاصا للدين ومنافحة عنه من المجتمعات الغربية، لكن الواقع ليس على هذا النحو.

الحقيقة أن الأمر لا علاقة له بقوة الإيمان أو ضعفه، ولكن له علاقة بترتيب منظومة القيم والأولويات في المجتمع، وما إذا كان مصدرها دينيا أم مدنيا.

في العصور القديمة لم يكن ثمة فروق أو حدود واضحة بين الإنسان ككيان وبين ما يؤمن به أو ينتمي إليه، ولم تكن ثمة نتائج قانونية أو سياسية تترتب على التفريق في ذلك.

فانتماء الإنسان الديني مثلا كان يحدد موقعه وعلاقته بالدولة، التي كانت بدورها مؤسسة على فكرة الدين، أو المعتقد، ومنهما تستمد شرعيتها وتعريفها.

والانتماء، مثل عدم الانتماء، لم يكونا أمرين اختياريين، وإنما لهما وظيفتان محددتان من قبل المجتمع وكذلك المؤسسات النافذة فيه.

ولهذا السبب لم يكن ممكنا بالنسبة للأشخاص أن يروا في أنفسهم ذواتا منفصلة أو مستقلة عن الدين أو أن يروا في وجودهم قيمة بمعزل عن الانتماء الديني.

من هنا جاءت فكرة التماهي بين مصير الدين ومصير الإنسان، وأصبح انتقاد الدين أو المعتقدات ينظر له على أنه انتقاد للإنسان.

الحضارة الحديثة في المقابل طورت مفهوما مختلفا للعلاقة بين الإنسان ومعتقداته، بحيث بات ممكنا التمييز بين الاثنين. وهذا المفهوم يجد جذوره في فكرة المواطنة. فالمواطن أو الفرد (وليس المؤمن أو غير المؤمن) هو مناط التكليف في المجتمع المكون بدوره من مواطنين وأفراد ينتظمون في عقد اجتماعي مع الدولة، يتنازلون بموجبه لها عن جزء من حريتهم في مقابل توفير الحماية لهم.

وهذا العقد يعامل الإنسان بصفته الفردية وكونه مسؤولا عن نفسه مسؤولية كاملة من الناحية القانونية، الأمر الذي يبعد عنه الحاجة إلى اثبات الهوية الدينية أو غيرها من الهويات، كشرط للانتماء إلى الدولة.

لذلك فإن المواطنين اليوم في الدولة الحديثة هم في الحقيقة ليسوا مسلمين، أو مسيحيين، أو يهودا، أو ملحدين، أو غير ذلك، هم مجرد مواطنين. الانضواء في الدولة لا يتطلب أكثر من الموافقة على العقد الاجتماعي، واحترام القوانين والتشريعات النافدة فيها.

من هنا فإن الدولة الحديثة ميزت بين الإنسان وبين أفكاره ومعتقداته. فهي جعلت من الإنسان القيمة الأساسية، واعتبرت الأفكار والمعتقدات امتدادا للإنسان وليست قيمة منفصلة قائمة بذاتها.

وما دام الأمر كذلك فإنه لا يمكن إخضاع الإنسان للعقاب بسبب انتقاده لهذه المعتقدات أو الأفكار، فذلك يدخل في إطار حرية التعبير. كما لا يمكن الأخذ بالمزاعم التي تساوي بين انتقاد المعتقدات وانتقاد الإنسان، لأن الإنسان في نظر القانون والتشريعات مقدم على المعتقدات.

بل أنها لم تقف عند حد تجريم الأفعال المادية والمباشرة التي تمس بسلامة الإنسان، وإنما جرمت أيضا الأقوال أو الآراء التي تتخذ طابعا تحريضيا، والتي من الممكن أن تؤدي بوضوح إلى إيقاع الأذى بالإنسان.

على سبيل المثال، تجرم القوانين في الدول الغربية التشكيك في الهولوكوست مثلا أو معاداة السامية، وبالنسبة للكثير من المسلمين (وبعض غير المسلمين) فإن هذا الأمر ليس مفهوما، فهم يقولون إن الغربيين يتسامحون مع كل شيء، ولكن حين يصلون إلى هذه المسألة يجفلون وترتعد فرائصهم! فهل هم منافقون مثلا أم خائفون أم مبتزون؟

والجواب هو ليس هذا أو ذاك. الأمر ببساطة أن التشكيك في الهولوكوست لا يتعلق بفكرة أو اعتقاد أو دين، إنه يتعلق بملايين الضحايا من المواطنين اليهود الذي لقوا حتفهم على أيدي النازيين، وحين يشكك أحدهم في هذا الأمر فهو ببساطة يسيء للضحايا وللناجين منهم ويعفي الجناة من جريمتهم.

أيضا ثبت بالدليل الملموس أن معاداة السامية أو الشعارات المشابهة تتحول في الكثير من الأحيان إلى أعمال عنف وإيذاء بحق اليهود ومجتمعاتهم.

أما الدين اليهودي نفسه، فهو مثل غيره من الأديان يتعرض للانتقاد والسخرية في المجتمعات الغربية، وليست له حصانة من الناحية القانونية.

والحال أنه في الوقت الذي وضعت فيه الدولة المدنية الحديثة في صلب اهتمامها منع ازدراء الإنسان، لا يزال اهتمام الدولة الدينية منصبا على منع ازدراء الأديان، والنتيجة واضحة في الاتجاهين!

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.